قانون القومية يشعل جدلا صاخبا في إسرائيل بين مؤيد ومعارض

حجم الخط
0

الناصرة ـ «القدس العربي»: يتصاعد الجدل داخل إسرائيل بين معسكرين مؤيد ومعارض وهم ليسوا بالضرورة يمين ويسار صهيونيان حول سن قانون القومية ويهيمن عليه سؤال الجدوى مقابل التكلفة، فيما يتم تهميش المعايير الأخلاقية والديمقراطية. هناك أوساط سياسية وإعلامية وأهلية في إسرائيل تحذر ليل نهار من انعكاسات القانون على المواطنين العرب 17 في المئة ومبدأ مساواتهم، بما من شأنه أن يستعديهم ويحولهم لنوع من «الطابور الخامس» وفق المصطلحات الإسرائيلية. كما يحذر هؤلاء من أن القانون الذي يجعل من إسرائيل دولة اليهود أولا سيضع ذخائر بيد أعدائها في العالم ويمكنهم من تحويلها لجنوب افريقيا الجديدة مما يسهل نزع شرعيتها.
ومما يزيد من معارضتهم القانون أن تشريعه في نظرهم جاء بإصرار من جانب رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، الذي يسعى لكسب أوراق سياسية يعرضها على جمهوره في الانتخابات المبكرة المقبلة وليس تلبية لحاجات فعلية. «إسرائيل عاشت وتدبرت أمرها بدون هذا القانون طيلة 70 عاما وربما لا تحتاجه مدة 70 سنة أخريات وأكثر ولذا فهو زائد ومضر». هكذا قال وزير الأمن الأسبق موشيه أرنس أحد أبرز المعارضين للقانون. لكن هناك ما يغذي معارضة أرنس وأوساط أخرى منهم رئيس إسرائيل رؤوفين ريفلين في معارضة القانون ويرتبط بالرغبة بعدم خسارة الدروز الفلسطينيين الذين تحالفت معهم إسرائيل منذ قيامها ويشاركون في أجهزتها الأمنية منذ 1948 وهم اليوم يشعرون بالخيانة وبالطعن في الظهر لأن القانون يحول إسرائيل لدولة لليهود والدروز من ضمن مواطني الدرجة الثانية. هذا لا ينفي وجود شبه إجماع صهيوني حول المبدأ الأساسي للقانون، وهو أن «إسرائيل هي الدولة القومية للشعب اليهودي»، وأن فلسطين التاريخية، التي تسميها الصهيونية «أرض إسرائيل»، هي «الوطن التاريخي للشعب اليهودي»، أي أبناء الديانة اليهودية، الذين تعتبرهم الصهيونية شعبا. لكن المعترضين ينتقدون غياب كلمة ديمقراطية من عبارة تعريف إسرائيل. كما ينتقدون غياب مبدأ المساواة. ولعلّ هذه النقطة الأخيرة عينياً جعلت شرائح مختلفة من الجمهور الإسرائيلي متضررة هي أيضاً علاوة على وجود قطاع يرغب بالمحافظة على الديمقراطية لجانب يهودية الدولة كما يؤكد الباحث في الشأن الإسرائيلي أنطوان شلحت. ومن هذا القطاع رئيس معهد إسرائيل للديمقراطية الذي يتحدث بحرقة ضد قانون القومية ويعتبره مسا بإسرائيل أولا وبالحلم الصهيوني مما دفعه إلى البكاء على الهواء في حديث للإذاعة الإسرائيلية قبل أيام خلال حديثه عن خطورة القانون. بالمقابل يعتبر المؤيدون للقانون، من سياسيين وكتّاب ومحللين، أنه بمثابة «حاجة ضرورية» لإسرائيل لتثبيت هويتها، وهناك من رأى أنه يشكل خطوة كبيرة نحو صياغة دستور إسرائيل، بعد كل السنين التي مرّت. في سياق المعارضة للقانون حصل تلاق قد يبدو غريبا، إذ كان من بين المعارضين أتباع التيار اليميني الإيديولوجي المتشدد، وهم من أعضاء حزب «حيروت» القديم، الذي أسس في العام 1974 حزب الليكود، وبينهم من لا يزال في حلبة السياسة حتى الآن، مثل الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين، وعضو الكنيست بنيامين بيغن من كتلة الليكود حاليا، وإلى جانبهما وزير الدفاع الأسبق موشيه أرنس، وغيرهم، وهؤلاء يرون أن القانون زائد، ولا حاجة لإسرائيل له، فهويتها معروفة، وصياغات القانون قد تخلق نزاعات بين تيارات يهودية دينية وعلمانية، وبين يهود العالم وإسرائيل، إلى جانب التضييق على المواطنين العرب، علماً أن هذا التيار السياسي اليميني هو من أشد المتمسكين بسياسة «أرض إسرائيل الكاملة».
كذلك لوحظ أن ثمة معارضة من قوى صهيونية أخرى، كأحزاب المعارضة البرلمانية، التي لا تختلف حول البند الأساسي للقانون، لكنها تعترض على غياب التعريف الديمقراطي للحّكم، وغياب مبدأ المساواة، ووجود بنود تستهدف وجود العرب في الدولة وغيرها. وكان النائب بنيامين بيغن، نجل رئيس الحكومة الأسبق مناحيم بيغن، الوحيد من الائتلاف الذي اعترض على القانون، بناء على مواقف عقائدية. فقد صوّت ضد القانون لدى المصادقة عليه بالقراءة التمهيدية قبل أكثر من عام، وبالقراءة الأولى قبل أقل من ثلاثة أشهر، بينما لدى المصادقة عليه بالقراءة النهائية، اختار الامتناع عن التصويت. ويقول الخبير القانوني مردخاي كريمنيتسر في صحيفة «هآرتس» إن «قانون القومية هو قانون يتعسف في استخدام حق الأغلبية وهو قانون مهين للأقلية. وهو لا يضم الضفة إلى إسرائيل، بل يضم إسرائيل إلى المناطق المحتلة». وعن المواطنين العرب كتب يقول «كما أنهم لا يحصون في المناطق 1967 السكان الفلسطينيين، فهم لا يحصون المواطنين العرب في دولة إسرائيل. لا مناص من القول إن سياسة من النوع الملائم لحكم الأبارتهايد على قاعدة اثنية، والموجود في المناطق 1967 تدخل الآن برأس مرفوعة إلى داخل إسرائيل».

معسكر المؤيدين

في المقابل وعقب إقرار القانون، قال رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، من على منصة الكنيست «إن هذه لحظة مؤسِسِة في تاريخ الصهيونية، وتاريخ دولة إسرائيل. فبعد 122 عاما من نشر هيرتسل حلمه، ثبّتنا بقانون المبدأ الأساس لوجودنا، ومؤداه أن إسرائيل هي الدولة القومية للشعب اليهودي، التي تحترم حقوق الفرد لكل مواطنيها. وفي الشرق الأوسط، فقط إسرائيل تحترم هذه الحقوق وحينما أتحدث في العالم فأنا أكرر قائلاً إن هذه دولتنا، دولة اليهود. وفي السنوات الأخيرة هناك من يسعى للاعتراض على هذا، وبذا للاعتراض على ما يمس أساس وجودنا. ولهذا شرّعنا في هذا القانون النشيد الوطني ولغتنا وعلمنا». وكانت هذه رؤية سرعان ما التقطها آخرون من المؤيدين لتبرير القانون فقال النائب آفي ديختر «الليكود» المبادر الأول لهذا القانون في العام 2011 في عرضه للقانون أمام الهيئة العامة للكنيست: «منذ أن بدأت بالدفع قدماً بهذا القانون، قيل لي إن صيغته مفهومة تلقائيا، لكن ما كان بالإمكان تجاهل أقوال القائمة المشتركة: (نحن سننتصر، لأننا كنا هنا قبلكم وسنكون بعدكم). إن هذا القانون هو الردّ الحادّ على كل من يفكر هكذا». ومما يشير ربما لدور فلسطينيي الداخل والخوف من تطورهم كما وكيفا، في تشريع هذا القانون قال ديختر مخاطباً أعضاء القائمة المشتركة، بعد هذا القانون، فإن «كل ما باستطاعتكم فعله هو تحقيق المساواة لأقليات، لكن ليس مساواة قومية. لن تكون أي أقلية قادرة على تغيير رموز الدولة. إن هذا القانون لا يمس اللغة العربية، ولا يمس أي أقلية، وهذه أخبار كاذبة. وإسرائيل ليست دولة ثنائية اللغة، ولن تكون هكذا. إسرائيل هي الدولة القومية للشعب اليهودي، وتضمن الأغلبية دون المس بالأقليات». من جهته قال الكاتب يوعز هندل، الرئيس السابق للطاقم الإعلامي في ديوان رئاسة الحكومة، في «يديعوت أحرنوت»، إن إسرائيل ليس لديها دستور منذ قيامها. ولعل هذا هو الفشل الأبرز لديفيد بن غوريون. معتبرا أن قانون القومية مهم لأنه جزء من البديل للدستور، إلى جانب قانون أساس كرامة الإنسان وحريته. وأضاف: «في العقود الأولى لقيام الدولة لم تكن هناك حاجة إلى شروحات كثيرة عما نحن. فعندما يكون الرأس تحت المقصلة تكون الكلمات والأفكار ترفا زائدا. نحن لم نعد هناك: لا يوجد تهديد وجودي، الدولة تزدهر وتتطور وإلى جانب ذلك الديموغرافية تتغير. ومع ذلك فإن نصف التلاميذ في إسرائيل يتعلمون في تعليم غير رسمي (يقصد غير يهودي رسمي) بينهم أساسا عرب ومتدينون متزمتون حريديم». ويؤكد هندل أن المصلحة الصهيونية تظل الحفاظ على الأغلبية اليهودية، وعلى التواجد في كل مكان في البلاد وفي رأيه هذا لا يحصل لأنه ليس مُهما بما يكفي للحكومة. ويتساءل: لماذا القانون؟ ويجيب: «لأنه حان الوقت كي تعرّف إسرائيل نفسها، تقرر مصيرها، تعرض خطوطا حمراء وتطور رؤية وطنية بعيدة المدى بدلا من إطفاء الحرائق والأحابيل».
ويقول الكاتب شلومو بيوتركوفسكي، في صحيفة «يديعوت أحرونوت» إن المصادقة على قانون القومية هي لحظة مؤسسة في تاريخ دولة إسرائيل. ففي نهاية المطاف تمّ في العام الـ 70 للدولة إقرار قانون من شأنه أن يكون فاتحة لدستور مستقبلي، سيكون يوما ما لدينا. وهذا القانون يحصّن هوية الدولة اليهودية، التي قامت في أرض إسرائيل، بعد ألفي عام من المنفى، وهذه اللحظة هي حقا لحظة مهمة جدا.

11HAD

قانون القومية يشعل جدلا صاخبا في إسرائيل بين مؤيد ومعارض

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية