ركزّت الاستراتيجيات القتالية لقوات النظام السوري والقوات الحليفة على تقليل الجبهات القتالية إلى حدها الأدنى نتيجة النقص الحاد في أعداد المجندين في صفوفه واتساع رقعة القتال وتعدد الجبهات وتباعدها. ويعتمد النظام في الإبقاء على مجموعات مسلحة شبه عسكرية، قوات الدفاع الوطني والميليشيات الشيعية، في مناطق متدنية الأهمية لاستراتيجيات قيادات النظام والمستشارين الروس والإيرانيين على صعيد الجغرافية الحيوية أو الأهمية العسكرية.
واستفاد النظام كثيراً من اتفاقيات الهدنة والمصالحات المناطقية في ريف دمشق لتفريغها من المسلحين تحت مسمى «تسوية أوضاع المسلحين» والتي بموجبها يتم سحب أسلحتهم وتهجيرهم إلى محافظات أخرى لتخفيف المخاطر والحد من التهديدات التي يُمكن أن تتعرض لها العاصمة دمشق، مركز الحكم. كما أنّ هذه التسويات تعني انتهاء العمليات القتالية والتي تُتيح الفرصة للنظام لترشيد استخدام العنصر البشري والمناورة بقواته في الجبهات الأخرى.
في مقابل ذلك، يمكن لفصائل المعارضة المسلحة العمل على أكثر من جبهةٍ قتاليةٍ في وقتٍ واحد لإرباك قوات النظام الذي يتعذر عليه القتال على جبهات متعددة بكفاءة مقاربة لقتاله في جبهة واحدة أو جبهتين إثنتين.
وأشارت تقارير إلى انتقال فوج المغاوير وعدد من وحدات الفيلق الخامس من محور تدمر، وانتقال قوات النمر من ريف حلب الشرقي إلى جبهة ريف حماة التي فتحتها المعارضة المسلحة بعد يومين من معركة دمشق وسيطرت على بلدة وعدة قرى وعشرات النقاط والحواجز، كما اضطرات قوات النظام إلى سحب لواء الجولان من محور معارك تدمر إلى محور معارك حي جوبر في دمشق.
هناك ثمّة جبهات متعددة يمكن للمعارضة المسلحة فتحها في توقيت واحد أثبتت الأحداث الأخيرة إمكانية ذلك خلافا لما كان شائعا بافتقار المعارضة المسلحة للقدرات العددية والتسليحية لفتح أكثر من جبهة.
وتتوزع قوات المعارضة على جغرافيات واسعة تشمل معظم خطوط التماس مع قوات النظام في مناطق سيطرته، فيما يتركز معظم الجهد القتالي لقوات النظام على جبهات ريفي درعا الشرقي والغربي والغوطة الشرقية في حرستا وحزرما، وعلى جبهات الساحل والقلمونين الشرقي والغربي، إضافة إلى جبهة بلدة تادف شرق مدينة الباب شمال حلب.
تُشير وقائع السنوات الأخيرة من الصراع السوري المسلح إلى عجز واضح لدى قوات النظام في القتال على أكثر من جبهة قتالية واسعة في الوقت نفسه، لكنّ التدخل العسكري الروسي في صيف 2015 أعطى لقوات النظام فرصة لتجديد حيوية قواته التي كانت على وشك الانهيار، وفقاً لتصريحات أدلى بها الرئيس السوري بشار الأسد في تموز/يوليو2015 قال فيها «أن الجيش السوري قد تعبْ». كما شهدت الساحة السورية نشاطات لمجموعات شيعية مسلحة وفدت إليها من العراق ولبنان وأفغانستان، ومن إيران أيضاً بصفة مستشارين في الحرس الثوري.
ومُنذ التدخل العسكري الروسي اعتمد النظام استراتيجية إعادة إخضاع المناطق حول العاصمة إلى سيطرته، وقد حقق نجاحات متواصلة بدءا من بلدات سحم ويلدا وغيرهما جنوب العاصمة وداريا والمعضمية ووادي بردى في الغوطة الغربية مروراً بالهامة وقدسيا ومنطقة التل وصولا إلى الغوطة الشرقية التي ظلت تنفرد باشتباكات متواصلة ضمن حدود الدفاع عن المناطق وسكانها، وقد زادت مساحات سيطرة قوات النظام في مناطق ريف دمشق ولم تخسر أي مساحة معتبرة طيلة نحو عامين.
هشاشة دفاعات النظام
في المعايير العسكرية، أفصحت المعارك في شرق العاصمة عن هشاشة دفاعات وتحصينات النظام التي انهارت بشكل غير متوقع خلال الساعات الأولى للعملية العسكرية قبل أن تستعيد هذه القوات توازنها ثانية بجلب تعزيزات إضافية وتدخل الطيران الحربي، لكنّ معركة دمشق قد لا تعني الكثير في استراتيجيات النظام لتأمين محيط العاصمة وتحصينها وإبعاد المعارضة المسلحة عنه وإجراء تغييرات في التركيبة السكانية، باستثناء إعادة النظر في أولويات المناطق التي يستعيد النظام سيطرته عليها وفقاً لحسابات خاصة تتعلق بحجم القوات المدافعة عنها، واستعداد الفصائل والشخصيات الفاعلة للمصالحة مع النظام الذي يستخدم القوة المفرطة في إرغامهم على القبول بالهدن والمصالحات.
نهاية شباط/فبراير سيطرت وحدات من الجيش السوري على الأجزاء الشمالية والشمالية الغربية من مزارع حي القابون، شمال شرقي العاصمة، مع غارات مكثفة استهدفت الأحياء السكنية في الحي المتاخم لحي برزة الذي يخضع هو الآخر لسيطرة المعارضة المسلحة التي رفضت مهلة زمنية حددها الجيش لتسوية أوضاع المسلحين، كما حدث قبل أسابيع في منطقة التل القريبة من حي برزة والتي وافقت الفصائل على إخراج المسلحين والقبول بالمصالحة مع النظام.
واستهدفت قوات النظام من خلال هجومها على مزارع حي القابون السيطرة على كامل حيي القابون وبرزة لربط الأطراف الشمالية الشرقية للعاصمة مع الغوطة الشرقية، لكنها فشلت في تحقيق هدفها واكتفت بسيطرتها على بعض الأجزاء التي تحوي مداخل ومخارج الأنفاق التي تربط حي القابون مع حي جوبر لتضييق الحصار وإرغام الفصائل على القبول بالتسوية مع النظام وتسليم أسلحتهم ومغادرتهم إلى محافظات أخرى، وهي استراتيجية ناجحة طبقها النظام في عشرات المناطق بريف دمشق.
ما لم تواصل المعارضة المسلحة معركتها المتداخلة الهجومية الدفاعية في محيط دمشق بما لا يعطي أيّ فرصة لقوات النظام لإعادة ترتيب صفوفها ثانية بعد حالة الإرباك التي أصابتها، فمن المؤكد أن النظام سيقوم بصياغة أولويات زمنية تعطي الأسبقية لإدخال الغوطة الشرقية في المدى القريب ضمن استراتيجياته لاستعادة السيطرة عليها في إطار استراتيجية أشمل لاستعادة السيطرة على كامل جغرافية الأراضي السورية؛ ولتحقيق ذلك قد يستعين بالطيران الحربي الروسي أو القاذفات الاستراتيجية في مرحلة لاحقة تتوقف على قدرة المعارضة المسلحة في مواجهة النظام والدفاع عن مناطقهم، خاصة ان هذه المعركة رسمت خطوط تماس جديدة وضعت مركز الحكم في دائرة التهديد.
قياساً إلى معارك سابقة مماثلة في حلب ودرعا وحماة وغيرها، يبدو من الصعوبة بمكان التكهن باستمرار قتال الفصائل لفترات زمنية لاحقة بشكل متواصل، سواء في جبهة حماة أو جبهة دمشق التي افتتحتها هيئة تحرير الشام في 19 آذار/مارس بتفجير سيارتين مفخختين على مراكز القيادة والسيطرة لقوات النظام في حي جوبر، شرق مركز العاصمة، مع هجوم لعدد من «الانغماسين» على مواقع أخرى هاجــمــتـها مجمــوعات مسلحة من فيلق الرحمن، أحد أهم فصائل المعارضة المسلحة في الغوطة الشرقية.
سيبقى السؤال الأكبر، هل سيكون مصير الأحياء الشرقية للعاصمة دمشق شبيها لمصير مدن وبلدات مثل حلب وغيرها تؤول بعد معارك كبرى إلى إعادة سيطرة قوات النظام على تلك الأحياء وإرغام المسلحين والسكان المؤيدين للثورة على النزوح منها بدعم روسي إيراني مشترك، ولا مبالاة دول إقليمية مثل تركيا وأخرى عربية معنية بالأزمة السورية، ومباركة أوروبية أمريكية غير معلنة يمكن استشعارها من موقف الصمت حيال أزماتٍ سورية مشابهة؟
رائد الحامد