قافية الملح في مُعلّقة الجرح الفلسطيني

حجم الخط
0

على ظهر الموت في عرض بحر مُرّ، يقرع حفيد «أبو قيس» جدار الخــــزّان، وهو يحــــاول أن يتشبـث بأنفاسه الأخيرة، التي لم تسعفه في أن تكون طــــوق نجـــاة، ليكمل سرد حكايتـــه، عبر رسائل بدأت بنداء استغاثة تخاطب الفضــاء المطلق، قبل أن تتحول، مع سكون الروح، إلى رسائل خاصة جداً ..
«أنا يوسف يا أبي»، أودّ، وأنا على بعد شحمة أذن من الموت غرقاً، أن أسجل اعتذاري لك، ولأمي التي رهنت مصاغها، كي توفر لي ثمن تذكرة هذه الرحلة التي، عما قليل، سيسدل الستار على فصلها الأخير
آه يا أبي لو وُفّقتُ في الوصول إلى عاصمة أوروبية، فما أحمل في جعبتي من لغات وشهادات يؤهلني للحصول على وظيفة مهمة وراتب كبير، أستطيع به أن أساهم معك في تحمل أعباء دراسة أخوتي، كما أستطيع، في المستقبل القريب، بعد حصولي على جنسية أجنبية، أن أرسل تأشيرة سفر لأخي الصغير، لكي يتمكن من إجراء عملية جراحية في عينه اليسرى.
أتذكر في هذه اللحظات جدي «أبو قيس»، لا أدري كيف استطاع القدر، على الرغم من فارق التاريخ والجغرافيا أن يجمعنا في خزان واحد، شيء ما يدفعني للضحك أمام حزمة من الأسئلة العبثية: كيف تتبدل الجدران من آن إلى آن؟ لماذا حين كان الجدار حديدياً، التزم جدي الصمت، وحين قررتُ الصراخ، اصطدمت بجدار خشبي؟
قبل تفتّح وعييَ السياسيّ، كانت تقودني العاطفة، فكنت، في كل مرةٍ، أقرأ فيها قصة جدي التي خلدها الروائي الفلسطيني، غسان كنفاني، في روايته الشهيرة «رجال في الشمس»، أتبنى تساؤل «أبو الخيزران»: لماذا لم يطرقوا جدران الخزان. يا إلهي، ها أنا أدفع حياتي ثمناً للإجابة على هذا السؤال.
أبلغ سلامي لأمي، لا أدري كيف تسللت رائحة خبزها الساخن إلى أنفي، إنه الجوع يا أبي، فالبحر مالح، والأرض بعيدة كأحلامنا المتطرفة، ولكن، ما جدوى أن تسعفني الريح برغيف عابر، ما دام البحر سيقدمني، عما قليل، وليمة دافئة لأسماكه الجائعة!
أما جيراننا، أحفاد «أبو الخيزران» فلا تشغل نفسك بهم يا أبي، إن كانوا قد خانوا وباعوا، فقد خان وباع أبٌ لهم من قبل!
قد تخلد قصة موتي في قصيدة شاعر، أو رواية كاتب، لا يهمني ذلك، ما يهمني يا أبي أن تستفيق القطعان، وتدرك أن «أبو الخيزران» ليس مجرد سائق فاقد الرجــــولة، أو صاحب مــــركب انتهازي، بل هو الأنظمـــة التي تسعى إلى قتلنا، كلما تصفحت وجهها في سيرنا الذاتية، لا لشعورها بعقدة الذنب، بل لأن ملاحم الصمود والبطولة تذكرها بعقدة أخرى، تشترك فيها مع (أبو الخيزران)!

٭ كاتب فلسطيني

علي أبو مريحيل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية