الخرطوم ـ «القدس العربي» من : العلاقات الثقافية والفنية بين السودان والصين لم تبدأ بالمعرض التشكيلي الذي افتتحه السفير الصينى بالسودان لو شاو كوان، للفنان سو نينق بعنوان «مبروك سودان» بمركز راشد دياب للفنون، لكن المعرض يمثل امتدادا لهذه العلاقات التي وصل عمرها لأكثر من نصف قرن.
راشد دياب الحاصل على الدكتوارة في الفن التشكيلي من اسبانيا وصاحب مركز الفنون المسمى باسمه قال لـ «القدس العربي» إن الفنان الصينى سو نينق يعشق السودان منذ فترة طويلة، وظل لصيقا بالحياة السودانية في مختلف مناحيها، يرصد ويتأمل ويختزن في ذاكراته الجمالية كل التفاصيل التي حولها بعد ذلك الى لوحات تشكيلية.
ويضيف أن إعجاب الصينى سو نينق بالإنسان السوداني وعاداته وتقاليده جعله ينتبه إلى العديد من الظواهر الإجتماعية الخاصة بالسودانيين والتي لم يجدها في كل شعوب الدنيا وأبرزها على الإطلاق علاقات الناس مع بعضهم البعض والتي يميزها الصدق والمودة و»الحنين»، فحاول من خلال موهبته في الفن التشكيلي أن يعبر عن هذه الروح البسيطة والعميقة في آن واحد والتي تربط بين السودانيين على تنوعهم وتعددهم.
حيث عكست لوحات الفنان تجربته وحياته فى السودان مستلهما قيم التراث والعادات السودانية فى الزواج وطقوسه بأسلوب اختزالى ورؤية ثاقبة بسِمات بسيطة ومعبرة.
وهذا هو المعرض الثانى الذى يقيمه المركز لهذا الفنان، وقد تميزت اعماله باستخدام التباين والتناقض المقصود بين الابيض والاسود وقدرته الفائقة فى توظيف الرسم والخط فى تقدير الحركة وتحويلها الى معان ناطقة، بالالفة والتعبير الفنى السهل الممتنع بصرياً وجمالياً لواقع الحياة السودانية وطقوسها الغنية.
ويضيف راشد أن الفنان الصيني بدأ في التعبير عن الطقوس والعادات، مثل الزواج السوداني المتفرد بكل مراحله وتفاصيله الدقيقة، وهذا ماركز عليه في هذا المعرض الذي اختار له اسما يمثل عبارة سودانية حميمة تقال في مثل هذه المناسبة وهي «مبروك» وأضاف لها كلمة «سودان».
ويقول: «لم يترك هذا الفنان إي مرحلة من مراحل العرس السوداني بكل طقوسه المختلفة والممتدة بدءا من «الشيلة» وهي اسم شعبي لما يجلبه العريس لعروسه من احتياجات لازمة لهذه المناسبة، مرورا بعقد القران و»الجرتق» وهو طقس خاص بتعميد العروسين بملابس خاصة وزينة شديدة الخصوصية نابعة من التراث السوداني الأصيل، وصولا إلى حفل الزفاف».
لم يكتف الصينى سو نينق في علاقته بالإنسان السوداني على طقوس الزواج، بل إمتدت تجربته للتعبير عن كل أشكال الحياة السودانية عبر الإنسان الذي ينسرب من خلاله للأمكنة والطقوس، فرسم الناس في المقاهي، الشوارع، الأسواق، الطرقات وحتى الخلاء. ويعتبر راشد دياب أن هذه التجربة تمثل محبة الفنان لفنه ونقاء دواخله، فهو يعكس ويعبر عن ذاته في تواصلها مع السودانين بكل الوضوح والصدق مع النفس، ويقول «ليست هذه تجربته الأولى في الخرطوم، فقد أقام قبل عامين معرضا ارتكز فيه أيضا على الناس وكان ناجحا بكل المقاييس».
علاقة الصينى سو نينق بالسودان والسودانيين لم تقتصر على الخرطوم فقط، لكنها امتدت الى الصين، فقد ظل يعرض هذه الأعمال في بلاده وأقام معارض عديدة شملت أربع مدن صينية حتى الآن، ويبدو انه اختار الحياة السودانية ليعكس من خلالها رغبته في التعبير عن أحد شعوب القارة الأفريقية.
ومن الناحية الفنية يرى دياب أن هذا الفنان ينتمي لمدرسة في الفنون التشكيلية ترتكز على «ما قل ودل» وتقدم السهل الممتنع، فهو ينطلق في ابداعه من «التناقض والتباين الموجود في العلاقة بين اللونين الأبيض والأسود ويختزل رؤيته في عمق الصورة الجمالية ويضعها في شكل خيوط بسيط، محتفظا– في نفس الوقت- بإحساس المساحة».
ومن خلال هذا المعرض تحدث السفير الصيني بالسودان، معددا العلاقات الممتدة والتي جمعت بين البلدين وأشار الى التواصل الفني والثقافي الذي تنزّل من الجانب الرسمي الى العلاقات الشعبية وقال إن السودان يتميز بتعدد كبير وامكانات هائلة في شتى المناحي وتمنى ان يزدهر التعاون الثقافي بين الصين والسودان ليصل الى أعلى الدرجات في المستقبل القريب.
وتمتد العلاقات السودانية الصينية في أعماق التاريخ، لكن السنوات الأخيرة شهدت تعاونا كبيرا في مجال النفط والبني التحتية المختلفة، وتبادل الزيارات للفرق الفنية، وتعتزم دولة الصين بناء مركز ثقافي صيني في السودان يهدف الى تطوير التعاون المشترك بين الخرطوم وبكين وتقوية أواصر العلاقات بين شعبي البلدين.
صلاح الدين مصطفى