يبدو أن مباركاً حين تفوه بمقولته التي ذاعت بعد ذلك ’خليهم يتسلوا‘ كان يطلق نبوءةً … بالطبع دون أن يدرك ذلك، فالرجل لم يكن بالمفكر أو المنظر ولا حتى بالسياسي… لكن لا شك في كون مضمون ’التسلية‘ اختلف نوعياً، فعوضاً عن البرلمان الشعبي الموازي الذي استفز من مبارك ذلك الرد، صارت النزاعات والمعارك التي نجر إليها أكثر مرارةً ودمويةً… والحقيقة أن ليس من عجبٍ في ذلك، فبعد أربع سنوات من حراكٍ ثوري شهد تشنجاتٍ عديدة تبقى محصلة الانجازات هزيلة في كل ما يتعلق بالانحياز الاجتماعي والاقتصادي والمشاركة السياسية إن لم تكن منعدمة… رحل ضابط جثم على أنفاس البلد وأنفاسنا طيلة ثلاثة عقود وجاء ضابط لا يعلم إلا الله كم يتصور أنه باقٍ، وربما لم يطرح هو على نفسه هذا السؤال ولعله في قرارة نفسه يحسب نفسه مستمراً إلى ما لا نهاية… الشاهد أن النظام والمتحلقين حوله من المنتفعين لم يفهموا الدرس، وصدقوا كذبتهم… ما من أسبوعٍ يمر دون معركة يكثر حولها اللغط تتراوح بين جرائم بشعة كاغتيال شيماء الصباغ وأخرى عبثية ومبتذلة كمعركة محمد سلطان الأخيرة. الأكيد أن شهوة الانتقام قد تملكت منهم فاطلقوا العنان لحملةٍ مسعورةٍ من ملاحقة وإقصاء المعارضين والناقدين معمقين بذلك حالة الاستقطاب والشرخ الاجتماعي الذي بات يصعب على أي رأبٍ في ظل انسداد الأفق السياسي وغيبة العملية الديمقراطية…من ضمن الدروس التي لم يفطن لها النظام أن منظومة الأفكار والمفاهيم والمعطيات والقناعات السائدة، تلك التي تم تعميمها طيلة الثلاثة عقود السابقة أو يزيد والتي كرست لسلطة النظام منيت بهزة شديدة في سني الحراك الثوري…لن أقول أنها سقطت ولكنها باتت محل شكوك ومساءلة، وبالتالي فإن عودة الأمور لما كانت عليه شبه مستحيلة.
من ذلك تلك المعركة التي اشتعلت بين الفريقين العريضين الآن في مصر، أنصار السيسي ومعارضيه، حول الشاب محمد سلطان الذي تنازل عن الجنسية المصرية ليحظى بالحرية بعد أن استغاث واستجار بأوباما في فيديو مسرب…من ناحية هناك من يتفهمون موقفه ويتعاطفون معه ويدافعون عنه ومن ناحية أخرى، يقف أنصار السيسي لاعنين إياه على خيانته وتفريطه في جنسيته المصرية و’فراره في المعركة‘، شامتين يقطرون كراهيةً وحقداً، ومعرجين على الإخوان وكل من يرون أو يتصورون أنه شارك أو أسهم في 25 يناير مطالبين بالانتقام… والقتل، وإن كانوا لا يصرحون بذلك فهم يتمنونه …الحقيقة أنني أعتقد أن هذه القضية أبسط من ذلك بكثير وقد تم المبالغة فيها بشكلٍ منفر…ببساطة هذا شابٌ غر، إبنٌ لأحد قيادات الإخوان، عاش في أمريكا أهم سنين حياته، سنوات التكوين ، يحمل جنسيتها وتخرج من جامعاتها…عاد إلى مصر بعد الثورة وتم القبض عليه بعد الإطاحة بالإخوان فوجد نفسه في السجن (مع العلم بأن كثيرين ممن يعرفونه يؤكدون عدم انتمائه للجماعة تنظيمياً)…فوجىء بنفسه في سجنٍ مصري بكل ما تحمله الكلمة من معاني القبح والإهانة واللا آدمية محكوماً عليه بعقوبةٍ ثقيلة في أجواءٍ بليدةٍ لا معقولة تستدعي «محاكمة» كافكا… أعداء السيسي ربما زايدوا به وعمدوه مناضلاً، وأنصاره ألصقوا به كل ما يعدونها تهم وجرائم الإخوان … ولما كان يحمل جنسية أمريكا، قال ’حقي برقبتي‘ كما نقول في مصر وتعلق بحبل الجنسية الأمريكية ونجا بجلده من مضيفة السجون المصرية…ما هو المدهش والغير طبيعي في ذلك؟ أليس هناك ما يمكن تفهمه؟ الشاب ليس بطلاً، وربما لم يدع ذلك…غاية ما هنالك أنه وقع بين شقي رحى وجمهرتين متناطحتين في زمنٍ مجنون…ألا يمكن تفهم أنه أشفق من أن يضيع عمره في تصفية حسابات سياسية لم يكن طرفاً رئيسياً فيها؟ ألا يمكن أن يكون ذلك ضعفاً إنسانياً استبد به تحت وطأة المعاملة المنحطة؟ يجوز أن الصواب قد جانبه حين نشر صوره مبتهجاً بالبيتزا بعد إطلاق سراحه ولم يتحل بالكياسة، خاصةً أن كثيراً ممن زاملهم في السجن ما زالوا يقبعون بداخله يعانون… بالتأكيد كان يتعين عليه مراعاتهم والالتفات لدقة موقفه وحساسياته… لكنني أعود لأقول، هو ليس بطلاً وربما ليس مناضلاً… هو مجرد شاب ٌ غر ضاع وجُر بين أقدام المتدافعين…
إلى هنا والضجة غير مبررة، ناهيك عن التطرق لنفاق مجتمعاتٍ يبذل ميسورو الحال فيها ثرواتٍ ليحصلوا على جنسيةٍ بلدٍ غربي، لكن أسئلةً عديدة لم تزل تحتاج إلى أجوبة، بين فوضى من التساؤلات السابقة التي لم يجب عليها أحد حتى الآن في بلد العجائب…تلك هي ما يستحق التوقف: ما هي تهمة هذا الشاب أصلاً وآلاف غيره؟ أكاد اصرخ بها…هل مجرد الانتماء للإخوان أو التعاطف معهم يجلب على المرء السجن المؤبد؟ سيرد البعض بسرد بضع تهم وجرائم، لكن في بلدٍ يحكم فيه بالإعدام على مناضلين استشهدوا بالفعل في مواجهاتٍ مع إسرائيل وآخر يقضي عقوبة في سجونها منذ ما يقارب العشرين عاماً، من أبسط ما يمكن تلفيق الجرائم والتهم للمعارضين ودس الأدلة عليهم في بلدٍ كهذا تحيط الشكوك بكل عملية البحث الجنائي والتقاضي المسيس… خاصةً أنه قضى زهاء العام دون محاكمة ومن ثم حكم عليه بتهمة ترويج أو نقل أخبار خاطئة أو مضللة…أي نوعٍ من التهم ذاك؟!…ناهيك عن الأسئلة الوجودية الأخطر: ما معنى وطن؟ هل هو مجرد أرض وسماء وشهادة ميلاد وجنسية أو جواز سفر تحكم على من حملها بالصدفة باللعنة والإهانة الأبديتين؟ أم هو الانتماء لكيان تاريخي وناس وثقافة ومنظومة قيمية وذكريات؟ فماذا إذا المرء قد قضى قسطاً وافراً من حياته بعيدا عن هذا «الوطن» المزعوم وكانت هذه الورقة تبيح لمجموعة من الزبانية وقاطعي الطريق ينتمون لمنظومة أمن قروسطية ( هذا مع المجاملة بالطبع) حبسه وإذلاله دون جريمة واضحة… أليس من الممكن في ظروف الإقامة الفندقية في السجون المصرية أن يتنازل عن هذه الأوراق لينقذ نفسه، أم تراه سيختار البقاء ليتعفن ببطء ريثما يتصالح النظام مع الإخوان؟ ثم أي وطنٍ هذا الذي سيختاره حيث أنصار السيسي يكشرون عن أنيابهم في وجهه يودون تمزيقه ويطالبون بدمه كأنه هو الذي تسبب في خراب الأربعين عاماً الماضية…كأنه هو الذي باع مصر بالجملة وأسهم في احتلال العراق وفرط في القضية الفلسطينية وزد ما شئت؟ أين كان هؤلاء الغيورون الأشاوس حين أفرج مبارك في تاريخٍ ليس بالبعيد عن الجاسوس عزام عزام الذي استُقبل في إسرئيل من قبل شارون استقبال الفاتحين وعبر، في غمرة سعادته، عن ثقته التي لم تهتز في أن إسرئيل بلدٌ لا ينسى أبناءه…هل أضر محمد سلطان بمصر وأمنها القومي أكثر من عزام عزام؟ سيرد المتحذلقون العالمون ببواطن كل الأمور بأن ذلك كان وفق صفقة محكمة ومحنكة… يجوز، ففي بلداننا لا توجد وثائق ولا حقائق، لكن الأكيد أن نفس الناس لم يثيروا ضجةً كتلك التي نحن بصددها.
وأي نظامٍ هذا الذي يطلق سراح مزدوجي الجنسية ويستبقي في سجونه مواطنيه الغلابة البائسين ليتلذذ بإذلالاهم وفق قوانين يحيكها ’ترزي القوانين‘ وفق المزاج ؟! العيب على من باع لا على من اشترى..هذا نظامٌ له شعبيته بغض النظر عما قد يكون من التحفظات يعتقل معارضيه ثم يوجد لهم تهماً وأمريكا، في هذا الموقف تحديداً، مدت يدها بعد تلكؤ لأحد من يحملون جنسيتها… وغير ذلك أمثلة كثيرة ممن يقف أصلهم الاجتماعي حائلاً دون تعيينهم في وظائف بعينها ومن يهاجرون من أصحاب المؤهلات العليا وما أكثرهم لأن ’هذا الوطن‘ لا يقدرهم ولا يستفيد بهم، والأمثلة أكثر من أن تحصى…من الذي باع؟ وما معنى وطن؟
استجابةً لشهوة دمٍ لا يملكون لها كبحاً ولا يتوفر لهم من الدراية وبعد النظر ما يلفت انتباههم لعواقب التمادي فيها، يهدر النظام وأنصاره كثيراً من المعاني الإنسانية والثـــوابت المهتزة أصلاً التي كانت تجعل لكلماتٍ ك’وطن‘ و’انتماء‘ أي معنى…يعصفون بالعدالة ومحاولة التصالح المجتمعي دافعين بالمجتمع إلى المزيد من التفرق والعنف.
لا أملك سوى أن أقول: لينظــــر كل من شـــاء في ضميره ومن كان لا يتمنى جنســـــية بلدٍ غـــربي ولم يكن ليتخلى عن جنسيته الأصلية في مثل ظرف محمد سلطان فليرمه بما شاء من الحجارة…
هنيئاً له بحريته، ولا نملك سوى التذكير بأن الآلاف ممن لا يحملون جنسياتٍ أخرى مازالوا في السجون…إسلاميون ويساريون.. في الآونة الأخيرة حُكم بالسجن على الناشطة الحقوقية ماهينور المصري ’ست البنات‘ كما يسميها عمال الإسكندرية ورفاقها بتهمة الاعتداء على قسم شرطة… وشبان يختفون ثم تظهر جثثهم…أنا لا أزعم أنني أملك إجاباتٍ على كل الأسئلة لكنني على يقين بأن كل المفاهيم يهزها ويحطمها الظلم والقمع وأن معاني المواطنة والانتماء والأمل يتم بناؤها في بلدٍ للإنسان مكانٌ فيه.
٭ كاتب مصري
د. يحيى مصطفى