في مسألة الهجرة الفلسطينية لأوروبا

حجم الخط
1

يولد الفلسطيني على قطعة قماش، ويمضي بقية حياته ً على لوح من الثلج، ولا يدري في النهاية أين يذوب الثلج. بهذا يمكن اختصار تجربة الفلسطيني، الذي يزحف اليوم على يديه وبطنه للوصول إلى أوروبا، في هجرة هي عملية نزوح شاملة، بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.
الفرق بينها وبين الهجرة اليهودية إلى فلسطين، أن اليهود هاجروا على أحدث السفن العالمية، وكانوا بحماية أكبر إمبراطورية في ذلك العصر، التي قدمت لهم كل شيء، فيما هجرة الفلسطينيين اليوم إلى أوروبا، إلى المكان الذي كان يقيم فيه اليهود، هي هجرة من نوع مختلف، فهم يعبرون إلى هناك في زوارق الموت، وما بين الحلم الفلسطيني والحلم الصهيوني هناك مساحات وفوارق شاسعة، فاليهود غادروا من – الجيتو اليهودي- لكي يتحولوا إلى كيانية سياسية، ولكنهم لم يتمكنوا من إخراج الجدران من عقولهم، فيما الفلسطينيون، هم من البيئة التي أخرجت المسيح عليه السلام، رجلاً مسالماً، حاملاً لأسمى القيم، لهذا كله، ظلت أديرة فلسطين وكنائسها الدهر كله، فاتحة أبوابها لمن يقيم فيها، وظلت الأرض الفلسطينية على اختلاف سمرتها وبياضها، تجلب إليها كل أنواع الوجوه وألوان البشرة المختلفة، لذلك هي فلسطين، التي فيها جميع الأعراق الإنسانية، وألوان البشرة، وجميع ألوان العيون، فالهجرة الى فلسطين كانت عبر تاريخها إلى مكانين، الأول للقدس، وهي هجرة الحجاج على اختلافهم، ثم هجرة العمال إلى موانئ حيفا ويافا، ولم نكن يوما كفلسطينيين نرى أنفسنا شعباً مميزاً، على نقيض الغزو الصهيوني الذي جاء إلى هذه الأرض، ليفرض نظرية «شعب الله المختار»، بهذا السيل الدائم من الدم.
الهجرة الفلسطينية تختلف عن الهجرة للشعب السوري الشقيق الذي سيعود إلى بلده بمجرد انتهاء شهية الدول الفاعلة في إطالة حرب لأسبابهم الخاصة. فالهجرة الفلسطينية هي هجرة خاصة، من نوع خاص ومميز، لأنها تعني أن المضطهدين منذ سبعين عاماً وأكثر، يبحثون اليوم عن خيار صعب ومعقد، فهم يرحلون إلى أوروبا، إلى المكان الذي كان يجلس فيه اليهود يوماً، فإذا كانت أوروبا ذات يوم قد أرادت التخلص من أبرز مكونات السموم العنصرية، المتمثلة بالجيتو، فهذه هي العنصرية الصهيونية التي دخلت إلى الشرق الاوسط، وهي الان السبب الرئيس، في كل هذه البيئة البغيضة المنتشرة في المنطقة، بيئة الحروب والفوضى والنظرة العنصرية والتفرقة وكل متممات حالة الخراب في الشرق العربي، الذي قد يعني لبعض الدول الغربية حالة من المنفعة المؤقتة، لكن سموم العنصرية هذه، هي حالة سُميّة قاتلة، لا يمكن السيطرة على تبعاتها بتاتاً في المستقبل القريب والقريب جداً.
الآن، هناك كلام واضح لعموم القوى الفلسطينية، التي تحاول الآن رفع أعلام فلسطين هنا وهناك، من خلال مؤسسات يتم اختراعها أو انشاؤها في بعض البلدان الاوروبية، على شاكلة بعض المؤتمرات التي تحمل لوناً محدداً، أود أن أقول: نحن لسنا بحاجة إلى بناء – جيتو – جديد للفلسطينيين في أوربا كبديل للجيتو اليهودي السابق، ولا نريد من الفلسطينيين ان يبنوا مؤسسات فلسطينية تحمل بصمات فلسطينية فقط، لأن كل هذا من بقية التمايز العنصري، الذي أحضره الصهاينة إلى بلادنا، ومكثوا فينا عمراً، عبر أدوات عربية، حاولت أن تقنع الفلسطيني أنه إنسان مميز مختلف عن أشقائه العرب. المطلوب من الفلسطينيين الذين طردتهم إسرائيل ومن ثم طردتهم الأنظمة العربية أن يكونوا سفراء الإنسانية، فما يجمعنا بالشعوب الأوربية أننا وهم بشر من صنف واحد، وإذا كنا نختلف مع بعض السياسيين فيهم، فنحن تجمعنا الانسانية، وما يربطنا بالشعوب العربية هي مسؤوليتنا تجاه الجميع، ففلسطين هذه لا تصلح لحمل العناوين العنصرية، ولكنها طريق العالم لرؤية صحوة الضمير.
لا شك بأن فلسطين والشعب الفلسطيني هم نقطة التقاء بين كل الشعوب التي تتميز بالضمير الحي، وهذا يؤكد ان فلسطين يجب ان يكون لها دور فاعل في طريق مستقبل الأمة والمنطقة برمتها.

٭ كاتب فلسطيني

أيمن خالد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية