في مدينة النجف… جدالات وأبحاث عن علاقة الأدب بالإنسان

حجم الخط
0

النجف ـ «القدس العربي» من صفاء ذياب رغم حديثنا المتكرر عن الفعاليات غير المفيدة التي تقدمها اتحادات الأدباء والكتاب في مختلف المدن العراقية، وتفكير هذه الاتحادات بالشعر وقراءاته، وبتحليل أعمال روائية أقل ما يقال عنها إنها لا تستحق الورق الذي تطبع عليه، يبرز اتحاد الأدباء والكتاب في النجف لتقديم نموذج آخر من المؤتمرات، سعى فيها لكي يسهم في قراءة الأدب العراقي وعلاقته بالواقع، وكيفية تفعيل النص الأدبي والكاتب، لكي يكونا مؤثرين في مجتمع ينهار شيئاً فشيئاً، في ظل التحولات غير المحسوبة التي يمر بها.
فعلى مدى يومين متتالين، أقيم في النجف مؤتمر حمل عنوان «الأدب يبني الإنسان»، وربما كان لهذا العنوان أثر واضح في إثارة التساؤلات والحوارات بين الباحثين والأكاديميين بوصفه إشكالياً، بعضهم أكد الأدب لا يبني الإنسان، بل يبني أدبيته، ومن ثمَّ فإن الآيديولوجيا حينما تدخل في الأدب هي التي تبني الإنسان أو تهدمه، وهذا ما أشار إليه لؤي حمزة عباس. في حين بيَّن عقيل الخاقاني، أن الأدب من الممكن أن يبني الإنسان إذا التزم بالقيم المؤسسة لأي مجتمع، خصوصاً القيم الإسلامية التي تربى عليها المجتمع العراقي.
وحاول الشاعر فارس حرَّام البحث عن مخارج لهذا العنوان في تعقيبه على الجدل الدائر، موضحاً أن فيه تساؤلات كثيرة من الممكن أن تجمع كل ما قيل، أو ترفضها في الوقت ذاته.
المؤتمر الذي عقد في مبنى اتحاد أدباء النجف خلال يومي 19 إلى 20 من هذا الشهر، شارك فيه اثنا عشر بحثاً تنوعت في تناولها وطرائق بحثها، وقد توزعت على ثلاث جلسات، الأولى ضمت: مالك المطلبي «المقاربة السوسيولوجية عند علي الوردي»، أنعام هادي حسن «دور الأدب في اكتساب التعليم لدى الأطفال»، «عبد العزيز إبراهيم «خطاب العنف والترويج للكراهية في الأدب العراقي المعاصر» ولؤي حمزة عباس «قيمة الاعتراف في السيرة الذاتية العراقية».
أما الجلسة الثانية فكانت: لحسن الخاقاني «موت الإنسان في الفكر النقدي الحديث»، علي الفواز «خطاب الشخصية في الرواية المعاصرة»، سحر شبر «هل الإنسان بحاجة للأدب»، وصفاء ذياب «رسائل الرواة.. الحكاية الشعبية العراقية والبنية الاجتماعية». في حين قدم في الجلسة الثالثة والختامية: «فاضل ثامر «الشخصية العراقية في رواية الحداثة العراقية»، قاسم حسين صالح «خصائص الشخصية العراقية»، ناهضة ستار «التمكين المهاري لبناء الشخصية الإيجابية»، وسمير الخليل «العنف في الرواية العراقية».
فارس حرّام، وهو رئيس اتحاد الأدباء في النجف ورئيس المؤتمر، أشار إلى أن تفعيل عنوان مثل: كيف يبني الأدب الإنسان يتم عبر خطوات مختلفة، واحدة منها عقد ندوات ومؤتمرات يتناقش فيها المهتمون بالشأن الثقافي في هذا الموضوع المهم، «أعني بالوجهة التي يستطيع فيها الأدب أن يسهم بإعادة صياغة روح المجتمع وبنائه النفسي وبناء الفرد وإعادة إعمار القيم ومشروع الإنسان في مجتمعـــــنا، أو أي تسمية قريبة من هذه الموضوعات، وكيــــف يستطيع الأدب أن يتعاطى مع مثل هذه القضايا، لا سيما أننا نعيش في مرحلة خطيرة من وضعنا العــــراقي الحالي، الذي نشهد فيه انهياراً في القيم الإيجابية وصعوداً لقيم العنف والتناحر والتخندق الطائفي والقومي والديني، وعلى خلفية مثل هذه التناحرات يتهدد كيان الدولة برمتها».
وأكد حرّام أن المؤتمر لا يدعو إلى أن تكون للأدب وظيفة آيديولوجية، بل إن واحدة من الأفكار التي كان المشرفون عليه يخططون لها، أن تناقش في هذا المؤتمر الكيفية التي تعد فيها الدولة برامج استراتيجية تربط بين التلقي الأدبي في المدارس الابتدائية، وصياغة المزاج المسالم للفرد. ففي فرنسا، هناك إحصائيات أشارت إلى أن ملايين الآلات الموسيقية موجودة في البيوت، فوجود مثل هذه الآلات يؤثر بدرجة ما على المزاج العام للمجتمع، فالأدب عندما تصاغ في جزء من أنشطته، برامج بعيدة المدى، تدخل في التنشئة الاجتماعية وبرامج التربية والتعليم وتذوق اللغة والآداب والفنون، نستطــــــيع من خلال تأثيــــرها أن نشهد بعد مرور فترة ليست بالقصيرة انعكاساً واضحاً على سلوك المجتمع. «نحن نعاني بسبب غياب مثل هذه البرامج وجود كمية ضخمة يتلقاها الفرد العراقي من ثقافة العنف، فدخول الأدب في إطار التذوق يسهم في إطفاء جمرة التعصب الموجودة في مجتمعاتنا».
وفي سؤالنا عن الوعي الذي لم ينقذ المجتمع العراقي من الانهيار خلال خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي، التي شهدت أهم فترة ثقافية مرّ بها المجتمع العراقي، بيَّن حرَّام أن هذا يجعل من مشكلتنا مضاعفة، إضافة إلى أن وضع الدولة في العراق في ذلك الوقت لم تكن منتهكة من قبل دول الجوار مثلما الآن، ولم تكن قد نشأت فيها مجموعات مسلحة تتقاتل في ما بينها مثلما يحدث الآن، فنحن لا نتحدث عن انهيار ثقافي أو انهيار في مستويات التعليم فحسب، إنما نتحدث عن انهيار في مجموعة كبيرة من أركان الحياة في هذا المجتمع، التحديات صعبة ومريرة، لكن على الأدباء أن يكونوا في طليعة الناس الذين يدعون إلى عدم اليأس وللاستمرار بالدفاع عن قيمة الحياة في هذا المجتمع، والاستمرار بإقامة مبادرات- إذا لم تأت بنتائج سريعة وعاجلة- فإنها على الأقل ســـــتؤثر في تفكير النخب الثقافية نفسها، ومن ثمَّ في نتاجاتهم المستقبلية وتلقيها وانعكاســـها على المجتمع. «أنا أعتقد أن الأمية التي تحدثت عنها الآن هي واحدة من أكبر التحديات وهي ما جعلت المجتمع عموماً يبتعد وينفض عن منتجي الثقافة فيه، لكن هذا لا يعفيها من المسؤولية، فهي مسؤولية تاريخية وأخلاقية كبيرة».
ربما لا تكمن المشكلة في المجتمع فحسب، بل أن هناك مشكلة كبيرة في أمية بعض من يدعون أنفسهم مثقفين وكتابا، على مستوى الشعر والسرد والنقد أيضاً، وفي هذا يؤكد حرَّام أن دور المؤسسات الثقافية لا ينحصر فقط في إقامة أنشطة يدخل فيها الناس أفواجاً، الحقيقيين أو الطارئين والطفيليين، فهم موجودون في كل عصر، لكن المؤسسات هي التي تحمي الثقافة منهم. الآن المشكلة في المؤسسات نفسها، عندما تقيم مهرجانات ومؤتمرات، لا شاغل لها إلا الفعل نفسه، من دون التفكير بأهميته أو ما الذي سيقدمه للثقافة والمجتمع، لهذا تراها تدعو كل من يدعي الثقافة وتهمل الجادين الحقيقيين والمعنيين بالشأن الثقافي، لهذا انتشرت المهرجانات والمؤتمرات من دون أن تقدم فعلاً ثقافياً حقيقياً.
من جانبه تحدث رحمن غركان، أستاذ الأدب الحديث في جامعة الديوانية، عن هذا المؤتمر وأهميته، مبيناً أنه يمكن أن يعد من المؤتمرات النوعية لأنه عرض سؤالاً مضمراً في (الأدب يبني الإنسان) وقد قُدمت خلال يومين أبحاث أجاب بعضها عن هذا السؤال، ولمح بعضها الآخر في الإجابة عنه. هل قدم هذا المؤتمر جديداً للمشهد الثقافي العراقي، نعم. لأن بعض أبحاث المؤتمر وبعض الطروحات التي وردت فيه عالجت مسائل جوهرية في صميم الفعل الثقافي للأديب العراقي، في واقع الأدب والثقافة، وفي إثارته للأسئلة، وفعله في وضع حلول مباشرة أو غير مباشرة، بما جعل ملخص المحاور يجيب على أن الأدب يبني الإنسان حين يضيف ذلك الأدب جديداً يتيح للغد أن يكون أفضل من اليوم، ويتيح لعناصر الثقافة ومفرداتها في كل مجالات الحياة وفي كل اتجاهاتها أن تكون إنسانية جديدة وشاملة وأن لا تتصف بالأحادية.
وفي سؤالنا لغركان: هل ترى أن مؤتمراً يمكن أن يغير من بنية الثقافة العراقية بعد انهيارات من الصعب أن تحدد على مستويات عدة، أجاب قائلاً: هذه الانهيارات لا يمكن أن ينهض بها مؤتمر أو مؤسسة، بل يجب أن تنهض بها المؤسسات جميعاً، الفاعلة بشتى النواحي، بدءاً من المؤسسات ذات التأثير بنطاق واسع، مثل المؤسسات الدينية، ومن ثمَّ المؤسسات الرسمية، ومن ثمَّ مؤسسات المجتمع المدني، فإذا تضافر وجودها بتوجيه الرأي العام باتجاه أهداف معينة، وباتجاه تشخيص السلوكيات، عند ذاك سيتحقق شيء بعد مدة من الزمن ليست قصيرة. «غير أن مثل هذا الأمر لو كان ممكناً لتحقق قبل الآن، لكن الجهود المقدمة، وإن جزئياً من بعض المؤسسات، تصب في هذا الاتجاه، غير أنها لم تحقق الهدف المرجو بعد، بدليل السلبيات الهائلة الموجودة الآن».
الشاعر حسام السراي، رئيس بيت الشعر العراقي، يرى أن هذا المؤتمر قد حقق ما كنا نتداوله منذ عامين وأكثر، بأن على المنظمات والاتحادات تجاوز الفكرة التقليدية في إقامة الفعاليات الثقافية، كأن تقتصر على الأمسيات بقراءات شعرية، أو تبحث في موضوعات أدبية صرفة، بل ابتعد هذا المؤتمر عن هذا المنحى وذهب إلى فكرة علاقة الأدب بمضمونه الاجتماعي والإنساني عبر ما طرحه من خلال الشعار الذي أثار سجالاً، كونه عنواناً إشكالياً يتوافر على أسئلة كثيرة، لكي تتحرك الجهات والمنظمات والفعاليات الثقافية لتفكر أكثر بعلاقة الأدب بالمجتمع والإنسان، علاقته بالراهن وبالعنف، وحتى بمنطق الكراهية التي تسود بعوامل مختلفة، فهناك كم هائل من الدماء والأحقاد التي تبثها وسائل الإعلام ويبثها الساسة.
وفي حديث السراي عن تمظهرات العنف التي انتقلت للأدب، يوضح أن واحداً من تمظهرات هذا العنف يتمثل بالشعر الشعبي العراقي، فهو اليوم الصادح بالكراهية والدعوة لإلغاء الآخر، وهو مكون من مكونات الظاهرة الثقافية الاجتماعية العراقية، وأيضاً في إطار الرواية والشعر العمودي بالدرجة الأولى. و»أتمنى أن نفكر بمؤتمر بحثي آخر يبحث في الأدب العراقي وراهن العنف، وهو مؤتمر ربما يكمل ما أثارته الأسئلة التي طرحت هنا».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية