البصرة ـ «القدس العربي»: ضمن سعيها إلى تقديم دراسات أدبية يمكن أن تحيد بأجناس وأنواع أدبية مختلفة، تقدم كلية الآداب في جامعة البصرة محاور عدَّة في الأدب والتاريخ والفلسفة والعلوم الأخرى، في ندوات فصلية افتتح أولها بندوة لقسم اللغة العربية تحت عنوان «الاعتراف والسرد»، شارك فيها ثلاثة من أساتذة القسم، وهم: لؤي حمزة عباس، وضياء الثامري، وعادل عبد الجبار، وقد كانت بتقديم عقيل عبد الحسين.
ثلاث أوراق نقدية دارت حول الاعتراف وآلياته في السرد العربي، افتتحها لؤي حمزة عباس بورقته «قيمة الاعتراف في السيرة الذاتية العراقية»، الذي بيَّن فيها أن السيرة الذاتية تعيد تشكيل صورة صاحبها بوصفه كائناً سردياً، في محاولة منها لجمع مرايا هويته وتنظيم مروياته بين مرجعي ومتخيّل، فالمرجعي لا يُستعاد في سرد السيرة الذاتية، كما في أي سرد آخر على نحو مطابق لما حدث بالطريقة التي حدث فيها، إنما تعمل وحدات العمل السردي وعناصره على إنتاج مطابقتها ضمن فضاء المحكي وآلياته لتغدو الهوية المنتجة هويةً سرديةً تواصل احتكامها إلى ما هو واقعي من جانب، وإلى ما هو تخييلي من جانب آخر، لتدفع عن صاحبها إمكانية تماثله مع الآخرين وما يمكن أن يؤدي إليه هذا التماثل من التباس.
مضيفاً أن قيماً مثل الاعتراف، ومواجهة الذات ونقدها، تشكّل أطراً مهمة ومحددات لاستعادة الحدث الواقعي وروايته ضمن مجرى حياة فردية تعد مرجعاً لكتابة السيرة الذاتية ومجالاً أنسب لرواية الوجود الخاص لصاحبها، والتركيز على مجرى حياته في جانبها الفردي، فالقيم الجمالية بجملة دالة لمحمود القمني «ظل الإنسان على الأرض»، وفي اللحظة التي يشرع الإنسان باستعادة حياته وكتابة سيرته فإنه يعمل على مواجهتها من منظور قيمي بحت وتدوين مسيرها ضمن مجال قيمي.
عباس اشتغل على سيرتين ذاتيتين عراقيتين، الأولى «غصن مطعم بشجرة غريبة» لصلاح نيازي، والثانية «عمر أكلته الحروف» لنجيب المانع. يتحدث عن هاتين السيرتين، قائلاً: في هاتين السيرتين تُلاحظ قوة الإطار القيمي وفاعلية المجال في توجيه العمل السردي وتحديد مروياته التي شكلت قيمة الاعتراف مركزاً مؤثراً من مراكزها، بما تتطلبه من قيم مبدئية مثل نقد الذات ومواجهتها اللذين يتأسسان بدورهما على قيمة التواضع.
مبيناً أن مكاشفة الذات التي يعتمدها نيازي تؤدي إلى اكتشاف قدرتها على التعلم والتغير والتقدم والرقي، فهو يقدم في مرويات سيرته وقائع متعددة يمكن أن نعدّها تمارين في تدريب النفس على احترام الآخر والإنصات إليه، فلا تنشأ قيمة الاعتراف إلا من خلال القدرة على مواجهة الذات، المواجهة التي تتجلى في سيرة نيازي في المساحة الفاصلة بين ثقافتين وحضارتين تروي السيرة عبر مجموعة من المحطات، كل محطة منها تتحدد بمدينة معينة.
أما عن سيرة المانع الذاتية، فهو يعمل فيها على مواجهة ما حدث لإعادة اكتشافه في سبيل تحديد موقعه في تاريخ الشعور العام، هذا الشعور الذي يندر أن التفتت إليه ثقافتنا، لوعيه وتفهّم طبيعته، وهو ما يظل بحاجةٍ، في ما يبدو، إلى أناس أصحاب مواهب تتعدى حدود العلاقة المباشرة مع العادي والمألوف لتصل عبر تماسها مع الحدث إلى حيّز خفي، صعب المنال، وهو الحيّز الذي يفتح الباب لدخوله عبر كتابه «عمر أكلته الحروف».
الورقة الثانية كانت لضياء الثامري تحت عنوان «الاعتراف في نصوص المكان.. تنظير وإجراء»، أشار فيها إلى أن الأماكن كالأفراد، لها خصوصياتها وأحضانها وهي ذاتها التي تزرع فينا القدرة على تفقد قلوبنا حين نفقدها، أماكن بعواطف بشر تهبك حميمية تشعر بها صارخة كلما زرتها أو مررت عليها. ولهذا فإن الحنين للمكان يرتبط بالدهشة الأولى، والارتباط الأول بشيء يسيطر على اللاشعور ولا يظهر إلا حينما يفقده المرء، في الحنين إلى المكان حنين إلى أشخاص ارتبطت بهم الذاكرة وارتبط بهم الوجدان، في الحنين إلى المكان انتصار على المسافة والفراق.
ويفيد الثامري أن أدب الاعتراف يعاني التباساً حاداً في المفهوم، ويطرح نفسه كإشكالية فنية وأخلاقية، حيث السؤال الذي يطرح هنا هو هل أن الاعتراف ضرورة من ضرورات الفن الأدبي؟ ولكن السؤال الأكثر أهمية هو كيف تكون استعادة المكان اعترافاً؟ وبعد أن يقدم الثامري المفاهيم النقدية للمكان وارتباطه بالزمان يشير إلى أن المكان هو الزمان المستعاد عبر الاعتراف، بأنه أحد أشكال الوجود الذي يفترض وجود الزمان الذي لا يكتمل معناه، ولا يتحقق فعله إلا من خلال ظهور آثاره في الإنسان والطبيعة، ولكي يظهر الزمان آثاره، لا يمكن أن يجري في الفراغ، فلابد له من مكان يجري فيه، ولهذا يعد المكان العنصر الحيوي للزمان، ثم أن المحرك الرئيس لحساسية الكتابة يعود إلى ذهنية تتشكل من انتماء الإنسان إلى مكان وإلى تاريخ وإلى ثقافة، أي إلى تراث مكاني وزماني محدد، فالأمكنة تنتمي إلينا بصمت، ونحن بدورنا ننتمي إليها عبر زمنيتنا الخاصة، أي عبر زمنيتنا إلى نغلق أبواب أنفسنا عليها وداخل هذا المغلق تكون أمكنتنا حاضرة بصمت احتراماً لنا. يبدو لي أن هذه العلاقة الخاصة مع المكان تشكل متنفساً لما لا يمكن البوح به في المعلن، وبالتالي يكون المكان قناع لعبة التواطؤ بين الكاتب والقارئ.
وفي تطبيقه الإجرائي، اختار الثامري كتاب «سياج الجهنميات الطويل» للشاعر ثامر سعيد، التي عدّها الثامري «سيرة المكان والاعتراف بلغة الشعر»، مبيناً أن الكاتب في هذه السيرة يحاول الإمساك بما لم يمسك به من قبل، فوجد أن المكان وحده هو القادر على استعادة اللحظة الزمنية التي يريد الإمساك بها، ولذلك نجد أن التفصيلات المكانية هي الشاغل الأكبر في هذا الشكل. إن البوح بعلامات المكان الراكزة في ذاكرة الكاتب سوف تسهم في إعادة تشكيل المكان نفسه في زمنين متجاورين، زمن الاعتراف والكتابة الذي يشتغل على منطقتي الذاكرة والتخييل في وقت واحد، إلى جانب الزمن الأول للمكان المستعاد، غير أن قابلية استعادة المكان بتفاصيله الأولى لن يكون أبداً ذلك لأن الشكل الأول يرتبط بلحظة زمنية هاربة، ولذلك فإن عملية البوح والاعتراف قد تسد النقص الحاصل في الصورة الأولى، وهذا الأمر لن يكون تشويهاً لتلك الصورة، لأن الكاتب في اللحظة الراهنة لن يكون معنياً بالصورة نفسها بقدر عنايته برمزيتها الشخصية عنده، أو البحث عن معناها الذي لم يكن يبحث عنه في اللحظة الأولى.
في حين كانت الورقة الثالثة لعادل عبد الجبار، الذي اختار الرواية محطة الاعتراف، متوجها إلى الرواية العربية ليكشف عن صور الذات المعترفة فنياً داخل النص الروائي، من رواية «زينب» لهيكل وصولاً إلى «ثرثرة فوق النيل» و«أصداء السيرة» لنجيب محفوظ. بدأ عبد الجبار بإضاءتين، الأولى في حوار بين نجيب محفوظ ورجاء النقاش، إذ يتحدّث محفوظ عن تجربته قائلاً: صنعتُ نفسي وأدبي من نشارة الحياة، وهذه المقولة حللها الناقد تحليلاً ثقافياً يعتمد ثنائية المتن والهامش، أمّا الإضاءة الثانية فهي صورة مصطفى سعيد في «موسم الهجرة إلى الشمال» بوصفها سيرة واعترافاً للطيب صالح، ثم يسأل سؤالاً: هل لدينا أدب اعتراف خالص؟ ويجيب عن ذلك: إن الحاضنة العربية الإسلامية لا تقبل بالاعتراف الكامل على العكس من الحاضنة الغربية، فهناك تحريف في الاعتراف ضمن منظومة الثقافة العربية دارساً السيرة الروائية لعبد الرحمن مجيد الربيعي بوصفها استعادة الذاكرة..
صفاء ذياب