قالت لي الكوفية والعِقال في تل أبيب…

حجم الخط
12

في يوم ما قبل أكثر من ثلاثة عقود، كنت جالسًا في سيارة أجرة إلى جانب راكب آخر في المقعد الخلفي، وعندما وصلت السيارة مدينة عكا، ظهر رجل يرتدي قمبازًا وسروالًا و«ساكو» سوداء، ويعتمر كوفية مرقّطة بالأسود والرّمادي وعقالًا تدلّت شراشيبه فوق كتفه، عبر الرجل الشارع بسرعة كأنه يريد اللحاق بموعد ما، كان هذا في عز الصيف والحرّ، لم يكن لديّ شك في أنه ينصهر داخل ثيابه التراثية، ولكنه مشى منتصبًا فخورًا مختالًا بلباسه المُميّز.
مال الرجل اليهودي الذي جلس إلى جانبي وهمس لي: «انظر، إنّه مخرّب». والمخرّب هو اللقب الذي يطلقه الإسرائيليون على الفلسطيني المقاوم.
يبدو أن الرجل لم يعرف أنني عربي، وإلا لاحتفظ بمعلومته الخطيرة عن الرجل لنفسه، قلت له: لماذا تعتقد أنه مخرّب؟
فهمس لي كأنه يبوح بسرٍ خطير: ألا ترى ماذا يرتدي؟!
حينئذ قلت له: هذا اسمه منيب من عائلة مخول، وهو من قرية البقيعة، وأعرفه شخصيًا. فرد الرجل مستغربًا وقد فهم أنني عربي: إذن لماذا يرتدي ملابس مُخرّب؟!
رحم الله الشاعر منيب مخول، فقد كان شاعرًا على الطريقة العمودية، كتب مباشرة وبحماسة قومية.
ومن شعره قوله:
جذوري تغور تغور تغور..
بعيداً بعيداً ببطن الأزل
مع السنديان وُلدت قديماً…
بأرض الجليل ولمّا أزل
خلاياي من نَبْتِ هذا الحِمى…
غذا جسدي خيرُهُ فاكتمل.
بعد النكبة، تخلى الشبان الذين خرجوا للعمل في المدن والمستوطنات اليهودية عن اللباس التراثي إلا ما ندر، وصار الرجال يؤجلون ارتداءها إلى حين الخروج إلى التقاعد عن العمل، أي بعد أن يصبحوا غير مضطرين للسفر اليومي إلى المدن اليهودية.
هذا اللباس ما زال منتشرًا في القرى والتجمعات العربية البدوية وخصوصًا في النقب، كذلك في قرى الضفة الغربية وخصوصًا بين الفلاحين، لعدم اضطرارهم للسفر إلى المدن والمستوطنات اليهودية.
كانت الكوفية والعقال رمزًا لكبرياء الرجل، وأقصى درجات الإهانة والتحقير أن تأخذ عقال أحدهم عن رأسه وتلقيه أرضًا، هي لحظات أهون منها الضرب بحد السيف، وكانت كفّارة عمل كهذا دفع تعويض كبير ومراسم صلح، أو العداء والصدامات ومحاولات الأخذ بالثأر.
كنا في طفولتنا نسمع من الكبار وهم يرددون بقلق أن فلانًا رمى عقاله عن رأسه أمام الناس، وعادة ما يجري هذا بعد اعتداء جسدي أو معنوي عليه، وخصوصًا في قضايا العِرْض، وكان هذا يسبب توترًا كبيرًا في القرية، لأن هذه الحركة تعني توقّع حدوث أمر جلل، وأن الرجل لن يعيد عقاله إلى رأسه حتى ينتقم أو يُنصف.
لكن هذه الحركة استخدمت أيضًا لمآرب سِلمية كالفرح،
كان أحد الرجال ويدعى رشاد، ويلفظها أهل القرية مُعرّفة مع شدة على الراء والشين (الرّشّاد) لتمييزه عن رشاد آخر، كان صف السّحجة في العرس التراثي الفلسطيني عندما يصل الساحة أمام بيته يبدأ بأهزوجة «جينا حيّك يا رشّاد»، يردّدها الرجال بحماسة، ومن ورائهم زغاريد وأهازيج النسوة، فتأخذ الحميةُ الرجلَ فيتقدم جريًا جيئة وذهابًا أمام الصف هازجًا ومصفّقًا بحركات يمتاز بها عن غيره، وترتفع الأهزوجة أقوى وأقوى حتى تأخذه الحماسة ويمسك بكوفيته وعقاله عن رأسه ويضربهما في الأرض طربًا أمام المحتفين، فيبعث الغبطة والسرور والحماسة في الحضور، ثم تبدأ مسيرة الفرح بمغادرة ساحته بعدما أخذت حقّها، وما زالت الساحة تسمى بساحة الرّشّاد رحمه الله.
وللعقال هيبة حتى بعد رحيل صاحبه، فتندبه زوجته وتقول:
حَطّوا عقالك في الميّه…
تا تفضل هيبتك عَليّي..
حطّوا عقالك على الشّجر
تا تظل هيبتك بين البشر
لا تاخذوا ناموس راسي
ولا تحقّروني بين الناسِ..
وقيل في المثل» العِقال زينة الرِّجّال» و«العقال زينة وكمال».
والعقال فرضته طبيعة الجغرافية العربية، لتثبيت الكوفية على الرأس أو الوجه، ولم يكن لونه مُهمًا، إلا أن هناك حكاية عن لونه الأسود، عندما سقطت الأندلس وطرد المسلمون منها، قصّت النساء في بلاد المشرق العربي جدائلهن ورمينها بوجوه رجالهن، كتعبير عن الحسرة والألم لعدم نصرتهم إخوانهم في الأندلس، فلفّها الرجال على العترات فوق الكوفيات تعبيرًا عن حزنهم وندمهم، وصار العقال باللون الأسود حزنًا على خسارة الأندلس.
وعندما يموت أحدهم، يعتمر أحباؤه من الرجال الكوفيات بدون العقال على رؤوسهم، تعبيرًا عن حزنهم عليه لبضعة أيام وأكثر.
وفي أيامنا هذه، عندما تدخل بيت عزاء من بيوت العرب وخصوصًا الدروز، تعرف أن أقرب الناس إلى الفقيد من بين مئات الحضور هم الذين يقفون لاستقبال المعزين وقد لفّوا رؤوسهم بالكوفيات من دون عقالات تعبيرًا عن حزنهم.
ويُصنع العقال من شعر الماعز ومن وبر الجمال، أما أجودها فهو من الحرير، ويستخدمه البعض لتأديب أطفاله- صرنا نرى فيديوهات يستعمل العقال فيها لدى البعض لتأديب الخادمات الآسيويات في دول الخليج- والعقال المقصّب للملوك.
والعُقّال هم أصحاب العقول الراجحة، وسمي العقل كذلك، لأنه يعقِل صاحبَه، أي يربطه ويمنعه عن ارتكاب الحماقات.
في تظاهرة الجماهير العربية، مساء السبت الماضي، وسط تل أبيب، لفت الأنظار بعض الشبان البدو الذين ارتدوا اللباس الفلسطيني التراثي، القمباز والكوفيات والعِقالات، كعلامة مميزة لهم عن المتظاهرين، ورفعوا شعارًا يدعو لإسقاط قانون القومية اليهودي الذي يتجاهل العرب أبناء البلاد الأصليين.
عندما رأيت الكوفيات والعُقل على رؤوس بعض المتظاهرين وسط تل أبيب، حضرتني هواجس كثيرة، منها ما ذكرته أعلاه، وكذلك حضرني المثل الشعبي «قومٌ بلا جُهّال ضاعت حقوقهم، وقوم بلا عُقال راحوا قطايع».
والجهّال هم أولئك الذين يشهرون عصيّهم وقت الحاجة دفاعًا عن الحقوق ولاستعادتها، فالحق يحتاج إلى قوة تسنده، وإلا ضاع، وفي الحقيقة أن أمتنا لا تنقصها القوة، لكن القوة تصبح عمياء بغياب العقل، قوّة جاهلة تُدمّر الكثير مما حولها وفي النهاية تأخذ أصاحبها إلى الهلاك.

قالت لي الكوفية والعِقال في تل أبيب…

سهيل كيوان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية