القاهرة ـ «القدس العربي»: فيما يمكن اعتباره تقييما عاما لفعاليات معرض الكتاب الدولي للكتاب في نهاية دورته السادسة والأربعين، أثيرت بعض الأسئلة حول ما سمي بتسييس الدورة التي انعقدت في ظروف استثنائية، وكان من ملامح هذا الاتهام الذي نفاه أحمد مجاهد رئيس الهيئة العامة للكتاب ورئيس المعرض جملة وتفصيلا، أن الشعار الأساسي هذا العام كان ضد الإرهاب، وهو ما اعتبرته بعض القوى السياسية المناوئة تلميحا إلى دور الدولة في مواجهة التيارات الدينية المعارضة، ومحاولتها استغلال الحدث الثقافي الكبير، ورأى البعض أيضا أن منع إصدارات معينة من المشاركة هو مصادرة لحق الكتاب في التعبير عن آرائهم وتداول أفكارهم.
وهذه الجزئية على وجه التحديد هي ما يمكن اتخاذها ذريعة ضد المعرض والقائمين على تنظيمه للتقليل من التأثير الإيجابي للفعاليات الثقافية، والزعم بفشل الدورة التي رفعت شعار التنوير وخصت بالتكريم رمزا من رموزه هو الإمام محمد عبده للفصل والتفرقة بين إعمال العقل على أساس منهجي قويم يهدف إلى الرشد والصواب والوصول إلى عمق المعنى، وذلك التعصب الأعمى الذي يقود إلى أنفاق مظلمة لا تمت للثقافة ولا الفكر بشيء، وربما لإدراك من يقفون على الجانب الآخر أن اختيار شخصية محمد عبده على وجه التحديد كانت لبطلان الخطاب الديني المتشدد، الرامي إلى هدم الفكرة التنويرية، جاء الرفض أو التحفظ على تكريم الإمام لإضعاف السند المنطقي للخصوم السياسيين أو الفكريين على حد التصنيف السائد.
ويأتي تعزيز فكرة تسييس المعرض عند الرافضين لفعالياته كون المملكة العربية السعودية هي ضيف الشرف هذا العام في ربط مباشر بين موقفها السياسي وتأييدها لثورة 30 يونيو/حزيران واختيارها لتبوؤ هذه المكانة الثقافية الرفيعة الحلقات المتصلة المنفصلة على هذا النحو ما بين السياسي والثقافي والتنويري أدت لشيوع الاتهام بعدم الحيادية والاعتقاد بقصديه النفي والاقصاء للتيارات الفكرية المختلفة.
هذه الجزئية بصفة خاصة تولي الرد على كل التباساتها أحمد مجاهد في المؤتمر الصحافي الذي عقده قبل نهاية الموسم الثقافي السنوي الكبير، موضحا أنه لم يكن هناك أي نوع من الإملاء السياسي على المعرض من أي جهة سيادية أو رسمية، غير أن توافق الرؤية الثقافية مع مقتضيات المرحلة هو ما فرض وجوب اللغة التنويرية وجعل من اختيار الإمام محمد عبده كشخصية رئيسية للدورة 46 موائما لما هو مستهدف وليس في ذلك غرض آخر سوى إنشاء التنوير كقيمة فكرية وإنسانية ومعرفية مهمة، وعن تناغم ما ورد من الفعاليات الثقافية مع دعوة رئيس الجمهورية لتفعيل الدور الثقافي أكد أحمد مجاهد أن هذا ليس سببا للاتهام بتغليب السياسة على الثقافة لأنه لا يعدو أكثر من تقارب في وجهات النظر.
وللتأكيد على عدم الدمج بين الثقافة والسياسة وتوافر مناخ الحرية داخل المعرض أوضح مجاهد أنه لم يتم توجيه الدعوة لأي من الوزراء، كما هو معهود في كل عام، لعمل ندوة أو إجراء حوار مفتوح كما كان يحدث في الدورات السابقة وأن الوحيدة التي حضرت هي وزيرة العشوائيات، وكان حضورها لسبب لا يتعلق بالثقافة أو الفكر أو المشاركة في الفعاليات المقررة وهو ما ينفي حسب تأكيده ضلوع السياسة في أي عمل ثقافي طوال أيام المعرض.
على جانب آخر كانت هناك انتقادات وجهها بعض المثقفين تتعلق بآلية التنظيم وعبور البوابات وحالة التكدس والزحام الشديد، وأيضا سوء الخدمة بالمركز الصحافي والإعلامي وعدم توافر المعلومة الصحيحة، ولكنها مجرد ملاحظات شكلية لم تتطرق إلى عمق الحالة الثقافية، وما أعتراها من قصور تمثل أحيانا في تأجيل بعض الندوات أو تخلف بعض الضيوف عن الحضور أو ضيق القاعات وتداخل الأصوات وإحداث تشويش حال كثيرا دون الاستماع والاستمتاع، خاصة في الندوات الأكثر حضورا وأهمية، التي أقيمت تحت عنوان «كاتب وكتاب» باعتبارها الفعاليات الرئيسية ذات المضامين المختلفة والشاملة لكافة القضايا الراهنة وغير الراهنة.
لقد بلور المؤتمر الصحافي الختامي لرئيس الهيئة العامة للكتاب والمعرض الكثير من المفاهيم وفسر الأسباب التي وقفت وراء الظواهر السلبية ومواطن الخلل، أو على الأقل قدم قراءة سريعة لما حدث خلال اثني عشر يوما واستوجب عشرات الأسئلة تأخرت إجاباتها أكثر مما ينبغي.
كمال القاضي