لقد حكم الفكر الاستئصالي، لا نظريا فقط، وإنما ممارسة أيضا، الخطاب السياسي العراقي، والممارسة السياسية العراقية، وتاريخ الدولة/ السلطة العراقية. بدأ الأمر مع حظر الحزب الشيوعي في العهد الملكي، ثم تكرس الامر من خلال تاريخ الدم منذ عام 1958 وحتى اللحظة، ولم يتم النظر، ولو للحظة، إلى هذا التاريخ إلا من خلال فوهة بندقية، أو استدارة حبل مشنقة. ومن خلال زاوية الإيديولوجيا، التي لا تؤمن إلا بأنها وحدها المالكة للحقيقة المطلقة، وأنها وحدها القابضة على مشعل «الوطنية». لا فرق إذا كان هذا الاستئصال يتم من خلال الشرطة السياسية ومشانق الساحات العامة عام 1949، أو من خلال الرفاق الشيوعيين والديماغوجيون وحبالهم (ماكو مؤامرة تصير والحبال موجودة)، أو الرفاق البعثيين اللاحقين من «الحرس القومي» من خلال عمليات القتل في معتقلات رسمية، أو الرفاق الثوريين من رجال الجهاز الخاص، أو الأجهزة الأمنية المختلفة لاحقا، أو من خلال المجاهدين وميليشياتهم بعد 2003. ولا فرق إذا ما تم ذلك بتواطؤ، معلن أو غير معلن، مع الدولة/السلطة التي يفترض أنها المحتكر الوحيد للعنف، أو تم من خلال قوانين وأنظمة وأوامر «شرعية» تقررها الدولة/السلطة، فلا فرق أيضا بين تجريم الانتماء إلى الحزب الشيوعي أو إلى الحزب الإسلامي أو إلى حزب الدعوة، وبين ما يسمى اليوم بقانون الاجتثاث، أو المساءلة والعدالة، وأخيرا حظر البعث، أو من خلال القضاء، فلا فرق بين حقيقي بين محكمة الشعب بعد 1958، وبين محكمة الثورة بعد عام 1968، أو المحكمة الجنائية الخاصة بعد 2003. أو حتى من خلال مواد الدستور نفسه.
لقد تعامل الجميع؛ ملكيين وجمهوريين، دكتاتوريين وديمقراطيين مفترضين، مع القانون بوصفه أداة ووسيلة لغايات سياسية مباشرة، فهو ليس أكثر من سطر يكتبه القابضون على السلطة، ويمسحونه متى يشاؤون، صحيح أن هذه الصيغة كانت تعريف صدام حسين للقانون، ولكنه كان يعبر تعبيرا صادقا عن وعي جماعي للنخب السياسية العراقية بطبيعة العلاقة بين السلطة والقانون. ولم ينظر مطلقا إلى القانون بوصفه قاعدة عامة مجردة، الغاية منه تنظيم وضع المجتمع والدولة معا، وآلية مرتبطة بنظام القيم التي تعطي لحياة الإنسان معناها. وأنه يجب أن يكون رديفا للعدل، ودعامة أساسية للديمقراطية.
قبل أيام أصدر البرلمان العراقي قانونا بعنوان: «حظر البعث»، تضمن تكريسا لتراث الاستئصال العراقي! ومثل صيغة أكثر انتقامية من قانوني الاجتثاث والمساءلة والعدالة. والغريب هنا أن هذا القانون جاء مخالفا لما تضمنته مخالفا للدستور العراقي، ومتنازعا مع قوانين نافذة، ومخالفا لوثيقة الاتفاق السياسي التي تشكلت بموجبها الحكومة العراقية الحالية التي تضمنت حديثا عن إلغاء قانون المساءلة والعدالة وتحويله إلى ملف قضائي بحت!
طوال السنوات الخمس اللاحقة للاحتلال لم يعد حزب البعث العربي الاشتراكي يحضر في الخطاب السياسي في العراق إلا من خلال الأمر رقم واحد الذي أصدره بريمر في 16/5/2003، والذي حمل بالنسخة الرسمية باللغة العربية عنوان «تطهير المجتمع من حزب البعث». وكانت هناك محاولات واعية، أو غير واعية لعدم الإشارة إلى «البعث» بشكل مباشر عند الحديث عن الدور المحتمل لأعضائه في عمليات العنف، واستبدال ذلك بمصطلحات مثل أيتام النظام أو الصداميين وغيرها في محاولة لتأكيد انتهاء «البعث» رمزيا. بل إن الدستور نفسه تحدث عن حظر «البعث الصدامي» وليس حزب البعث. ولم يحضر باسمه الصريح إلا في الدعاية الانتخابية لعام 2005 كأداة للتسقيط السياسي. ولكن الوضع بدأ يتغير مع نهاية عام 2008 عندما أصبح تسويق «فوبيا» البعث جزءا من الخطاب السياسي. وكانت لحظة الذروة في هذا التصعيد تفجيرات وزارة الخارجية في 19/8/2009؛ حين تم ولأول مرة اتهام «البعث» بأنه وراء هذه العملية النوعية. بل وصل الأمر إلى تجاهل اعتراف «دولة العراق الإسلامية» بالعملية. هكذا تم اختراع «العدو» القديم/الجديد، وصرنا أمام عمليات منهجية لاستبدال العدو المعلن بعدو آخر. من خلال استخدام فوبيا البعث الشعبوية لأغراض نفعية مباشرة. فلم يعد «البعث» مجرد «عدو» مسلح قادر على تنفيذ عمليات نوعية ضد رموز سيادية، وإنما صار عدوا قادرا على تغيير المعادلة السياسية في العراق «الجديد». وصولا إلى محاولة المماهاة بين الدولة الإسلامية نفسها، وحزب البعث في الخطاب الرسمي والإعلامي العراقي.
لقد نصت المادة 7/ أولا من الدستور العرقي على أنه «يحظر كل كيانٍ او نهجٍ يتبنى العنصرية او الإرهاب او التكفير أو التطهير الطائفي، او يحرض أو يمهد أو يمجد او يروج أو يبرر له، وبخاصة البعث الصدامي في العراق ورموزه، وتحت أي مسمىً كان، ولا يجوز ان يكون ذلك ضمن التعددية السياسية في العراق، وينظم ذلك بقانون». وكما هو واضح فإن عبارة «وينظم ذلك بقانون» إنما تعود على الكيان والنهج وليس على حزب البعث، ومن ثم كان يجب البدء بالعام ثم الانتقال إلى الخاص، أي الكيانات عموما ثم «حزب البعث الصدامي» على سبيل التخصيص لا غير؟ ولكن القانون الصادر عكس إرادة واضحة في حرف المادة الدستورية بعيدا عما أراده المشرع. هذا فضلا عن انه ينتهك صراحة الدستور الذي يتحدث عن حقوق العراقيين وحرياتهم. ومن الواضح أن الرغبة في الانتقام قد انعكست على ذهنية واضع المشروع. فمن حيث المبدأ لا يجوز للقانون الذي يصدر لتنظيم ممارسة واحدة من الحريات الدستورية أن يصادر هذه الحريات أو أن يفرغها من مضمونها بحجة تنظيمها. فالدستور نص في بابه الثاني الخاص بالحقوق والحريات على أن «لكل فرد حرية الفكر والضمير والعقيدة» (المادة 42). ومن الواضح أن القانون يطيح بالكامل بهذ الحرية من خلال تجريمه للفكر والرأي المجردين. أي التي يؤمن بها، أو يقول بها أفراد من دون وجود علاقة مباشرة بينهم وبين الكيانات المحظورة. لكن الخطير هنا أن المواد العقابية في هذا القانون التي تتعارض مع المادة 135/ خامساً من الدستور التي نصت على أن «مجرد العضوية في حزب البعث المنحل لا تعد اساساً كافياً للإحالة إلى المحاكم، ويتمتع العضو بالمساواة امام القانون والحماية، ما لم يكن مشمولاً بأحكام اجتثاث البعث، والتعليمات الصادرة بموجبه». ولا يمكن الدفع بأن المادة إنما قصدت العضوية قبل العام 2003، فالنص ورد مطلقا والمطلق يأخذ على إطلاقه. فالقانون ينص على عقوبات تبدأ من الحبس لمدة لا تزيد عن خمس سنوات، وتنتهي إلى المؤبد، وبينهما عقوبات بالسجن عشر سنوات، وخمس عشرة سنة. وهي عقوبات لا تتناسب مطلقا مع الجرائم المفترضة، والمثال الوحيد الذي يضاهي هذه العقوبات هي عقوبة الاعدام للمنتمين إلى حزب الدعوة الذي أصدره مجلس قيادة الثورة في العام 1979. وربما لن نجد هكذا عقوبات حتى في قوانين البلدان الديكتاتورية، إلا إذا اقترن الامر بفعل عنفي.
ولم ينتبه المشرعون إلى التنازع بين هذا القانون وقانون قانون العقوبات العراقي الذي يميز بين الجرائم من حيث طبيعتها إلى عادية وسياسية (المادة 20). ويؤكد على أن العقوبة المحكوم بها في جريمة سياسية سابقة لا تستتبع الحرمان من الحقوق والمزايا المدنية (المادة 22/ 2). فقانون قانون حظر البعث نص على أن الحظر المفروض على حزب البعث وأفراده بموجب هذا القانون يشمل «المشاركة في الانتخابات العامة أو المحلية أو الاستفتاءات»! فالقانون هنا يسلب من المنتمين إلى حزب البعث حقوقهم المدنية. هذا فضلا عن ان هذه المادة «الغامضة» تثير إشكالا حقيقيا؛ فهل تعني منع جميع الأفراد الذين ينتمون إلى حزب البعث قبل 2003 من حقوقهم المدنية والسياسية التي كفلها الدستور؟ وإذا كان الامر كذلك كيف يمكن حصر هؤلاء؟ ومن يمتلك صلاحية تحديد هؤلاء؟ أم أن المقصود هنا من ينتمي إلى البعث بعد نفاذ هذا القانون، وهنا تبدو المادة عبثية تماما، لأن المنتمي إلى الحزب المحظور سيكون عند اكتشافه قد أرسل إلى السجن لمدة عشر أو خمس عشرة سنة أو ربما المؤبد وهذا يعني أنه سيحرم من هذه الحقوق أصلا!
أخيرا يكشف التحليل عن تعمد أن ترد عبارات القانون فضفاضة المعنى بطريقة يستحيل معها على أية جهة قانونية ان تحدد ما يندرج تحتها، ومن ثم سيكون التأويل، والتأويل المفرط أحيانا، ولأغراض سياسية مباشرة، هو الحاسم في تطبيق أحكام هذا القانون، ومن خلال ذلك ستتمكن الحكومة واجهزتها من مواجهة خصومها السياسيين وغير السياسيين من استخدام هذا التأويل في الادعاء بان ما يصدر عن أحزاب أو كتل سياسية او افراد مخالف لأحكام هذا القانون وسوقهم إلى المحاكم، بل وتوقيع العقوبة عليهم. إن عدم التحديد الجامع المانع للمفردات والمصطلحات الواردة في القانون تجعل القانون، أداة عقابية تمكن السلطة من أن تطيح بالحياة الحزبية والممارسة السياسية، بل والفكرية بالكامل وتجردها من مضمونها الذي أقره الدستور.
٭ كاتب عراقي
يحيى الكبيسي