قاسم توفيق: أرى في شخوصي الروائية دواخلهم النفسيّة أكثر من أشكالَهم

حجم الخط
0

تونس ـ «القدس العربي» من عبدالدائم السلامي: قاسم توفيق روائي وقاص أردني من أصل فلسطيني، مولود في جنين ـ فلسطين سنة 1954، متحصّل من الجامعة الأردنية عام 1978 على بكالوريوس في الأدب، نشر خمسَ مجموعات قصصية وإحدى عشرة رواية لا تُخفي جميعها نزوعَه إلى تفكيك وعي مجموعته الاجتماعية، وكشفِ حشود الأيديولوجيات والدوغمائيات التي تقيّد اجتهاداته الحضارية وتعطّل فيه حسن تدبيره للواقع. وبمناسبة إصداره لرواية «فرودمال» أجرت معه «القدس العربي» الحوار التالي الذي تطرّق فيه إلى كيفيات بناء شخصياته الروائية ودور الرواية في تحرير الناس من قلقهم الواقعي وواقع الكتابة السردية العربية.

■ كتابتك الروائية ممتلئةٌ بأصواتِ المسكوت عنه ومشتبكةٌ مع طوطميات معيشها، هل يجوز القول إنّ هذا الخطاب الروائي رسالة من المثقَّفِ إلى مجموعته الاجتماعية كيْ تُحرِّرَ وعيَها من قيودِ المألوف وسلطة العادةِ؟
□ أحاول أن أفهم الأشياء بمثل ما يجب أن تكون عليه، ليس خروجا عن المألوف والمعاش بعبثيّة أو بجماليّة لا تكرس حضورها الإنساني. فالروائي ليس فيلسوفا وإنْ كان يسعى إلى أن يكون كذلك، ولا مرشدا وإنْ رغب في ذلك، ولا مرسلا لمكاتيب يتمنّى لو أنها تصل لأصحابها لا أن ترجع إليه حاملة ختما من السلطات يقول: «يُعاد للمرسِل».
لقد تجاوزتُ منذ البداية كل هذه الاحتمالات وحسمتُ أمري بأن أكتب لي أنا، لكي أظلّ متيقِّنا من أنني موجود حقيقة على هذه الأرض، ولأصرِّح بأني لستُ موافقا على ما يُمارَس من قِبَل الأنظمة والرّساميل والتخلّف ضدّ هذا الوجود، وجودي.
لن أكون منسجما بالضرورة مع هذا الموقف إنْ رضيتُ بأن أُستَلَب من تخلُّفِ المجتمع الذي أعيش فيه ورجعيّته، فقلتُ أو كتبتُ ما لم يُقَل، حرّرتُ من صدري المخبوء والمسكوت عنه ووقفتُ في وجه المسدس مشهرا صدري له حتى أخفِّف عن روحي عبء الصمت القاتل.
■ لا تُخفي شخصياتُك الروائيةُ مزجكَ في تكوينها معارفَ عديدة منها الفلسفة وعلم النفس وسحرُ الحكيِ، وهو ما يجعلها شخصيات أكثر حقيقيّة من حقيقة شخصيات واقعنا. هل الروائيّ فيك عالَمُ نفسٍ يكشف للقرّاء خفايا أنفسهم الاجتماعية بكلّ جمالها وقبحها؟ أم هو فيلسوف لاذ بالحكاية سبيلا إلى رجِّ اطمئنان الفكر واقتراح رؤية للعالَم جديدة؟
□ لو ابتعدتُ قليلا عن السَّرد، في النقطة الضيِّقة التي تفصلني عنه أكون قابعا في منطقة الالتقاطة النفسيّة لتفسير ما ورائيّات ما يتحقَّق في الواقع، أظلّ في وضع المراقِب لما يجري، وأفهم بأنه يقبع وراء كل الحروب والفساد والأمراض المستحدَثَة، وقضايا الإلهاء الكونيّة مثل طبقة الأوزون، والاحتباس الحراري، وقبلهما مثلث برمودا، يقبع واحد من أشكال تسلُّط الإمبرياليّة برأسماليّتها وعسكريّتها على هذا الكوكب الصغير الضعيف الذي يجمعنا، مع ذلك فإنّي أقرأ التفاصيل الصغيرة من بشاعات الحروب الأهلية، وتحكُّم الديكتاتوريات بالشعوب، واستغلال البشر، وانتهاك إنسانيّة الفرد. وأرى أنّ هناك محرِّكا نفسيا مؤثِّرا بقوة في جعل ممارسات الأفراد والجماعات أكثر وحشيّة.
لقد تكلَّمتُ عن هذا الأمر في روايتي الأخيرة «فرودمال» التي تتحدَّث عن الفساد في المجتمعات العربيّة، وقلتُ إنّ عدوى الفساد تنتشر بالنَّظر، لا ينقلها فيروس ولا ميكروب، لأنّ الفساد رديف السلطة، وعندما يتملك السلطة الفاسدون يصبح همّهم إنجاز مشروعهم الذاتي، فيبدعون في استعباد الآخر، كل ذلك مردّه للحالة النفسيّة التي تتشكّل من خلال هذه المعايشات التي هُم جزءٌ منها، تماما مثلما يتشكّل طفل سويّ من أسرة لديها أخلاقيّات أو آخر عدائي تشكِّله بيئة لاأخلاقيّة.
بمراجعة سريعة للتاريخ نجد أنّ أكثر الأفعال وحشيّة قد مُورِسَت ضدّ البشر من البشر أنفسهم، فنحن لا نقدر أن نفسِّر معنى التمثيل بجثث الأعداء، أو نبش قبورهم، أو استحداث آلات تعذيب خرافيّة إلا تنفيسا عن الحال النفسي الذي يتلبّس أصحاب هذه الأفكار أو ممارسيها. إنّ الساديّة التي يمكن أن تبدأ في السرير مع النساء، وتكمل في القسوة في معاملة الأطفال واسترقاقهم، وحتى في التلذُّذ في تشويه الآخر جسديا واجتماعيا وفكريا، كل هذه لا يمكن أن تتشكل إلا من حالة نفسيّة مرضيّة تحتاج إلى علاج، ولمّا كان من المستحيل أن يقترح مستشارو حاكم ديكتاتور عليه أن يعرض نفسه على معالج نفسي، فإنّ ما يحدث أنه يحوِّلهم هو ليصبحوا مثله وعلى شكله.
من هنا فإنّ ما أراه في شخوصي هو دواخلهم النفسيّة أكثر ممّا أرى في أشكالهم.
إنّ الكتابة بمفهوم يشبه هذا الذي نتكلم به يصنع بالضرورة شكلا فلسفيا قد يكون جديدا، لكنه في آخر الأمر محاولة للبحث عن صيغة تكون قيمتها إنسانيّة بحته، فأنا لا أسعى لتخيُّل عالم جديد يستحق أن يُعاش، بل أحاول أن أكرِّس فهما لحقيقة وجود عالمنا الذي يستحقّ أن يُعاش منذ النطفة الأولى، التي هي عكس الصورة التي عليها هذا العالم اليوم. إنّ العالم لم يتشكّل ليصبح على هذه الصورة التي هو عليها، بل ليكون عالما جميلا.
■ لم تنجَح الرواية العربية، على كثرة عناوينها، في تجاوز حدود جغرافيّتها، هل يمكن ردّ هذا الأمر إلى ضعفها التكوينيّ أم إلى ضعف فعل الترجمة؟
□ إنّ فنّ الرواية منتَجٌ إنسانيٌّ وليس محليّا، ما حقّقه هذا الشكل من الإبداع يقوم على مجمل عوامل، إن توافر جزء كبير منها تحقَّقَ لها أن تتجاوز محليّتها، المأزق الذي تواجهه الرواية العربية وكل أشكال الإبداع الفني وحتى العلمي في العالم العربي ليست نتيجة لضعفها وهبوطها أو لقلّة الترجمات، هي معضلة الخطاب والتوجُّه الثقافي العربي. إنّ الفنون كافة لا يمكن أن تحقِّق وجودها دون أن تملك الحرية في أن تفعل ذلك، ما يحدث أنّ ما يُمارَس من قِبَل الأنظمة الحاكمة من تجويع وقمع وتجهيل لشعوبها لم يستثنِ هذا الجانب من تنكيله، بل على العكس فقد أولاه عناية خاصة، وصار يبدع في أشكال محاربته. لذلك صعُبت مهمة التجاوز لِمَا هو أصغر من الجغرافيا الأرضية، فلم يعد من المتيسر في الحد الأدنى بمقدور الرواية العربية أن تنتشر في جغرافية الوطن العربي ذاته الذي وُلدت من رحمه. لقد تحوَّل المتعلِّم العربي إلى أمّي، فلم يعُد يقرأ، وتحوّل التكفيريون والرجعيون إلى أداة قمع جديدة إلى جانب السلطات في قمع التفكير والإبداع، فأصبح الفنان أو المبدع محاصرا من كل الجهات. ليس من قِبَل أولئك الذين تكلّمنا عنهم، بل زاد عليهم الناشرون، ووسائل الإعلام، والجوائز، كلّ هذه صارت أدوات قمع ولم تعُد محفزة للكتابة مثلما هو مفترض بها أن تكون.
ما يحدث اليوم أنّ الكاتب يهرق دم وجهه وليس ماءه لينال خبرا في صحيفة غير مقروءة عن كتاب صدر له، ومن المستحيل أن يستضيفه تلفزيون أو إذاعة محليّة للقاءٍ أدبيّ. ليس هذا وحسب، بل إنّ هناك موجة عارمة من الكتاب الحكوميّين باختلاف تصنيفاتهم من صناعة الحكومات. إنها ليست مشكلة ترجمة، أو تقصير في فنيّة الرواية العربية، بل هي حالة استلاب للإبداع في أوطاننا. لا أريد أن أبدو هنا وكأنني أقول إنّ الرواية العربية متجاوزة لغيرها من الروايات في العالم، لأنّ الصحيح أنّ الغث فيها أكثر كثيرا من السمين، لكن عدم نيْل السمين حظه في الانتشار أمر مردود على مجمل الانتكاسات التي نحيا تحت خيمتها مُرغَمين.
■ هل توجد رواية عربيّة أم هناك حالات إبداعيّة (روائيّة) فرديّة؟
□ الرواية العربية تنحو منحى التَّجريب، والروائي العربي يقف مرتبكا أمام الكمّ الهائل من الأشكال والمدارس والمذاهب الفنيّة الروائيّة عربيا وعالميا، من هنا تنكشف الحالة الإبداعيّة الذاتيّة للكاتب. في تقديري أنّ الروائيين يتحمّلون المسؤولية الأكبر في صنع وتشكيل رواية عربيّة أو شخصيّة روائيّة عربيّة، فعندما يمتلك الروائي العربي أدواته الخاصة، ويشكِّل صوته ورؤيته الفنيّة والمنهجيّة، فإنه في هذه الحال يصنع نصّه وشكّله الخاص، إنْ تحقَّقَ هذا يعني أنّ الروائي أنجز فرديّة روائيّة، وفي تكرار مثل هذه الإنجازات تتشكَّل رواية عربيّة.
■ تبدأ المشكلة من السؤال التالي، كم عدد الروائيين العرب الذي أنجزوا أو يحاولون إنجاز مشروعهم الذاتي؟
□ من المتابعة المتخصِّصة تجد أنهم قلّة، إن لم يكونوا نُدرة، فمَن شدّوا أعناق القرّاء العرب لأعمالهم خلال العقدين الأخيرين معظمهم لم يستكملوا مشروعهم، أو لم يطوِّروه، أتكلم هنا بحدود قراءاتي، والأمثلة والشواهد على ذلك كثيرة لشدة الأسف.
إنّ مسألة تشكُّل هويّة لرواية عربيّة، أو روائي عربي ما تزال طيّ المجهول. المحزن في الأمر أنّ هذا يحدث في زمن ازدهار الرواية، في حين أنه منذ منتصف القرن الماضي لم تكن هذه مشكلة تعاني منها الرواية العربيّة والأمثلة على ذلك كثيرة جدا.
■ هل يُفلح الروائيّ حين يكتُب وعينهُ على جائزة؟
□ بلا شكّ أنّ الروائي منذ بداية احتواء القلم بين أصابع يده تكون عينه على جائزة، ليس من الضروري أن تكون من جوائز الحكومات، لكنها قد تكون في حلمه في الانتشار، أو في زيادة عدد قرّائه، أو في إنجاز ما يُفرح روحه. الجائزة ضرورة لكنها ليست حاجة.
من بدايات العمر والقراءة وعلى الرّغم من شغفي في الشعر العربي إلا أنّي لم أكن أطيق شعر المناسبات، كنتُ أجده مُتكلفا ومصنوعا، والأهمّ أني كنتُ أراه كاذبا. أنا أرى أنّ كل مَن يكتبون من أجل الحصول على جائزة لا يمكن إلا أن يكونوا كاذبين، والكذب هو نقيض الصنعة الفنيّة، وهو من أوّل أسباب تهاوي العمل الأدبي، لا أقصد بمفهوم الصدق الأدبي نقل الصورة بحياديّة، أو بعكس الأحداث والشخوص بحرفيتها، بل بالرؤية والموقف منها. إنّ دولة تقدِّم جائزة في الرواية وتعادي بلدا ما لا يمكن أن تقبل عملا أدبيا حتى إن كان عظيما إنْ مجَّدَ، او امتدَح، أو حتى أخذ موقفا محايدا من هذا البلد. قِس على ذلك إن كتبتَ عن الدين أو الجنس أو التخلُّف. مع هكذا معادلة لا أرى أنّ الروائي الذي طموحه الفوز بجائزة الدولة وعينهُ على هذه الجائزة مؤهَّل لصنع عمل أدبي مهمّ.

قاسم توفيق: أرى في شخوصي الروائية دواخلهم النفسيّة أكثر من أشكالَهم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية