في وصف حلوى نابلس

حجم الخط
0

 

والكنافة هي خيوط عجين يرش من جهاز له ثقوب على صينية نحاسية كبيرة تسمى (صدر)، موضوعة على موقد فيه نار حامية، حتى تستوي الخيوط استواء أولياً. ثم تفرك وتفتت مع السمن على نار خفيفة، ثم يفرش الفتات على صوان نحاسية مدهونة بالسمن، وعلى الأكثر يجعل الفتات طبقتين، فيوضع على الطبقة الأولى حشو جوز الهند أو لوز أو جبن ينقع بالماء أولاً، حتى تذهب ملوحته ثم يفتت. وحشو الجبن هو الأكثر. ثم توضع على الحشو طبقة من الفتات، وتوضع الصينية على نار حجر وتدار أطرافها حتى يكون الاستواء عاماً لكل طرف، بالإضافة إلى الوسط، وتزرق أثناء تدويرها بالسمن، وتكون كأنها قليت به. وبعد ذلك تقلب على صينية أخرى، ويصير القسم السفلي الذي كان موالياً للنار فوق والقسم الفوقاني تحت، ثم يرش السكر المعقود، وأحياناً يمزج الفتات بحبات من الصنوبر. ويصنع كل حلواني من الكنافة بالجبن كل يوم صينيات عديدة، ويقبل الناس على أكلها في محلاتهم وهي ساخنة وفي كل وقت.
وليس الحلوانيون فقط هم الذين يصنعونها، بل معظم بيوت نابلس تصنعها، وهي أكلة الحلو الشعبية التي تتقنها نابلس، وقد اشتهرت بها. وأهل نابلس يتقنونها ويتنافسون ويتندرون في إتقانها، ويأكلونها صباحاً وظهراً ومساء وفي السهرات والسيرانات وفي المآتم والأفراح، وبتهادونها ويأكلونها مع الطعام ولوحدها، ويبدأون طعامهم بها أو بغيرها من الحلواء قبل تناول اللحوم والخضار، وظلوا على ذلك إلى شبابي، بل منهم من ظل على هذه العادة إلى ما بعد ترك معظم الناس لها وتأخيرهم الحلواء إلى ما بعد اللحوم والخضار. والكنافة على الأعم الأغلب تحشى بالجبن بعد تحليته، وأحياناً تحشى بفتيت الجوز واللوز والفستق والصنوبر وأحياناً لا تحشى. وصار الحلوانيون يصنعون في فتوتي كنافة يسمونها استانبولية، وكنافة يسمونها (مدلوقة)، والأولى هي خيوط عجين مع سمن يرش فوق الصدر النحاسي الموضوع على الموقد، والذي ترش عليه الكنافة العادية، ولكن خيوطها تبقى جامدة لا تفتت فتاً بل تبسط على الصواني خيوطاً قصيرة طبقتين تحشى بينهما بالجبن المحلى أو قلوب الجوز واللوز والفستق وتقلى مع السمن، ثم تقلب ويرش عليها السكر المعقود، ويصنعون من خيوط الكنافة الاستانبولية مبرومات طويلة تبسط على دائر الصينية بعد حشوها بالجبن والقلوب، وتقلى بالسمن حتى تحمر وترش بالسكر المعقود بعد ذلك ويسمونها (بورمة) أو مبرومة. والمدلوقة هي عجين كنافة عادية تسوى على النار بالسمن دون أن تقلى، ثم تبسط على الصواني أو في (الجاطات) وتحلى بالسكر المعقود. ويوضع على وجهها قشطة الحليب طبقة سميكة نوعاً ما، أو قلوب الجوز واللوز والفستق. والبيوت تصنع هذه الأنواع الثلاثة أيضاً.
والقطايف عجين من عجين الكنافة يصب وهو لزج على رخامة موضوعة على موقد تحته نار كالكف، وبعد أن تستوي كخبز رقيق تحشى بفتيت الجوز واللوز والفستق والصنوبر الممزوج بدقيق السكر أو بالجبن بعد تحليته، ويوضع على صوان نحاسية تدهن بالسمن وترسل إلى الأفران حتى تستوي، ثم يصب عليها السكر المعقود. وبعضهم يقليها بعد الفرن بالسمن، وبعضهم يكتفي بما وضع بين الصواني وبين القطع من السمن الذي يكون قد تشربت به الأقراص وهي في الأعم صنع البيوت. وتصنع خاصة في رمضان، وقلما يصنعها الحلوانيون للبيع. وكانوا يصنعون في البيوت أكلات متنوعة من الحليب بالسكر، منها مهلبية الحليب بالنشا ومهلبية الحليب بدقيق الأرز ومهلبية الحليب بالأرز الحب، وكانوا يصنعون هذه الأكلة أحياناً أرزاً مفلفلاً على حدة ويأكلون الاثنين الأكلتين معاً ويسمونها (بحتيتة)، وكانوا يصنعون مهلبيات بالسكر من عصير التوت الشامي ويسمونها (توتية)، ومن عصير البرتقال ويسمونها (برتقالية). وكانوا يضعون هذه المهلبيات على مهلبيات حليب أيضاً. وكانوا يصنعون في البيوت (العوامة)، وهي عجين مرق مقلي بالزيت ثم يغطس في السكر المعقود، وكانوا في نابلس يسمونها (لقمة)، ولم تسمّ عوامة إلا مؤخراً. ويصنعون كذلك (عبايل التوت)، وهي سميد معجون بالسمن والسكر مخبوز في الفرن، وتقطع قبل خبزها قطعاً بمقدار الاصبعين، وتقلم بآلة خشبية خاصة حتى يصبح ظهرها مقلماً بأقلام عميقة كأنها مجروحة.
وقد ذكرنا قبل أنه كان في نابلس من يصنع حلاوة الطحينة، ونقول هنا إنه كان فيها من يصنع حلاوة القرع أيضاً، حيث يقشر القرع الأصفر ويقطع قطعاً صغيرة وطويلة ويعقد عليه السكر، ويوضع عليه بعد ذلك قلب الجوز. وأكلها لذيذ مع الزلابية، ويصنعون منها حلاوة بيضاء تكون قاسية، وأظن أنها سكر ونشا، ويمزجون بها عشبة لا أذكر اسمها. ويضعون في قلبها قبل أن تجمد قلب الجوز وتكون لذيذة بدورها. وتصنع في البيوت أكلة أخرى هي (الكلاّج) وهو عجين مرق رخو يرصع بصورة خفيفة باليد على ظهر صينية محمية على النار حتى ينشف، فيكون كالمناديل، فيبسط على الصواني طبقتين وتحشى بالجبن أو القشطة، وتقلى على النار أو تسوى بدون قلي ثم تقطع بالسكين كل قطعة بمقدار الكف، ويصنع منها مبرومات كالكنافة الاستانبولية أيضاً، وصار يأتي في شبابي من دمشق لفافات كلاج أبيض ناصع فيصنع به ما يصنع بالكلاج النابلسي، أو يعمل صرراً محشوة بالقلوب مغلية بالحليب غلياً خفيفاً. ويصنع الفلاحون في طوابينهم أكلة حلو اسمها المشلتت وهو عجين مرقوق رقاً رقيقاً يقلونه بعد خبزه بالزيت، ثم يتبلونه بالسكر الناعم أو الدبس. وبالمناسبة أذكر أنهم يصنعون في طوابينهم أكلة لذيذة أخرى اسمها المسعّن أو المسخّن، حيث يسوون الدجاج بعد تنظيفه ثم يلفونه بخبز ملتوت بالزيت الكثير ومتبل بالبصل المقلي والسماق، ويلفون ذلك بورقة أو خرقة ثم يسخنونه ثانية في الطابون. وقد أكلت الأكلتين لأول مرة في قرية بيتا على بعد نحو 15 كيلومتراً من شرق نابلس، عند عميل لأبي وجدي اسمه حمدان. وكان عمري عشر سنين، وقد ذهبت مع جدي.
من «مذكرات محمد عزة دروزة»، المجلد الأول، 1983

القومي العربي الرائد

يوضع المفكر والمؤرخ والمناضل الفلسطيني محمد عزة دروزة (1887 ـ 1984) في مصافّ كبار مؤسسي الفكر القومي العربي، أمثال ساطع الحصري وزكي الأرسوزي؛ وكان، استطراداً، أحد أبرز الرواد في تأسيس الجمعيات الوطنية (أحزاب مطلع القرن الماضي) في سوريا الكبرى، قبل تجزئتها. كذلك كان دروزة أحد واضعي الدستور السوري الأول، والناشط ضد سياسات التتريك والانتدابات الاستعمارية الغربية في آن معاً، وليس من المبالغة القول إنّ مذكراته، التي تقع في ستّة مجلدات، أقرب إلى حوليات تسجيلية لتاريخ الحركات الوطنية العربية في معظم عقود القرن العشرين.
في الميدان الفكري تعددت أشغال دروزة، لكن الأنشط فيها كانت ثلاثة حقول: التاريخ العربي، وقد حرص على كتابة نصوص تعليمية تهدي الأجيال الشابة إلى ماضيها؛ والأبحاث القرآنية، من حيث أبعادها القومية، وعلاقتها ببلاغة اللغة العربية وأساليبها؛ ثمّ القضية الفلسطينية، حيث غطّت كتاباته الكثير من أطوارها وأحداثها. وفي هذا كله كان غزير الإنتاج، وبعض مؤلفاته تحسب بالمجلدات، وتُعدّ صفحاتها بالآلاف.
بين أعماله الكثيرة يُشار إلى «تاريخ الجنس العربي في مختلف الأطوار والأدوار والأقطار من أقدم الأزمنة»، في ثمانية مجلدات ونحو ثلاثة آلاف صفحة؛ «العرب والعروبة في حقبة التغلب التركي من القرن الثالث إلى القرن الرابع عشر الهجري»، في تسعة أجزاء وأكثر من ألفي صفحة؛ «حول الحركة العربية الحديثة»، في ستة أجزاء. في الدراسات القرآنية، له «الدستور القرآني والسنة النبوية في شئون الحياة»، في مجلدين؛ و»التفسير الحديث»، في 12 مجلداً؛ «سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم صورة مقتبسة من القرآن»، في مجلدين؛ بالإضافة إلى «القرآن والمرأة»، و»القرآن والضمان الاجتماعي»، و»القرآن والمبشرون اليهود». حول فلسطين أصدر دروزة «القضية الفلسطينية في مختلف مراحلها»، «مأساة فلسطين»، «فلسطين»، «جهاد الفلسطينيين عبرة من تاريخ فلسطين»، «قضية الغزو الصهيوني»، «في سبيل فلسطين»، «فلسطين والوحدة العربية» و»من وحي النكبة صفحات مغلوطة ومهملة من تاريخ القضية الفلسطينية».
نابلس كانت مسقط رأسه، وفي الجزء الأول من مذكراته يسهب في وصفها بما يشبه العشق؛ وأما دمشق فقد احتضنت رفاته، تلك كانت علامة أخيرة على ذلك البعد القومي الذي شكّل مسارات حياته بأسرها.

في وصف حلوى نابلس

نصّ: محمد عزة دروزة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية