من يتابع الأخبار ويقرأ الصحف المصرية يتكون لديه انطباع أن مصر تشهد «ثورة» في كل المجالات: في البناء والإستثمار والتعليم والتنمية والمشاريع العملاقة مثل فتح معبر جديد لقناة السويس وبناء عاصمة حديثة صديقة للبيئة للتخفيف عن العاصمة العجوز التي مضى عليها أكثر من ألف عام أي القاهرة. والمصريون فرحون وراضون عن إنجازات الجنرال السابق الذي أصبح رئيسا عبد الفتاح السيسي الذي قام بالإنقلاب على محمد مرسي، أول رئيس مصري منتخب. وبحسب آخر الإستطلاعات فنسبة 85٪ راضون عن أداء السيسي بعد أقل من عام على تسلمه السلطة. وهو ما يعني أن مصر وقفت على قدميها بعد سنوات من الإضطرابات والتظاهرات التي عطلت الحياة المدنية وقتلت السياحة التي تشكل عصب اقتصاد مصر. ولكن الصورة تظل مخادعة، فما حققه السيسي قليل. فوراء التطبيل الإعلامي والزهو القضائي المسيس والمشاريع العملاقة قمع وملاحقة للمعارضين وتكميم للأفواه وأحكام جماعية بالإعدام كانت آخر دفعة منها السبت الماضي عندما أصدرت محكمة في القاهرة حكما بعرض أوراق الرئيس السابق مرسي على المفتي تمهيدا للحكم بالإعدام بتهمة الهروب من سجن النطرون أثناء ثورة 25 يناير 2011. يفتخر النظام المصري الحاكم بأنه نظم قمة اقتصادية في شرم الشيخ حضرها ممثلون عن 80 دولة بشكل أعاد العافية للإقتصاد المصري.
إغراء الاقتصاد
وكما لاحظت مجلة «إيكونوميست» في عدد الأسبوع الماضي (16/5/2015) فقد نجح نظام السيسي بجذب الإستثمار لكنه لم يصلح الاقتصاد. ووصل مؤشر السوق المالي إلى 30٪ وتدفق المستثمرون إلى السوق المصري معتقدين أن رجل مصر القوي سيقوم بتحقيق الإستقرار. وقام السيسي بتقوية سلطته وقمع بوحشية المعارضة واستطاع بإحكام سيطرته على البلاد جذب الإستثمار الذي تحتاجه مصر. وتم تحقيق هذا من خلال التضحية بالحرية. وربما صحت رؤية السيسي في الوقت الحالي. فقد زاد النمو الاقتصادي في النصف الأول من السنة المالية بنسبة 5.3٪ مقابل 1.2 للفترة نفسها في العام الماضي. وتقول المجلة إن عودة المستثمرين كانت من أهم علامات التجدد الاقتصادي، فمصر بحاجة للمال الأجنبي خاصة أن العجز في الميزانية يصل إلى 11٪ ومعدل الدين على الدخل القومي يصل إلى 95٪. وحصلت مصر على 12.5 مليار دولار من دول الخليج التي تدعم الإنقلاب. وفي قمة شرم الشيخ الاقتصادية أعلن السيسي عن تعهدات بمليارات الدولارات معظمها في مجال الطاقة والعقارات. ووصفت شركة «بي بي» البريطانية مشروعها البالغ قيمته 12 مليــار دولار بأنه «تصويت ثقة على المناخ الاقتصادي المصري» فيما تعهدت شـــركة كوكــا كولا إنفاق 500 مليون دولار في مصر خلال السنوات الثلاث المقبلة.
وترى المجلة أن هناك الكثير من العمل الذي ينتظر السيسي، فلا تزال مصر في المرتبة 112 في قائمة البنك الدولي للدول من ناحية سهولة الإستثمار بعد زامبيا وسوازيلاند. واعترف وزير الإستثمار أشرف سليمان أن الشركة الأجنبية المستثمرة يجب أن تحصل على موافقة 78 وكالة مختلفة في البلاد وتستغرق الإجراءات 5 سنوات. ووعدت الحكومة بتخفيف الإجراءات البيروقراطية. ويرى البعض أن النظام الديكتاتوري ليس قرينا بالإستقرار. فحملات القمع ضد المعارضة قد دفعها للعمل تحت الأرض وهناك قلق أمني متزايد ليس فقط في سيناء حيث ينشط الجهاديون ولكن في القاهرة. ويتوقع الناشطون اضطرابات أخرى إلا إذا خفف السيسي من قبضته. والإشارات كلها تقول إنه لن يقوم بهذا بعد أن تم تأجيل الإنتخابات التي كانت مقررة في آذار/مارس لأجل غير محدود.
نمط مبارك
والمشكلة في «معجزة» السيسي الاقتصادية أنها تعتمد على الدول المانحة له والداعمة لانقلابه وأنها تتجاهل كما يقول عمر عادلي في مقال نشره موقع «المونيتور» «العوامل الأخرى الاجتماعية والسياسية والهيكلية المهمة، التي تساعد في تحديد قدرة النظام على توطيد حكمه والحفاظ على الاستقرار». ويشير الكاتب أن ما جرى في عهد السيسي هو إحياء النموذج الاقتصادي نفسه الذي كان سائداً في عهد مبارك، حيث فضل النظام الجديد التعامل مع الشركات الكبيرة والمستثمرين الأجانب، أي المال الآتي من الخليج وفي الوقت نفسه خفض الدعم المقدم إلى السكان، من دون القيام بخطوات للتخفيف من تأثير ارتفاع الأسعار الذي يواجه المصريين البسطاء الآن. وهو ما يعيد إنتاج أنماط التهميش الاجتماعي والاقتصادي نفسها التي كانت قائمة قبل ثورة عام 2011. ويرى الكاتب أن حل مشكلة الاقتصاد هو جزء من مشاكل أخرى يواجهها النظام المدعوم من الجيش، فهو يريد بناء نظام سياسي فعال وخلق قوى سياسية وسيطة تستطيع الدخول في البرلمان والمحليات واحتواء قوى الإسلام السياسي. ومع ذلك فالنظام ماض في حملة الإستبعاد وكما علقت صحيفة «نيويورك تايمز» على الحكم الصادر ضد الرئيس السابق محمد مرسي الذي أطاح به انقلاب تموز/يوليو 2013 وعدد من السجناء السياسيين قائلة إن تنفيذ الحكم بمرسي سيكون»ظلما كبيرا إن أخذنا بعين الإعتبار المحكمة المهزلة التي وضعته في قائمة المحكوم عليهم بالإعدام». وقالت إن إعدامه سيحوله إلى «شهيد» وسيزيد من حالة العنف خاصة أن هناك من سيلجأ للعنف باعتباره الحل الوحيد. وأشارت لممارسات النظام الحالي الذي «شن حملة لا هوادة فيها ضد الإسلاميين الذين شيطنهم الإعلام الذي تديره الدولة، اعتقلوا بدون تمييز وحوكموا في محاكم جماعية تفتقد الأسس القانونية. ودفعت حملة القمع الكثير من المصريين للمنفى مما حرم البلد من الأصوات المعتدلة». وفي السجون المصرية اليوم هناك أكثر 20 ألف معتقل فيما تقول المعارضة أن عددهم يزيد عن 40 ألفا يعيشون في ظروف صعبة ويعانون من التعذيب وغياب التمثيل القانوني. وكشف تقرير المنظمة الدولية لحقوق الإنسان عن زيادة التعذيب الجنسي في مصر منذ وصول النظام الإنقلابي بعد تموز/يوليو 2013. وعرى ممارسات قوات الأمن والجيش والقوى الأخرى التابعة للدولة. وأكد تقرير الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان أن الحكومة الحالية قد زادت من حرارة هذا العنف كجزء من استراتيجية لتعزيز سلطتها وقمع المعارضين لها. ويصف التقرير انتهاكات جنسية تلقى دعما من الدولة في حرم الجامعات ومراكز الإعتقال السرية في القواعد العسكرية. ومنذ الإنقلاب أصدرت المحاكم المصرية أحكاما جماعية أثرت على نزاهة القضاء المصري وصورته في الخارج. وتم الحكم على 1541 من الرجال والنساء المصريين ووصفت منظمة «أمنستي» هذه المحاكم بـ «المحاكم التمثيلية» فيما وصفتها منظمة «هيومان رايتس ووتش» «بالمعيبة جدا والتي تم فيها تجنب الإجراءات القانونية الضرورية والإنتهاكات واستخدام الأدلة المتحيزة وغياب الدليل القاطع». وتم تأكيد أحكام إعدام على 570 شخصا منهم 7 نفذ حكم الإعدام بهم.
سحق العمل المدني
هذا من جانب السجون أما في مجال الحريات العامة فقد أغلق النظام كل مؤسسات المعارضة من صحف ومحطات تلفزيون ومررت الحكومة قانونا يحظر التظاهر. وفي تقرير لصحيفة «واشنطن بوست» (21/5/2015) كشفت عن حجم المضايقات التي يتعرض لها العاملون في هذا المجال وجاء فيه أن السلطات ركزت على المؤسسات غير الربحية والتي يعتمد معظمها على التمويل الخارجي في محاولة منها لسحق المعارضة. والسؤال هل سيقضي السيسي على المعارضة بسياساته القمعية؟ والجواب لا. فبحسب تقارير غربية قامت حركة الإخوان بتغييرات جوهرية في طاقمها. وبسبب سجن القيادات التي يعتبرها الكثير من الشباب مسؤولة عن الأزمة الحالية هناك جيل شبابي يقود المرحلة وإن صدقنا المعلومات التي وردت في مقال نشره موقع مجلة «فورين أفيرز» أعده إريك تريغر ومارينا شلبي حول التغييرات التي تقوم بها القيادات الشابة في الإخوان المسلمين لتصبح أكثر جاذبية. وكشف التقرير عن فوز الجناح «الثوري» الشبابي في الإنتخابات الداخلية للجماعة والتي نظمت في شهر شباط/ فبراير. وبحسب القيادي في الإخوان أحمد عبد الرحمن قامت الحركة باستبدال 65٪ من قيادتها السابقة وأن 90٪ من القيادة الجديدة هي من جيل الشباب. وقامت الحركة أيضا بتأسيس مكتب «المصريين في الخارج» الذي قام بتقوية الروابط مع المعارضين المصريين في الخارج وأعلن عن «المجلس الثوري المصري» وهو تجمع لحركات ترفض تنحية مرسي، وانتخبت له مها عزام الخبيرة السابقة بـ»تشاتام هاوس» في لندن وعين القاضي السابق وليد الشرابي نائبا لها. وهذا يؤشر على أن الحركة مصممة على مواصلة الفعل المدني ضد النظام. وفي النهاية لا حل في الأفق لمشاكل مصر طالما غاب الإجماع السياسي وبقي القمع. قبل أربع سنوات كانت لوحات مصر الإعلانية الضخمة كلها تنادي بالحرية والعدالة والكرامة ولم يبق من ذكريات الثورة سوى صور باهتة فقد عاد الحرس القديم وانتصرت الثورة المضادة.
إبراهيم درويش