قتلة النفوس موغلون في اللاإنسانية

حجم الخط
4

ما أوضحه وأعمقه وأدقه من وصف وتشريح رباني لمداخل النفس الإنسانية في الآية الكريمة «من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا» فالدارج في فهمنا ان الجسد هو الذي يُقتل فيموت الإنسان على إثر ذلك، ولكن التعبير القرآني كان مبحرا في تجاويف الروح والنفس فجعل لها مقتلا كمقتل الجسد وجعل الإقتراب منها بسوء ككبيرة القتل ذلك أن النفس قد تموت أيضا لو اعتُدي عليها و الجسد ما زال حيا، و لكنها حياة والموت سواء، و قد يبلغ المرء السأم وتضيق عليه الدنيا بما رحبت وما به سوى العنت من ظلم العباد!
لم يرد الله لعباده حياة ظاهرية فقط يُرى فيها الإنسان بمظهر القوة بينما هو حطام من الداخل بل كان لحياة النفْس و الباطن أهمية أكبر فهو الوعاء الأساسي الذي ينبع منه الظاهر الحسن، وما لم يكن الظاهر انعكاسا لأصل متين فسيظهر الألم و الضعف و الكسرة في نظرة العين و زلة اللسان و محاولة التجلد والتصبر قصرا.
أراد الله لعباده ان تكون العلاقة بينهم غاية في الرقي تتجاوز عالم المادة والمحرمات المحسومة من دم ومال وعرض فجعل للنفس و القلب والكرامة سياجا لا يجب ان يُمس بسوء بل جعل الإحسان العاطفي والوصال الوجداني من أسباب دخول الجنة وصحبة المصطفى و القرب من مجلسه.
يوم جاءت خولة بنت ثعلبه تشكتي إلى الله ظهار زوجها لها لم يكن زوجها قد قتلها جسديا ولكنه اغتالها معنويا، اغتال تاريخها كزوجة وأم وإمرأة لها مشاعر وكينونة، تنكر لتضحيتها وتجربتها وصبرها فأنصفها الله من فوق سبع سماوات ورد إليها روحها وحقها.
يوم انتقص أبو ذر من بلال فقال له يا ابن السوداء كانت الظلامة غير مادية ولكن الأذى النفسي استحق الإعتذار لأن وجعه وأثره قد يكون أنكى من حد السيف.
كثيرة هي الظلامات النفسية التي نقترفها بحق الآخرين ونغفل عنها بينما تظل تطحن في نفس من تلقاها و تترك أثرا قد يتجاوزه أو لا يتجاوزه الشخص بحسب قوة شخصيته فما بالنا لو زاد الأمر على ذلك بالظلم المادي بالاعتداء و أكل الحقوق والتجبر على ما لا يستطيع رد الأذى او حتى الإنتصار لنفسه فلا يجد سوى بوابة السماء بدعاء الضعيف للقوي سبحانه» اللهم يا أحد من لا أحد له و يا سند من لا سند له ان عبدك استقوى علي فأرني قوتك عليه» و قد جعل الله للمظلوم مكانة و افضلية و نصرا حتى و لو كان كافرا!
وفي المقابل شارك الله عباده الذين يتقربون اليه بتضميد جراح القلوب ورفع الأذى عن الناس و جبر كسورهم و عثراتهم بصفته وقدرته على الإحياء فالمحيي هو الله وحده متفردا بالقدرة ولكنه رفع من قدر عباده الذين يسعون ويجتهدون لأجل الناس فجعل لهم ذات القدرة على إحياء النفوس.
قتلة الأجساد واضحون مجرمون وموغلون في اللاإنسانية ولكن قتلة النفوس أكثر بكثير و لكم تزدحم حياتنا بهم تحت أقنعة البراءة الظاهرية و للآخرين عليهم سجلات حساب ورد روح و كرامة و حق لا تكفي حياة الدنيا لسدادها فمن يجبر قلبا بلغ فيه الإنكسار مداه، أم من يمنع عينا من انهمار دمعها وجعا، أم من يرد كرامة سحقت و سُحق صاحبها و لو بدا مستقيم الظهر للناس، ام من يرد حقا اغتصب وظل اصحابه بعده أذلة يسألون الناس؟
قتلة النفوس قد ينجون من محاكم الدنيا وقوانين البشر القاصرة، ولكنها نجاة مؤقتة، فمن قتله الناس يحييه الله بوعد الإنتصار له في الدنيا قبل الآخرة ولقد استرسل ابن القيم في الفوائد تفصيلا وتطمينا للمظلوم وتحذيرا للظالم فقال « سبحان الله كم بكت في تنعم الظالم عين أرملة واحترقت كبد يتيم وجرت دمعة مسكين (كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ) (ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ) لا تحتقر دعاء المظلوم فشرر قلبه محمول بعجيج صوته إلى سقف بيتك، ويحك نبال أدعيته مصيبة وإن تأخر الوقت، قوسه قلبه المقروح، ووتره سواد الليل، وأستاذه صاحب (لأنصرنك ولو بعد حين) وقد رأيتَ ولكن لستَ تعتبر احذر عداوة مَن ينام وطرفه باك يقلب وجهه في السماء يرمي سهاما ما لها غرض سوى الأحشاء منك».

د.ديمة طارق طهبوب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية