■ رن المحمولُ في أحد جيوب البِزًّة لكن ثوبَها الغليظ عَمَّى عليه مكانَه. طفق متوترا يتلمس جسدَه، حتى أخرجَه من جيب السروال الجانبي. كان اسمُ أمه يلمعُ على الشاشة المضيئة. مُتبرِّمًا ألغى المكالمة وأغلق الجهاز كأنه كره النداء ومَن تناديه. اللحظة لا تحتمل حروفَ العطف.
خَمَّنَ أنها ستسألُه سؤالَها اليومي عن أحواله عند حاجز تفتيشٍ يرابط فيه منذ بداية الشهر الفضيل. ومَن يدري فقد يكون خبرا عنها وليس منها. على أيٍّ سيخبرها في مكالمة لاحقة. المفروض أن يكونَ هاتفُه الآن مغلقا قُبيْل بداية حظر التجول وبُعيْدَه. يحتاج لشُحنة استنفار لا تبدِّدُها عاطفةُ في وقت مفصلي، في مدينة منتفضة بلا هوادة منذ شهور. لقد سرى هوى الحظر في دمه وفي لحمه. وفي فمه. صار حديثَهُ العاصفَ مع غيره؛ ومع نفسه حين يبدو صامتا.
استند إلى متراس حديدي. التفت يمينا وشمالا كبوم يستفزه دنوُّ الليل ويترصَّدُ أدنى خشخشة. مدَّ بصرَه على طول شارعِ المقاومة، حيث حاجزُ التفتيش يقع في منعطف تفضي إليه دروبٌ كانت مرارا منطلقَ الاحتجاجات. تجفيف الحواشي ضمانة هدوءٍ لمركز المدينة. عاد يلتفت يمينا وشمالا كعقرب الثواني في ساعة بطيئة، ما زالت تشير إلى السابعة والنصف مساءً. لكنَّ العدَّ العكسيَّ العامَّ بدأ ومعه عدٌّ عكسي خاصٌّ به وانتظارٌ مضروب في انتظار. بقايا النهار مثلُ عشيقة في لقاء أخير سيستجمع طاقة ضجره كلَّها كي يطردها من حياته طردا يوميا، لأنه كلَّ يوم يرتكس. كلَّ يوم في تلك الساعة يَجْهَدُ كي يبدأ حظرَ التجول خالي القلب، متأهبا لإطلاق الرصاص الحي المميت دون تردد. كما تنص التعليمات. الشفوية.
باقي رفاق السَّرِيَّة كانوا منشغلين بترتيبات الإفطار. لا بد أنَّ لديهم هامشا للتسامح لم يكن هو يعترف به. كان يصرح بذلك وهم يظنونه فائضَ حماس لا يجاوز تُرْقُوَتَه. يظنون الإنسانية تنتصر على الوظيفة وعلى التعليمات، وعلى أحلك الظروف والنفوس.
تلمَّسَ قبضة بندقيته وفوهتها. ما زالت عاطلة. أين المتظاهرون الخوارج الفتانون؟ أين المشاغبون الضالون؟ أين الطرائد البشرية؟ لكنَّ الزمن هو الزمن لا يفعل فيه قرار بشري، وليس شريطَ رسومٍ متحركة. والثامنة هي الثامنة. كانت تمر دون حدث فتخلو الشوارع عن آخرها. تبا. هذا الحظر بدون موضوع. بدون جدوى. بدون طعم. كان كطفل أهدِيَت له مَطرِيَّة فصار يسب الجوَّ الصحو ويستعجل المطر ليستعملها.
عند السابعة وخمس وأربعين دقيقة دَوت طلقة المدفع من بعيد وارتفعَ الأذان. ناداه زملاؤه. الآن فِطرٌ وبعدَه أمْر. بينما هو قد لفت انتباهَه على مسافةٍ متوسطة، شخصٌ يهرول عابرا إلى زقاق مُتعامد. تفرَّسَ فيه مَليًّا كأنما يُكبِّره بعدسة بصره ويجتذبه، حتى اقترب بقدرٍ بدَت فيه ملامحه جلية، حينها أمسك البندقية وشحنَها وصوب وضغط على الزناد. سُمِعت طلقة نافلة بعد طلقة المدفع. يا للمهارة. هكذا يجب أن ينطقَ الحظرُ ويقولَ رصاصتَه.
انفضَّت السَّرِيَّة عن السُّفرة وجمدت اللقيمات في الأفواه. يا له من مجنون فرَقَ صيامَه بدم. كان غضبُ الجميع يتطاير ممزوجا بالرعب. هرع معظمُهم إلى الجثة الملقاة على قارعة الطريق يحاولون شيئا، بينما وثب أحدُهم عليه فأسقطهُ أرضا ونزع سلاحه صارخا في وجهه كالموتور. يا عباد الله، ألا تفهم؟ الرمي بالرصاص للردع، ستحترق المنطقة، ستشتعل تحت أقدام الجميع.. يا مجنون! يا غبي!
لكنه بعد لحظة استوى جالسا صامتا وقد سال الدمُ من شجَّة فوق حاجبه. تناول من جيبه لفافة يدوية وأخذ يدخن كالغريب. حضرت سيارة إسعاف تليها سيارة الشرطة العسكرية. حملوا الجثة وساقوا القاتل مُوثقا. وواثقا كذلك. كانت ملامحُه خالية خاوية كمجند إنكليزي اعترض مسيرةَ مِلحٍ سلمية، في قرنٍ ماضٍ، وأطلق الرصاصَ على هنود لا قرابة تشفع لهم ولا نسب ولا أمان..
انفتح بابُ الزنزانة الحديديُّ البارد. دخل المحقق العسكري للمرة الثالثة أو الرابعة. جلس أمام المجند المحنط في صمته. تأمل الضمادة فوق حاجبه. ثم أعاد عليه سؤالا طرحه مرارا عسى ترشحُ جزئية جديدة:
– لماذا قتلت المواطن وقد بقيت ربع ساعة على سريان الحظر؟
التفت المجند وحط بصرَه على كتف المحقق ينظر إلى شارة الرتبة العسكرية العالية لا يفارقها وقال:
– كما قلت سابقا سيدي.. ذاك الشخص الذي مر أمام الحاجز أعرفه جيدا.. إنه يسكن حيا بعيدا.. ربعُ ساعة لم تكن تكفيه للوصول مهما أسرع.. الثامنة ستجده خارج البيت في حالة خرق صريح للقانون.. إن لم ننفذ فيه التعليمات هنا (كأنه ما زال عند الحاجز) في شارع المقاومة فسينفذها حاجز شارع التحرير أو حاجز شارع الاستقلال (ثم بنبرة حازمة) أنا من رَصده أولا.. أنا أولى بتنفيذ التعليمات.
طأطأ المُحقق العسكري ذاهلا تطوف بذهنه بعض تفاصيلِ رواية «الغريب». في الطريق كان قد تذكَّرَ أستاذ الأكاديمية العسكرية أيام الدراسة والتدريب، وإلحاحَه على قراءتها. منطق المجند سليم وسقيم في آن و»الغريب» في حالة كُمُون وليس حكرا على قومٍ دون قوم. كيف اكتشافُه باكراً؟
نظر المحقق في الساعة. دقائقُ وتحلُّ الثامنة. اقشعر حين مدَّ المجندُ يدَه يتناول شيئا. كأنه سيجهز البندقية من جديد. سِعرُ الروحِ عنده طلقةٌ واحدة قتلت عابرا مِن يا أيها الناس. كأنها قتلت كلَّ الناس..
٭ قاص من المغرب
رضا نازه