في كركوك انهار حلم الدولة الكردية  لماذا تركت أمريكا “الحصان وحيدا”؟

حجم الخط
1

هل بدأ رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني مواجهة لم يكن قادرا على الانتصار فيها؟ وهل قامر بما حققه الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين وخسره في يومين؟ الجواب على السؤالين نعم. ولكن ما الذي دفع بارزاني لخطوة كان يعرف أنه لا يستطيع تحمل تبعاتها؟ الأجوبة متعددة وهي لا تحتاج للخوض في نظريات مؤامرة والعودة للمقولة القديمة أن الكردي لا صديق له إلا الجبل. فالحقيقة هي أن الأكراد حققوا الكثير من المكتسبات الكبيرة التي جعلتهم منذ عام 2003 يحكمون إقليمهم دون تدخل من بغداد، بل ولد جيلان لم يكن أبناؤهما بحاجة للتعامل مع العرب وتعلم العربية. وظلوا في الوقت نفسه جزءا مما أطلق عليه “العراق الجديد” وأسهموا في الحياة السياسية وكانوا حجر الثقل أو كما يقال “صناع الملك”. وفوق كل هذا منحهم انهيار الجيش العراقي في الموصل عام 2014 الفرصة التي كانوا ينتظرونها وتحركوا نحو كركوك التي تطفو على 9 مليارات برميل من النفط وتحتوي على منشآت حيوية وكانت ستصبح البقرة الحلوب لمشروع دولتهم التي انتظروها وتبدو اليوم في أعقاب الاستفتاء مثل حلم بعيد.

من الحماسة إلى الكارثة

هناك مفارقة غريبة بين مظاهر الاحتفالات والحماس الوطني الكردي في استفتاء 25 ايلول (سبتمبر) وانسحاب البيشمركه من كركوك وسط حصار للإقليم وتخلي الحلفاء عنهم وخلافات كردية – كردية وتبادل للاتهامات بين قبيلة طالباني وعائلة بارزاني الحاكمة. فكلمة الخيانة هي الرائجة اليوم بين الأكراد الذي نجح الجنرال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس بتفريقهم ودفع جناح طالباني أو الاتحاد الوطني الكردستاني للانسحاب من مدينة كركوك. فالخلافات الكردية هي كعب أخيل التي قتلت الحلم الكردي على الأقل في المرحلة الحالية. وستكون تجربة كردستان مثالا محبطا للجماعات الكردية في إيران وتركيا وسوريا والتي بدأت تحلم مثل أكراد العراق بكيان مستقل. ولعلها تذكيرا لمن رقصوا منهم في شوارع الرقة وعلقوا صورة كبيرة للزعيم التركي عبد الله أوجلان. ومرة أخرى يسقط الأكراد ضحية للجيوسياسة المعقدة في المنطقة فلم يقف معهم هذه المرة سوى السعودية وإسرائيل. لكن التجربة ليست منفصلة عن واقع الأكراد الداخلي، فإصرار بارزاني على استفتاء كان محاولة منه لتعزيز مواقعه في السياق الكردي وشرعنة حكمه غير الشرعي، بعد مضي عامين على انتهاء ولايته وتعطيله للبرلمان واتهامات لحكومته بالفساد والاستبداد. فكان تمرير الاستفتاء والتلاعب بالمشاعر القومية طريقته للبقاء في الحكم. وكان يطمح في الوقت نفسه للعب أوراقه مع بغداد التي قابلته بالتهديد وحشد القوات بما فيها الميليشيات الشيعية. وبالضرورة كان يطلب من الأمريكيين دفع فاتورة مشاركته في الحرب ضد تنظيم “الدولة”. ولم يكن يعرف أو كان يعرف أن للأمريكيين حساباتهم وأولوياتهم التي لم تتغير، مثلما كان لرئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي ظروفه المماثلة أيضا. فهما بارزاني والعبادي نتاج مؤسسات حكم فاشلة ومحاطان بقوى تبغي إسقاطها، فهناك انتخابات تنتظر العبادي في العام المقبل وحشد شعبي يحاول البناء على مكاسبه الميدانية بتأثير في بغداد والحصول على حصة من  النفوذ وتأكيد نفسه كقوة شرعية وليس مجموعة من المقاتلين المتشددين غير المنظمين كما ترى مجلة “ذا اتلانتك” (18/10/2017). ومن هنا ففي هذه الجولة خرج العبادي من الرهان رابحا أما بارزاني فلم يف بوعوده ولم يعتذر على الطامة  التي حلت بشعبه كما تقول “إيكونوميست” (21/10/2017) فما بين 16-18 تشرين الأول (أكتوبر) خسرت حكومة إقليم كردستان 40 في المئة من الأراضي التي كانت تعمل سنوات على تعزيز وجودها وربما خسرتها للأبد. وتقدر المجلة حجم الأراضي التي خرجت عن سيطرتها بحوالي 36.000 كيلومتر. وأصبحت القوات العراقية وبالضرورة الحشد الشعبي، تسيطر على كل المناطق الجنوبية لكردستان والتي تمتد من بلدة ربيعة على الحدود السورية إلى جبل سنجار الإستراتيجي وسد الموصل على نهر دجلة وحتى خانقين على الحدود الإيرانية. وفر من كركوك أكثر من 60.000 كردي “ومعهم ذهب حلم الدولة” والذهب الأسود الذي بدونه لا تستطيع حكومة كردستان النجاة.

لماذا تخلت عنه؟

وفي المحصلة كشف الاستفتاء عن حالة الترهل الذي تعيشه المؤسسات الكردية والعزلة الدولية التي يعيشها الإقليم. والرهان الآن حول الكيفية التي سيتعامل فيها المجتمع الدولي وخاصة أمريكا مع الوضع. وهناك الكثير مما قيل حول الموقف الأمريكي وتصريحات المسؤولين في الخارجية والبيت الأبيض. فإدارة ترامب غاضبة من تجاهل بارزاني مناشداتها له بتأجيل الاستفتاء حتى يتم الانتهاء من ملف تنظيم “الدولة”. وهناك تقارير تقول إن الإدارة الأمريكية كانت تعرف بالعملية العسكرية بل ونقلت صحيفة “نيويورك تايمز″ (18/10/2017) عن محللين قولهم إن العبادي لم يكن ليطلق عملية عسكرية بدون إعلام الأمريكيين أو على الأقل تقديم إشارات لهم. وبعضهم قال إن واشنطن منحت بغداد الضوء الأخضر. وبدا الموقف الأمريكي في أزمة كركوك متقاربا مع إيران. وبعيدا عن غضب الإدارة من بارزاني فقد كان منظر حليفين من حلفائها في مواجهة عسكرية غير مسر. إلا ان هناك من دافع عن موقف واشنطن التي رأت في استعادة بغداد  للمدينة النفطية مصلحة أمريكية، فهي تساعد بطريقة أو بأخرى العبادي على مواجهة منافسه نوري المالكي الذي حاول استخدام ورقة بقاء المدينة في يد الأكراد للتعبئة في الحملة الانتخابية المقبلة. ويرى مايكل روبن، الباحث في معهد “أمريكان إنتربرايز″ والموجود الآن في بغداد، أن الحكومة العراقية أجبرت على التحرك لأن مسعود بارزاني دفع باتجاه الاستفتاء. وقال في تصريحات لموقع “بلومبيرغ” (18/10/2017) إن “كركوك متنازع عليها وهي متعددة العرقيات” و”قرر بارزاني تمزيق الوضع القائم. وكل الحادث ليس نصرا لإيران بل ويخدم المصالح الأمريكية لأن العبادي واع للغرب أكثر من منافسيه وهو في وضع جيد”. ويرى السفير الأمريكي السابق في بغداد ستيوارت جونز أن الموقف الأمريكي كان واضحا “فالولايات المتحدة كانت تقول للأكراد ولمسعود (بارزاني) ومسرور (بارزاني) منذ الربيع الماضي أن لا يمضيا في الاستفتاء لأنه ليس في صالح كردستان ولا العراق وسيعطي مبررا للمتشددين وللإيرانيين”. وقال ستيوارت الذي يعمل في مجموعة كوهين لمجلة “ذا أتلانتك” (20/10/2017) “أعتقد أن هذا ما نراه الآن”. وبالفعل كانت إيران هي المستفيدة من الوضع حسب إيما سكاي، الدبلوماسية الأمريكية في العراق أثناء الغزو التي قالت إن من كان يعطي الأوامر في الأزمة الأخيرة هم الإيرانيون. واتفق المراقبون على الدور الذي لعبه الجنرال سليماني في تمزيق الأكراد، مع أن محافظ كركوك السابق نجم الدين كريم أخبر “بلومبيرغ” أن سليماني اجتمع مع قادة الاتحاد الوطني الكردستاني وقادة البيشمركه في كركوك وأنذرهم بقرب الهجوم لو لم ينسحبوا. وتكشف الدور الإيراني من ناحية وجود الميليشيات الشيعية التي تقول مجلة “فورين بوليسي” (18/10/2017) إنها دخلت كركوك قبل قرار العبادي. وقالت إن قادة الحشد ضغطوا عليه لعمل شيء في كركوك أو ترك الأمر لهم. وبالمحصلة فقد كشفت أزمة كركوك أنه وبعد 14 عاما من سقوط صدام لا تزال إيران تمارس نفوذا كبيرا على البلاد، ليس فقط في بغداد ولكن في كردستان. وهذا عامل يجب على أمريكا التعامل معه وهي تواصل مواجهة طهران وإعلان دونالد ترامب عدم المصادقة على الاتفاقية النووية وخطواته لمعاقبة الحرس الثوري الذي ينتمي إليه قاسم سليماني. ويرى ستيوارت جونز أن “لدى إيران في هذه المناطق  تأثير وسيظل لها تأثيرا، فلديها 800 كيلومتر من الحدود مع العراق بما فيها حكومة إقليم كردستان، ولا توجد أي طريقة تمنعها أن لا تكون لاعبا”. ومع ذلك يرى بريان كروكر الذي عمل سفيرا في العراق بين 2007- 2009  أن الولايات المتحدة أضعفت موقفها في العراق عندما ظهرت وكأنها تدعم بغداد في الأزمة الكردية: “كان علينا أن لا نتخذ مواقف بطريقة أو بأخرى بشأن الدولة الكردية في شمال العراق. فعلى الأكراد العراقيين حلها” و”لكن بإدخالنا أنفسنا مع جانب فهذا يجعلنا وسطاء غير نزيهين كما نريد أن نكون”.

الجريمة في بغداد

ومن هنا فقد تكون الولايات أخطأت طريقها عندما قررت دعم رجلها في بغداد تماما كما دعمت نوري المالكي “رجلنا في العراق” في انتخابات عام 2010 على أمل أن يوافق على بقاء القوات الأمريكية في مرحلة ما بعد 2011. وعليه فبارزاني رغم ارتكابه حسبة خاطئة إلا انه كان يرى أن الزواج بين بغداد وأربيل بات جحيما وأن الأكراد لن يتعاملوا أبدا ولن يثقوا ببغداد الغارقة في عالمها الطائفي وتعاني من العجز والضعف. ويعتقد رانج علاء الدين في “فورين أفيرز″ (20/10/2017) أن منطق الولايات المتحدة لدعم العبادي وعدم شجب التعبئة ضد كركوك غير صحيح. فمشاركة الحشد الشعبي في الهجوم تؤكد أن رئيس الوزراء لم يكن واثقا من قدرة جيشه القيام بالمهمة وحده. بل ووقع في شرك المتطرفين الشيعة من أمثال المالكي وفتح مواجهة مع الأكراد. ويرى أن كركوك ستكون بداية سقوط العبادي. وكان لافتا وجود هادي العامري، زعيم منظمة بدر وأبو مهدي المهندس، زعيم كتائب حزب الله أثناء إنزال العلم الكردي من على مبنى المحافظة. وإذا توحدت الفصائل الشيعية حول كركوك فلن يستمر هذا طويلا حيث ستعود المواجهة بينها في الأشهر المقبلة وتعود للتنافس على الدولة العراقية ومصادرها. ويواجه العبادي بالإضافة لجماعات إيران في العراق معارضة من مقتدى الصدر الذي يقود حركة شعبية. ومنذ نهاية حكم صدام تحولت اللعبة الانتخابية لمقايضات وترتيبات بين الطائفة نفسها بشكل أنتج نظاما سياسيا عاجزا. وهنا يأتي دور الأكراد في هذه الدولة غير الفاعلة. فربما خسروا كركوك إلا انهم سيظلون جزءا مهما في أي عملية سياسية. ويتوقع علاء الدين أن يتجاوز الأكراد الصدمة في كركوك لأن التحالفات غير مستقرة في الشرق الأوسط، فرغم اصطفاف تركيا وإيران معا ضد كردستان إلا أنهما تتنافسان في شمال العراق. ومن غير المحتمل تخلي أنقرة عن حليفها في أربيل وللأبد، فهو مهم لها للحد من نشاطات حزب العمال الكردستاني. وعليه فدخول منطقة كردستان للفوضى ليس في صالح كل من إيران وتركيا لأنهما ستتنافسان على الأطراف المتصارعة فيها وستحاولان حماية نفسيهما من التغيرات التي ستأتي بعد نهاية تنظيم “”الدولة الإسلامية. وفي الوقت الحالي تلقى بارزاني جوابا على سؤال حمله للأمريكيين عبر إيما سكاي: في حالة نشوب نزاع مع العراق مع من سيقف الأمريكيون؟ ولم يكن بارزاني يعرف أن والده تلقى جوابا مماثلا. ففي عام 1975 طلب ملا مصطفى بارزاني الدعم الأمريكي بعد اتفاق شاه إيران والبعث في العراق حول المناطق البحرية المتنازع عليها. ولكن هنري كيسنجر، وزير الخارجية في حينه رفض تقديم الدعم فانهار التمرد الكردي. فهل سيواجه بارزاني الابن قدر والده وهو الذي ظل يمني نفسه بالوقوف تحت علم دولة كردستان المستقلة؟

في كركوك انهار حلم الدولة الكردية  لماذا تركت أمريكا “الحصان وحيدا”؟

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية