كثيرون يعتبرون ترجمة الأدب معصية في شريعة الإبداع خاصّة إذا كان النصّ المترجم شعرا. ولكن يحدث أن يكون المترجم ذاته شاعرا فتصير الترجمة بعثا لإبداع جديد و ينفلت الشعر من محنة الترجمة ليعلن ميلاد أفق شعريّ جديد.
بهذا المنطق نقرأ ترجمة الشاعر التونسي أيمن حسن لديوان الشاعر السّوري نوري الجرّاح «قارب إلى لسبوس». ترجمة تصارعت فيها ذات أيمن حسن الشاعرة مع ذاته المترجمة ليتولد من الصّراع نصّ إبداعيّ جديد و يكون البعث لشعر عربي بسحر لفظ فرنسي.
فرعب ترجمة الشعر يتأتّى أساسا من الخوف من تبدّد شاعرية القصائد أمام جبروت اللّغة وإكراهاتها لأنّ مخاض نقل المعنى الشعري من قصيدة أصلية إلى قصيدة مترجمة لا يتمّ بالكلمة و حسب و إنّما بفيض شعوريّ و ذائقة أدبية لابدّ من توفّرها حتّى تسلم ترجمة الشعر من كلّ كيد.
ولذلك فإنّ ترجمة «قارب إلى لسبوس» لم تكن كلاما على الكلام و إنّما هي في المقام الأوّل إحساس بالمعنى و تضامن شعريّ بين شاعرين نطقا المعاني ذاتها كلّ بلسانه المبين .وهي إلى ذلك أيضا سحر يتفجّر من مزيج نادر مأتاه التوفيق بين دقّة اللّغة في الترجمة الفرنسية والوفاء لمعاني النصّ العربي و إثرائها. فالمترجم يبدّد حواجز الّغة عند ترجمة الشعر بفضل تملّكه للإحساس الشعري فتتدفّق ترجمته دفوعات إبداعية تبلغ أقصاها عند كشفه عن عميق إدراكه لمنطق النصّ العربي و بنائه و ذلك بإضافته لثلاث قصائد جادت بها قريحة نوري الجراح لمّا زار لسبوس و كاشفها عيانا بعد أن كانت في ديوانه بيانا. و هي قصائد ليست موجودة في الديوان في نسخته العربية إنّما نفخ المترجم في روحها في ترجمته الفرنسية. ويقول المترجم في ذلك :»بين الأول و الثالث من أوت زار الشاعر نوري الجراح جزيرة لسبوس و كأنّه حاجّ تراجيدي ذهب للوقوف على أطلال أفواج السوريين واللاجئين الذين لقوا حتفهم على شواطئ الجزيرة»، و من ذلك نتبيّن كيف تنفجر الترجمة شعلة إبداعية عندما يكون المترجم شاعرا إذ بين الشاعر نوري الجراح و الشاعر المترجم أيمن حسن لغة صفوية هي لغة الشعر و أسراره.
كما يورد المترجم أيضا في توطئته «لثلاثية لسبوس» بعد حديثه عن زيارة نوري الجراح للجزيرة: «من هذه التجربة العسيرة ولدت ثلاث قصائد ارتأى المترجم أن يضيفها إلى هذا الديوان لأنّها تكمّل ملحمة «قارب إلى لسبوس». و بذلك فترجمة «قارب إلى لسبوس» لم تكن انكفاء على البعد التقني في عمليّة الترجمة بقدر ما هي تأسيس لممكنات إبداع جديدة روّض فيها المترجم عصيان الترجمة و تمرّدها بأن نفخ فيها من ذاته الشاعرة. وهو بذلك أكره الترجمة في ديوان «قارب إلى لسبوس» على الاتصاف بالوفاء للنصّ الأصلي لفظا و معنى و هي التي ألفت الخيانة. و ليس بعد إحلال الوفاء بدلا للخيانة إبداع.
من ناحية أخرى فإنّ ترجمة «قارب إلى لسبوس» هي تحرير للمعنى الشعري في الديوان و فكّ لأسره. فمن الحقائق المؤلمة التي لابدّ من الاعتراف بها أنّ اللسان العربي اليوم لسان حزين يعبّر عن شواغل أهله دون أن يفهم غيرهم مقاصدهم. فيقمع النصّ العربي كما يقمع العرب وبحثا عن الحياة والأفق الرّحب يرتحل «قارب إلى لسبوس» إلى الفرنسية كما يرتحل ملايين المعدمين والمقموعين الذين رثاهم نوري الجرّاح.
بذلك تكون ترجمة «قارب إلى لسبوس» انفتاحا على عوالم مفقودة من القراءة ونحت لهيكل جديد من المعنى. فهي تقدّم نصّا مضطهدا إلى قرّاء يمقتون الاضطهاد كما أنّها حلول لشّعر في روح من لا سند لهم غير الشعر، إذ معنى النصّ وكنهه في أن يوجد في عالم واحد مع من ينطق بلسانهم ويواسي محنهم. وبذلك كان لزاما أن يترجم «قارب إلى لسبوس» ليكون زادا لملايين المهاجرين و اللاجئين الذين لا زاد لهم في أوروبا و خير زاد شعر يخفّف ما بهم من وجع و يشرّع لقدومهم إليها بحث عن أرض تنسيهم كمد الوطن.
كاتب من تونس
محمّد الطاهر العلاقي