قاسم حداد: «ثلاثون بحراً للغرق»

حجم الخط
0

 

بعد «الشارة»، مجموعته الشعرية الأولى التي صدرت سنة 1970، ومع صدور هذا العمل الشعري الجديد، «ثلاثون بحراً للغرق»؛ يكون يكون الشاعر البحريني قاسم حداد قد نشر قرابة 30 مجموعة شعرية؛ ومختارات أولى في مجلدين، سنة 2000؛ ومختارات أخرى، تحت عنوان «إيقاظ الفراشة التي هناك»؛ ونصوص مشتركة، مع الكاتب أمين صالح، بعنوان «الجواشن»؛ والتشكيلي فاضل عزاوي، «أخبار مجنون ليلى؛ والفوتوغرافي صالح العزاز؛ «المستحيل الأزرق»؛ فضلاً عن سيرة لمدينة المحرّق، ومجموعة حوارات بعنوان «فتنة السؤال»، وأعمال نثرية في ثلاث مجلدات.
ولا يُذكر اسم حدّاد إلا وتقفز إلى الذهن قضيّتان: ريادة وتجديد وتحديث النصّ الشعري الخليجي، وترسيخ القصيدة المنشقّة عن الخطاب المألوف في تمثيل هواجس الشخصية العربية في الخليج. وإذا كان من الصحيح أن يفترض المرء توفّر سلسلة من الوشائج العميقة التي تربط بين المسألتين على نحو منطقي ومتبادَل، فإنّ ما هو أكثر صحّة ــ وإدهاشاً في الواقع ــ إنما يكمن في تلك المقاربة التركيبية الخاصّة التي تحلّي بها الشاعر على الدوام؛ أو منذ مرحلة مبكّرة من نضج تجربة شعرية أتاحت له صناعة وتطوير سلسلة أخرى من الوشائج العميقة بين جماليات الهواجس الإبداعية، من جهة؛ وأبجديات الهواجس الإنسانية (على اختلاف أنماطها: السياسية والمعرفية والشعورية والميتافيزيقية) التي تكتنف برهة الإبداع، أو تحيط بها إحاطة تامّة، من جهة ثانية.
وقد خصّ حداد «القدس العربي» بهاتين الفقرتين من قصيدة «ثلاثون بحراً للغرق»:
29
لم يكنْ لي غَيْرُ خَمْسِينَ جَناحَاً
كي أطِيْرْ،
وبَعِيدٌ ساحِلُ النِسْيانِ
مَنْفَىً إثرَ مَنْفَى،
هاتِ موسيقاكِ قبل النصَّ
منفايَ أليفٌ
وهنا البلدانُ تُغْوينِي
لكي أنسى
***
جاءني بحرٌ وعشرونَ دليلاً لارتيادِ الموجِ
منفىً إثرَ منفى
والأدلاءُ كِتابٌ يَشْرَحُ الأنْوَاءَ،
والنَّهْرُ وراءَ البَحْرِ
يُغْرِينِي.
تَدَرَبْتُ لِكَي أغْرْقَ في أولِ بَحْرٍ
وأُسَمِّي غُرْبَةَ المَنْفَى
وخَمْسِينَ جَنَاحَاً
جَرَسَاً يُوقِظُنِي في جَنَّةِ النِسيانِ،
هل كانتْ بِحاراً،
أمْ غُزَاةٌ كَسَرُوا مِرْآتَنا
قبلَ السَفرْ.
30
ما مِنْ أمَلٍ
لا تَتَخِذُوا حِصْناً للحَرْبِ
فليسَ لنا غَيرُ الغَرَقُ القَادِمُ
ما دُمْنا نَنْسَى أسْمِاءَ البَحْرِ الحُسْنَى،
ما مِنْ أمَلٍ
قَدْ فَسدَ المِلْحُ ونَالَ المَاءُ الأعظمُ
من حُلُمِ الناسِ
فهذي الكأسُ تُعَدُّ بأقْصَى دَرَجَاتِ العَلْقَمِ
هل نَتَجَرَّعُ مُرَّ الكأسِ كِلانا؟
أسْبِلْ رِأسَكَ
لا أملٌ في هذا الفأسْ.
خُذْ دَرْسَ الغَرَقِ الأخْرَقِ
واسْأَلْ نَفْسَكَ
عن بابِ اليأسْ.
***
ما مِنْ مِوتَى أجْمَلُ مِنْ قِتْلانَا
فَلْنَذْهَب عَبْرَ الماءِ
لِئَلا تَعْرِفَ عَيْنُ المَوتِ خُطانا
ما دُمْنا في شَمْسٍ يَائِسَةٍ
لا أملٌ يُنْقِذُ هذا البَحْرِ سِوانا.

المتوسط، ميلانو 2017

قاسم حداد: «ثلاثون بحراً للغرق»

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية