في مئويته… حقيقة التناقضات في الوعد المشؤوم

حجم الخط
3

في مئوية وعد بلفور المشؤوم، الذي تصادف ذكراه اليوم، وفي الوقت الذي تحتفل فيه بريطانيا وحليفها الصهيوني بذكرى هذا الوعد، بدلاً من اعتذار رئيسة وزرائها تيريزا ماي عن التسبب لشعبنا بمآسٍ ممتدة منذ ما يزيد عن القرن!
ندعو السيدة ماي لتتأمل في حاضر إسرائيل وما تقترفه من مجازر بحق الشعب الفلسطيني، وبحق أرضه! ندعوها إلى التمعن في واقع مخيمات اللجوء الفلسطينية في الوطن والشتات. ندعوها للتمحيص في التمييز العنصري الإسرائيلي الممارس ضد أهلنا في المنطقة المحتلة عام 1948. ندعوها إلى قراءة آخر المشاريع الاستيطانية الإسرائيلية، المسمّي بمشروع القدس الكبرى. ندعوها إلى استعراض المذبحة التي ارتكبت في 29 أكتوبر عام 1956 مجزرة كفر قاسم، واستعراض المجازر الأخرى، دير ياسين، الطنطورة، قبية، والعشرات غيرها في التاريخين القديم والحديث.
ندعو السيدة ماي إلى التجرّد لدقائق والوقوف مع العدالة، لتحكم على أسلافها من المسؤولين البريطانيين، إن كانوا قد أصابوا أو أخطأوا، عندما أطلقوا وعد بلفور للحركة الصهيونية، وعندما سهّلوا هجرة اليهود إلى فلسطين، إلى أرضٍ لا تربطهم صلة بها. وهيأت لهم الدولة المنتدبة على فلسطين، كل الطرق الممكنة وغير الممكنة للاستيلاء على الأرض وزرعها بالمستوطنات، وتسليح المهاجرين، ومساعدتهم في إنشاء المنظمات الإرهابية الصهيونية: الإيتسل، الأرغون، ليحي والهاجناة وغيرها، التي لم تمارس الإرهاب ضد الفلسطينيين فحسب، بل ضد القوات البريطانية نفسها. لم يحز موضوعٌ من النقاش، كما وعد بلفور على مدى قرن زمني.
معروف أن بلفور وزير الخارجية البريطاني، أعطى الوعد مكافأة لليهود، لمساعدتهم بريطانيا أثناء الحرب العالمية الأولى، حرص اليهود على نشر هذا الادّعاء. المعروف أيضاً، ان العرب أيضاً وقفوا إلى جانب بريطانيا في هذه الحرب وتخلوا عن الامبراطورية العثمانية، طمعاً في نيل حريتهم. كثيرون يعارضون هذا الرأي، ويرون أن بريطانيا أعطت الوعد لليهود للتخلص منهم ومن شرورهم وإبعادهم عن أوروبا وبريطانيا، وهي الأكثر كرهاً لهم، خاصة بعد تزايد هجرة اليهود من روسيا وبولندا إليها، خوفاً من البطش بهم، فقد كان من المعروف عن اللورد بلفور، خاصة أثناء توليه رئاسة الحكومة البريطانيه 1903 ـ 1905 بأنه من ألّد أعداء اليهود، وأنه يريد التخلص منهم، إلا إنه في الوقت نفسه وربما للسبب نفسه كان متعاطفاً معهم، لإيجاد وطن لهم بعيداً عن بريطانيا وأوروبا، ونتيجة لمباحثاته مع هرتزل زعيم الحركة الصهيونية، تم الاتفاق على تحويل هجرة اليهود إلى بلد آخر، فاختار هرتزل فلسطين، حيث كان قد رفض عام 1906 فكرة اختيار أوغندا وطنا لليهود.
في التقدير، أن هذا التفسير في مضمونه، يخدم التوجهات الصهيونية، التي ركّزت على اضطهاد الأوروبيين لليهود، حاولت تعظيم ما لقيته من اضطهاد في أوروبا، ولكن هل انحصر القمع ضد اليهود فقط؟ أم أنه في عصر الإقطاع، امتّد ليشمل كل الفئات الشعبية الفقيرة. تحرص الحركة الصهيونية على أن تخلق من اليهود محوراً، ذلك بالطبع لخدمة أهدافها في أن اليهود «شعب»، «قومية» و»أمة»، فمثلما لا يربط المسلم العربي بالمسلم الهندي سوى الدين، فإن الرابط بين اليهودي الروسي واليهودي الأوغندي هو الدين أيضاً.
الدليل على صحة ما نقول أيضاً: أنه وقبل هذا الوعد بزمن طويل، جرى الحديث أوروبيا عن ضرورة إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، كخيار من عدة خيارات في دول أخرى، صحراء سيناء المصرية وفي العريش تحديدا، وهذا اقتراح رئيس الوزراء البريطاني تشمبرلن، لكن «لجنة الخبراء الصهيونيين» رفضته. كان أحد الخيارات أوغندا، اقترحه بلفور نفسه، رفض المؤتمر الصهيوني السادس هذا المقترح، لأن أوغندا لن تشكل مصدر جاذبية لهجرة اليهود، ثم كانت الخيارات في كندا، الأرجنتين، جنوب إفريقيا وغيرها، وكلها جوبهت بالرفض الصهيوني لها.. هذا يعني أكذوبة الارتباط الروحي اليهودي بفلسطين.
قبل بلفور كان نابليون بونابارت أول من اقترح إقامة دولة (حكم ذاتي) لليهود في فلسطين تحت الولاية الفرنسية. كان يريد استخدام اليهود لخدمة المصالح الفرنسية في المنطقة.
في عام 1862 نشر الزعيم الصهيوني موشيه هيس كتابه «روما والقدس»، وفيه تحدث عن رعاية فرنسية لدولة اليهود في فلسطين، هذا دليل على صحة ما ذهبنا إليه. في عام 1830 اتفق اللورد بالمرستون وزير الخارجية البريطاني مع اللورد شافستري على تكثيف الهجرة اليهودية إلى فلسطين، خدمة للمصالح البريطانية في المنطقة. وفي عام 1838 تم افتتاح أول قنصلية بريطانية في القدس، لخدمة المصالح البريطانية ولتكثيف هجرة اليهود. ساعد القنصل ديكسون منذ بداية عام 1839 اليهود، في شراء الأراضي في فلسطين وإقامة المستعمرات، وكان عددهم آنذاك 10 آلاف. في عام 1865 أنشأ الصهيونيون البريطانيون «صندوق استكشاف فلسطين»، الذي كان يقدم مساعدات مادية لكل من يريد الهجرة إلى فلسطين من اليهود. بعد ذلك توالت موجات الهجرة، وكانت أضخمها هجرتين، الأولى من عام 1882 – 1904. الثانية من عام 1914 ـ 1915.
بريطانيا، كما كل الدول الاستعمارية، هدفت إلى استعمال اليهود ودولتهم الموعودة لخدمة مصالحها في المنطقة العربية، وللتخلص من مشكلة عانت منها آنذاك. ففي بريطانيا تشكلت عام 1904 «اللجنة الملكية للحدّ من هجرة الغرباء»، صدّوا هجرة اليهود وغيرهم، واستُدعي هرتزل للإدلاء بشهادته أمام اللجنة. قدمت الحكومة مشروع القرار لمجلس العموم لوقف الهجرة، واضطرت إلى سحبه تحت ضغوطات المعارضة، ثم عادت وقدمته مرة أخرى عام 1905 ونجح. كما هدفت بريطانيا من إنشاء دولة لليهود في فلسطين،إلى تأمين خطوط مواصلاتها إلى الهند.
مئة عام مرّت على هذا الوعد المشؤوم من وزير خارجية بريطانيا العظمى للحركة الصهيونية، الذي جعل من فلسطين مكاناً لإقامة الوطن القومي لليهود فيه، ظلما وزورا وبهتانا، بما يمثله ذلك من انصياع وتآمر بريطاني مع قرار المؤتمر الصهيوني الأول، الذي انعقد في مدينة بازل السويسرية عام 1897، والذي جعل من فلسطين «أرضاً للميعاد». قرار الحركة الصهيونية في المؤتمر، وقرار وزير الخارجية البريطاني بلفور في ما بعد عام 1917، مثّلا ولا يزالان التقاء المصالح الاستعمارية والصهيونية، ومخططاتهما البعيدة المدى للوطن العربي، القاضية بإقامة دولة غريبة عن المنطقة وعدوة لسكانها، في الجزء الفاصل بين دول الوطن العربي في آسيا والأخرى في إفريقيا، هذه الدولة ستكون رأس جسرٍ للمصالح الاستعمارية في الشرق الأوسط، وحربة في ممارسة العدوان على دوله، وإبقاء شعوب المنطقة متأخرة، ومنع قيام أي مظاهر وحدوية بين دوله، لأن وحدتها تجعل منها، قوة مؤثرة على الساحة الدولية، «فهي شعب واحد تتوفر له وحدة التاريخ والدين واللسان».
تم رسم هذا المخطط في مؤتمر كامبل – بنرمان الذي امتدت جلساته المتباعدة من عام 1905 – 1907، بين الدول الاستعمارية التي حضرته: بريطانيا، فرنسا، بلجيكا، هولندا، إسبانيا وإيطاليا. ثم إن الصهيونية كمفهوم ديني، جرت مزاولتها من قبل المتصوفين اليهود على مرّ الأجيال، نتيجة لارتباطها بالأمل الكبير في اليهودية، القائم على عودة المسيح في نهاية الزمان، وكانت هذه تعرف بـ»الصهيونية الدينية». عملت الحركة الصهيونية كجماعة سياسية منذ إنشائها كصهيونية سياسية مع وجود هرتزل فقط، الذي وبالمعنى العملي أوجد النظرية ومنهجها في كتابه «الدولة اليهودية» عام 1896 وشرع في تطبيقها في المؤتمر الصهيوني الأول، إذ بدأت في تعريف نفسها كـ»عقيدة سياسية» و»عقيدة قومية»، ثم بدأ ظهور مصطلحات جديدة عن «الشعب اليهودي»، و»الأمة اليهودية».
إن إضفاء الطابع السياسي والقومي على الصهيونية لم يكن بمعزل عن تطورات أوروبا آنذاك، وانتقالها من مرحلة الإقطاع إلى الرأسمالية، وبدء ظهور مرحلة القوميات، لذا فما دام قد جرى طرح اليهودية كـ»قومية»، كان لا بدّ من وطن قومي لها، وما دامت لم تمتلك وطنا عبر التاريخ، كما ألا وطن لها، فبالضرورة من أجل ذلك لا بد أن تحتل وطنا وتقتلع شعبه من أرضه، وبذلك تحولت فعليا إلى «عقيدة استعمارية» تلاقت مع الاستعمار البريطاني، من خلال تقاطع المصالح. هذا ما أردنا توضيحه في الذكرى المئوية للوعد المشؤوم.
كاتب فلسطيني

في مئويته… حقيقة التناقضات في الوعد المشؤوم

د. فايز رشيد

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية