أثيرت ضجة كبيرة مطلع شهر نوفمبر الجاري بسبب نشر بعض القنوات الإعلامية مقترح تعديل قانون الأحوال الشخصية في العراق، تقدمت به كتل لاحزاب اسلاموية للبرلمان للتصويت عليه.
وما أن انتقل الأمر إلى صفحات التواصل الاجتماعي حتى ابتدأ الصراخ والشتائم بين طرفين، حيث تم فرز الساحة ومنذ الدقائق الاولى إلى معسكرين، الاول يتمحور حول أحزاب الإسلام السياسي ورؤيتها التي تحاول أن تفرضها عبر سن قوانين تفرضها من خلال سطوتها في مجلس النواب، يقابلها معسكر القوى المدنية الذي يرفض ما يحاول الإسلامويون فرضه، أو كما وصف في الحملة تمريره من خلال تصويت البرلمان على التعديل، ومع ضعف القوى المدنية في البرلمان إلا أنها حاولت أن تحرك الشارع وتشن حملات عبر مواقع التواصل الاجتماعي ضد هذا التعديل.
المفارقة في الأزمة الأخيرة أنها بدت وكأن طرفيها يتحصنون خلف متاريس مسبقة بدون محاولة فهم أو نقاش ما يدور الان، فالقوى الاسلاموية تحرض على الاخر وتصف التعديلات المطلوبة بأنها ستأخذ بيد المجتمع إلى ضفة الأمان والاستقرار والاخلاق الإسلامية والابتعاد عن التغريب الذي يحاول الملحدون جرّ المجتمع له، ليغرق في وحل التفسخ والانحلال الاخلاقي، بينما من جانبها شنت القوى المدنية هجومها مستخدمة توصيفات ضد خصومها مثل، اغتصاب الاطفال وزواج القاصرات والشيوخ المصابين بمرض البيدوفيليا (الرغبة في اغتصاب الاطفال)، ولتنعى مجتمعا كان متحضرا ينعم بقانون الأحوال الشخصية المتطور الذي سنه الزعيم عبد الكريم قاسم عام 1959، القانون القديم الذي كان يضمن حقوق المرأة والطفل ويحمي التنوع الموجود في المجتمع، من خلال تطبيق القانون المدني، وللأمانة لابد من القول إن الطرفين مخطئان وموغلان في صراع الديكة، سواء كان الامر بحسن نية أم جريا وراء مؤامرة تدبرها بعض الاطراف لأغراض انتخابية.
والسؤال الذي وجهته إلى كل من يشارك في الصراخ والنزاع والشتائم هو؛ هل قرأت القانون القديم؟ هل أطلعت على التعديلات المطلوب اجراؤها على القانون؟ وما هي النقاط التي تعترض عليها؟ ليأتيني الجواب حادا؛ إنه يرفض تزويج القاصرات، والأنكى من ذلك التحديد، حيث يرفض تزويج الفتيات بعمر 9 سنوات، بينما يأتيني الرد من الطرف المقابل على شكل سؤال استنكاري؛ هل ترفض الصحيح من السنة النبوية؟ في إشارة إلى زواج الرسول الكريم من السيدة عائشة (رض) في مثل هذه السن، ويبقى حوار الطرشان مشتعلا.
ولتوضيح الموقف لابد من بعض التفصيل القائم على بعض المعطيات التاريخية، فتنظيم الأحوال الشخصية، بما تتضمنه من امور الزواج والطلاق والمواريث وحقوق النساء والاطفال وما إلى ذلك من امور كان وعبر التاريخ الحديث متروكا لما يعرف بالقضاء الشرعي، أو الجهات الدينية، سواء كانت اسلامية او غير إسلامية بحسب ديانة المواطن، وكانت هنالك شريحة من رجال الدين الذين يقومون بأداء هذه الواجبات. ومع تشكل الدولة الحديثة في العراق عام 1921 بقي الحال على ما هو عليه، وتم الشروع في تدوين تفاصيل الأحوال الشخصية في الدوائر المدنية، كالزيجات والولادات والوفيات للحفاظ على الحقوق، لكن تنفيذ خدمات القضاء الشرعي بقيت بيد رجال دين المنفذين لها.
وفي عام 1959 تم إصدار القانون رقم 188 الذي عرف بقانون الاحوال الشخصية مع بداية عصر الجمهورية، بعد أن سن الدستور المؤقت البديل للدستور الملكي الدائم، وكان هذا القانون متقدما، من خلال ما منحه من حقوق وما رتبه من احوال المجتمع، في مجال شؤون الاحوال الشخصية، حتى أن بعض الباحثين اعتبروه خطوة قام بها الجنرال عبد الكريم قاسم أدت إلى استعداء قوى المجتمع التقليدية، كالزعماء القبليين ورجال الدين والاقطاع، وما نتج عن ذلك لاحقا من توتر بينه وبين هذه القوى، التي توحدت وعملت على إطاحة جمهورية قاسم عام 1963.
ولابد من الاشارة إلى أن هذا القانون وكأي قانون في العالم تظهر عليه الحاجة للتغيير والتعديل نتيجة التغيرات الحاصلة في المجتمع، وهذا ما حصل منذ التعديل الاول عام 1963 حتى التعديل الثامن عشر عام 1999، وللامانة لابد من الاشارة إلى أن قانون الاحوال الشخصية العراقي يعد من القوانين الجيدة في العالم، من حيث خدمة حقوق المرأة والطفل وترتيب أحوال المواطنين، بدون وجود عوائق أو عثرات نتيجة التقاطع أو الاختلاف مع الاحكام الفقهية لمختلف المذاهب الموجودة في العراق.
مع صعود نجم أحزاب الإسلام السياسي بعد إطاحة نظام صدام حسين عام 2003 ابتدأت هذه الاحزاب بالعمل على تأطير المجتمع برؤياها الضيقة للحياة والمجتمع، وحاولت جاهدة أن تطبعه أو تقوبله بما ترتأيه من مسارات الحياة، وقد أثيرت قبيل انتخابات 2014 البرلمانية أزمة عرفت حينها بأزمة الـ»القانون الجعفري» الذي تبنته كتلة حزب الفضيلة الاسلامي، من خلال صياغة مشروع قانون احوال شخصية غارق في رجعيته، يقف وراء كتابته احد قيادات حزب الفضيلة هو المحامي حسن الشمري، الذي كان وزيرا للعدل حينها، وكتب هذا القانون بالاعتماد على الاراء الفقهية للفقيه الذي يعتبره حزب الفضيلة الاسلامي مرجعيته وهو الشيخ محمد اليعقوبي، ورغم إنه مرجع شاب في الاربعينيات من عمره، إلا أن ثقله الاجتماعي كان قائما على انه ابرز طلبة المرجع محمد الصدر (والد السيد مقتدى الصدر) الذي اغتيل إبان حكم صدام حسين، لذلك مثل ظهور حزب الفضيلة بعد سقوط النظام السابق مباشرة انشقاقا مبكرا عن التيار الصدري، من خلال اتباع مرجعية اليعقوبي ذات الطروحات المختلفة عن توجهات السيد مقتدى الصدر، لكن مشروع «القانون الجعفري» رفض وبشدة من الشارع والبرلمان ومن النخبة الدينية من مراجع في حوزة النجف، الذين اعتبروه مشروعا متهافتا فقهيا، وانتهى هذا الامر واصبح تاريخا.
إذن ما الذي حصل الان للحديث من جديد عن القانون الجعفري؟
إن قانون الاحوال الشخصية المعدل والمعمول به لحد الان كان يحوي نقاطا لا تبتعد كثيرا عن مفاهيم الفقه الاسلامي، لان المشرع لابد أن يستلهم قوانين الاحوال الشخصية من القوانين الدينية السائدة في المجتمع، وربما لم يقرأ البعض الفقرة 8 من القانون اعلاه التي حددت سن الزواج بـ18 عاما، لكنها افسحت مجالا للقاضي بعقد الزواج حتى لمن هم بسن 15 عاما حيث ينص القانون على ما يلي «إذا طلب من اكمل الخامسة عشرة من العمر الزواج، فللقاضي أن يأذن به إذا ثبت له اهليته وقابليته البدنية، بعد موافقة وليه الشرعي، فإذا امتنع الولي طلب القاضي منه موافقته خلال مدة يحددها له فان لم يعترض أو كان اعتراضه غير جدير بالاعتبار أذن القاضي بالزواج» يعني كان هنالك زواج قاصرات شرعي وقانوني قبل قانون الزعيم، وأثناء العمل به وبعد تعديله، كما أن الدستور الحالي والتعديل المقدم للبرلمان يترك الخيار للافراد في اتباع الاحكام الفقهية لمذاهبهم، أو لما يختارونه، لكن يجب ألا نغفل وجود تخوفات حقيقية من أن يتم إطلاق اليد للوقفين الشيعي والسني في ترجيح الآراء والحلول لأي مشكلة مقبلة، لأن التعديلات تعطي لهذين الوقفين الأرجحية في الرأي الفقهي على الوضع القانوني.
وبالعودة للسؤال المحوري؛ لماذا اثير الأمر الآن؟ فمن تدقيق بسيط نستطيع أن نفهم أن الأمر لا يعدو عن كونه معركة انتخابية حاول الإسلاميون جر خصومهم لها قبيل الانتخابات المزمع اجراؤها في مايو 2018 المقبل، وهي لعبة من ألعاب الاسلامويين باتت مكشوفة لرص جبهات ولاء قائمة على أسس دينية وطائفية، عبر رسم تهديدات خيالية يتعرض لها المجتمع ممن يسمونهم «دعاة الدولة المدنية والعلمانيون الملاحدة» الذين يهددون الشرف والاخلاق في المجتمع، فتم خلط الاوراق بشكل متعمد بين التعديلات المطلوبة، وهي في واقع الامر لا تغير من القانون القديم أي امر جوهري، وما عرف بـ»القانون الجعفري» وطرح الامر امام «ابواق الحراك المدني» بهذا الشكل لتخرج المظاهرات في شارع المتنبي تشتم البيدوفيليا وشيوخ زواج القاصرات، لتتم شيطنة كل الحراك المدني على اساس أنه حراك ملحد فيتم لهم الفوز بأصوات الناخبين البسطاء.
كاتب عراقي
صادق الطائي