القاهرة ــ «القدس العربي» محمد عبد الرحيم: لا أحد ينكر تأثير الشاعر الراحل فاروق شوشة (17 فبراير/شباط 1936 – 14 أكتوبر/تشرين الأول 2016) على محبي ومتذوقي اللغة والشعر العربي، من خلال برنامجه الإذاعي «لغتنا الجميلة». هذا البرنامج الذي لم يقتصر على المصريين فقط، بل أثرى وأثر في عدة أجيال عربية. وربما برحيل الرجل ــ رغم الخلاف والاختلاف ــ تطوى صفحة راقية من صفحات الثقافة المصرية والعربية. هذه بعض آراء عدة أجيال تواصلت مع الراحل شعراً وصوتاً، واجتمعت معه على محبة اللغة العربية، وأقصى طاقة تعبيرية لها، ألا وهو الشعر.
قرّب اللغة والأدب إلى الناس
بداية يرى عبد الناصر هلال رئيس قسم اللغة العربية في كلية الآداب جامعة حلوان، أن رحيل الشاعر فاروق شوشة فاجعة كبيرة، فرحيله يعني أن اللغة العربية أصيبت بعطب ما، لأن فارسها وعاشقها المُستهام قد ترجل بدون استئذان. فعلاقته باللغة العربية علاقة روحية وموسيقية، صادقها فصادقته، فأعطته مفاتيحها ومنحته فيضها الدلالي. وبذلك فتح الأبواب للباحثين والنقاد لتأمل هذه اللغة وهي في أعلى تجلياتها. ومن خلال برنامجه الإذاعي «لغتنا الجميلة» والتلفزيوني «أمسية ثقافية» قرّب للناس عمالقة الأدب والفكر واللغة. ويستطرد هلال.. وقد أثرى فاروق شوشة الشاعر المكتبة العربية بدواوين مختلفة ومتنوعة، من خلال رؤية جسورة، ساند خلالها قصيدة التفعيلة، كما صار في رحاب تجربة الستينيات، له ملامحه الخاصة، ومحافظاً على أصالة النبع، فقدم قصيدة مُحكمة ومتقنة، استشرف من خلالها معطيات واقعه المعاصر، مُجسداً رؤيته للقضايا العربية والمحلية، خاصة في ديوانه «يقول الدم العربي». وعلى المستوى الإنساني، لم يدخل فاروق شوشة في أي مهاترات سياسية وجدالات عقيمة، فأحبه الجميع، ويبدو أدبه الجم في تعاملاته وابتسامته الدائمة. وعندما ترجل اليوم، ترك في القلب طعنة عميقة ودمعة لن تجف.
كنا على خطأ
ويضيف الشاعر المصري عيد صالح قائلاً: جمعنا الموطن دمياط وحبنا لطاهر أبوفاشا الذي كان أستاذه في مدرسة دمياط الثانوية، وبرنامجه «كلمات على الطريق» الذي كان يذيع قصائدي الوطنية عقب نكسة 1967، كما قدمني عام 1986في أمسية ثقافية مع زملاء لي من دمياط وكتب عني في يومياته في «الأهرام». كان رحمه الله جامعة ثقافية وأدبية تربينا في رحابه ونهلنا من نميره واصطدنا الدر من أحشاء بحره وساءلنا الغواص عن صدفاته. فاروق شوشة حارس على مملكة اللغة أمين سرها خبير بماسها وزبرجدها. ظل أكثر من أربعين عاما يغترف منها ويسقي العطاشى والعشاق والمتبتلين في محرابها، ناهيك عن شعره العذب الصافي الرائق الصاعد على حبال النور مذابا في كؤوس من عسل وخمرة لذة للشاربين، إنه صوت الرومانسية الجديدة والصوفية، وهي المزج بين لغتي الروح والجسد الذي يتعالى ويسمو على صغائر النزوات إلا ما طوعته الروح وجلاه الوجدان. ومن حبي له كنت أتعمد ألا ألتقيه إلا اذا جمعتنا الصدفة لأنني أحببت أن أعيشه في خيالي كما فعلت مع الأستاذ محمد حسنين هيكل ونجيب محفوظ، وكان في إمكان لقاء الجميع في نهابة الستينيات والسبعينيات حيث كنت أقيم في القاهرة، ولذا ظلت علاقتي بهم علاقة العاشق والمحب لا عن عاطفة ولكن عن قناعة وتبصر بعيدا عن التأثر السلبي والإيجابي المبالغ فيهما. وكم أنا نادم أشد الندم على أنني لم أتواجد بمعيته بل تعاملت معه بنظرية من لا يريد أن يعيش في جلباب أبيه، وتعاملنا معه بما يشبه القطيعة مع أنه الأب في الجينات شئنا أم أبينا وشاء أو أبى كل نرجسي ناكر للجميل. تحية للفارس الذي ترجل بجسده ورحل إلى حيث الخلود والتجدد في التاريخ بما قدمه من إبداع.
الأطفال.. بين عينيّ شوشة
من ناحية أخرى تقول الكاتبة والأديبة الكويتية أفراح الهندال.. أعرف يقينا حجم الفقد الذي يتركه رحيل أديب معجون باللغة العربية وجمالياتها كالراحل فاروق شوشة، وما ستتكبده المؤسسات الإعلامية والتعليمية لتعوض هذه الخسارة محاولة الإتيان بامتداد لمثل عطائه، وهو ما لن يكون سهلا ما لم ينهل من تجربته الأصيلة في خوض مساحات اللغة العربية أدبا وشعرا وتراثا وتجليات ورؤى وهموما! كان لصوته الرخيم حضوره في ذاكرتي الطفلة، التي حملتها معي بما وفرته التكنولوجيا الحديثة لأنقل بعض التسجيلات المتوفرة لبرنامجه الإذاعي إلى التلميذات والطالبات خلال فترة عملي في مجال التعليم، وهي الخبرة البسيطة التي أود الحديث عنها هنا، لأن مآثره ومواقفه منشورة بكثرة ومشهود لها، فشوشة وإن كان الباحث المتصدي لكل تراجع وتخلف في موضوعات الثقافة العربية وأدواتها اللغوية ومراجعها التاريخية والأدبية، إلا إنه يظل بالنسبة إليّ معلما يدخل الفصول ليزرعها حدائق معلقة لأفكار المتلقين، فهو الصوت الذي يجبرهم بجماله على الإنصات إليه، ليمكنهم برصانته وقوة طرحه إلى الوثوب في الفكَر ومحاورته، ودوما كنت أجد في ما يطرحه مادة راقية ثمينة أهبها للصغيرات هدية وأنا أعرف صداها مما ألمسه في استجاباتهن، فمن الفكر كانت المتعة والتساؤلات، ومن الصوت كانت محاولات محاكاة الأداء والإلقاء، ومن تلك الغزارة المعرفية كان الدليل إلى رفوف المكتبة، كل منهن تبحث عن شاعر أو علم أو موضوع مما يذكره في أحاديثه. أما قصائده للأطفال، فأظنها ملاذه الذي يحكي إليهم عبره، ويمرر رسائله، كان يكتب إليهم بلغة سلسة وبسيطة وموجزة بإحكام عبر مجموعاته «حبيبة والقمر»، «ملك تبدأ خطوتها»، «الطائر الصغير»، «الأمير الباسم»، التي قرأت بعض قصائدها وأنا ألمح متعة الطفل الذي اشتاق إليه شوشة حين قال في نص له:
«أشتاق كالأطفال ألهو..
ثم أشعر بالدوار
وأظل أحلم بالذي قد كان يوما.. «
وربما كانت مجلة «العربي» المحطة الأجمل التي عرفتني بالراحل فاروق شوشة، عبر سلسلة مقالاته في «جمال العربية» والكتاب الذي أصدرته المجلة فيما بعد بلونه الرمادي وحرف الضاد الذي يتصدره، والذي تلقفته تلميذات الفصل ودهشة «الضاد» علامة التفاعل الأول، وأنا أهمس إليهن: بين أيديكن كتاب صغير لمختارات الشاعر عبر ما يقارب 45 عاما من تجربة حياته. كنت أسعى لتوفيره قدر المستطاع لسلاسة محموله في قسميه: ما قدمه من نماذج لتجليات العربية لدى عدد كبير من الشعراء والكتاب من عصور وبلدان مختلفة، إضافة إلى التحقيقات والوقفات اللغوية، ودوما كانت قصائده المكتوبة إلى الأطفال تدعم العمل المعرفي هذا وتعززه بالمتعة الأحب إلى النشء، إضافة إلى جهوده المخلصة في المؤتمرات وورش العمل الخاصة بثقافة الطفل، التي كان يشدد دوما على البدء منها والانطلاق معها والمحافظة عليها همّا دائما. وستظل رؤيته الحالمة الرمزية للأطفال هاجسي
«مازلت أحلم أن أرى الأطفال
يقتسمون قرص الشمس
يختبئون كالأزهار في دفء الشتاء
مازلت أحلم…»
من رواد شعر التفعيلة
ونختتم بكلمات الناقد رضا عطية، إذ يقول .. فاروق شوشة أحد أبرز أصوات جيل الستينيات الشعري الذي شكَّل الموجة الثانية من المد الشعري للشعر التفعيلي بعد موجته الأولى في أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين، ينطبع خطابه الشعري بعذوبة رومانسية، وإن مال أكثر نحو الكلاسيكية بما يحمله من وجد موسيقي وثراء إيقاعي وعناية بقوافي قصيده التي تبدو باذخة في حروف رويها، تأتي صوره – رغم جزئيتها- مُشَكَّلة من عناصر الطبيعة الحية التي تنبض دافقة في شعر شوشة. فاجأنا بكتابه الشعري «وجوه في الذاكرة» الذي ضمنّه سيرته الذاتية وما انطبع على ذاكرته من وجوه باقتداره الموسيقي وتمكنه الشعري من كتابة لوحات شديدة النثرية بلغة خاضعة لتفاعيل الخليل وأوزان العروض.
لعب شوشة دورا كبيرًا ومهمًا في تقديم أصوات الشعر العربي قديمها وحديثها لعامة الجماهير والمثقفين سواء في برنامجه الإذاعي الشهير «لغتنا الجميلة» أو عبر مقالاته في مجلة «العربي» الكويتية وجريدة «الأهرام» المصرية.
بيبلوغرافيا
فاروق محمد شوشة من مواليد 17 فبراير 1936 في قرية الشعراء في محافظة دمياط، شمال مصر. حفظ القرآن، وأتم دراسته في دمياط. وتخرج في كلية دار العلوم 1956، وفي كلية التربية جامعة عين شمس 1957
عمل مدرساً 1957، والتحق بالإذاعة عام 1958 وتدرج في وظائفها حتى أصبح رئيساً لها 1994، ثم أستاذاً للأدب العربي في الجامعة الأمريكية في القاهرة .من أهم برامجه الإذاعية «لغتنا الجميلة» منذ عام 1967، والتلفزيونية «أمسية ثقافية» منذ عام 1977. عضو مجمع اللغة العربية في مصر. رئيس لجنتي النصوص في الإذاعة والتلفزيون، وعضو لجنة الشعر في المجلس الأعلى للثقافة، ورئيس لجنة المؤلفين والملحنين.
الدواوين الشعرية
إلى مسافرة 1966 .العيون المحترقة 1972 .لؤلؤة في القلب 1973 .في انتظار ما لا يجيء 1979 .الدائرة المحكمة 1983 .الأعمال الشعرية 1985 . لغة من دم العاشقين 1986 .يقول الدم العربي 1988 .هئت لك 1992 .سيدة الماء 1994 .وقت لاقتناص الوقت 1997 .حبيبة والقمر (شعر للأطفال) 1998 .وجه أبنوسي 2000 الجميلة تنزل إلى النهر 2002
المؤلفات
لغتنا الجميلة عام 1967 /أحلى 20 قصيدة حب في الشعر العربي/أحلى 20 قصيدة في الحب الإلهي /العلاج بالشعر/ لغتنا الجميلة ومشكلات المعاصرة/ مواجهة ثقافية/ عذابات العمر الجميل «سيرة شعرية».
الجوائز
حصل على جائزة الدولة في الشعر 1986، وجائزة محمد حسن الفقي 1994، وعلى جائزة الدولة التقديرية في الآداب سنة 1997. حصل على جائزة كفافيس العالمية عام 1991، كما حاز جائزة النيل من الدولة، وهي أعلى وسام يتم منحه للأدباء في مصر عام 2016.