أنا أشتغل بهذه المحاولة من زمن، أريد بها أن نستخلص لأدبنا العربي قيماً جديدة نابعة من تراثنا الأصيل؛ دون التزام بالقيم وبالأحكام التي ذهب إليها نقاد نظروا في هذا التراث بذوق عصورهم، وحكموا عليها بعقلية زمانهم، وقوموه بموازين بيئاتهم ومجتمعهم؛ ثم تركوا أحكامهم وقيمهم للعصور من بعدهم، فتناقلها الدارسون منا جيلاً بعد جيل، وصار لهم من حرمة القدم وطول العمر وسلطان الإلف ما أضفى عليها مهابة ترد عنها محاولات التجديد؛ وتحميها ممن يجرؤون على معاودة النظر فيها بعقلية متحررة ووعي مرهف.
ونقطة الانطلاق في هذه المحاولة هي التفرقة بين تراثنا الأدبي وبين أحكام مؤرخيه وناقديه: نقصد بالتراث النصوص الأدبية التي قاومت عوادي الزمن ووصلت إلى أيدينا، وهي مرجعنا الأول: إليها نحتكم، ومنها نستخلص القيم، وبها نفصل فيما لعله يشتجر من خلاف بيننا وبين النقاد. ولا تناقض هنا بين اطمئناننا لما اعتمده علماء الشعر الأقدمون من تراث العربية الأدبي، وبين عدم التزامنا بما لهم فيه من آراء وأحكام ومقاييس نقدية، فهؤلاء الخبراء حجة في المادة الأدبية من نصوص وأخبار، وهم الذين جمعوا تراثنا الأدبي وحفظوه ودونوه. أما إذا جاوزنا النص الأدبي والخبر التاريخي، مما هو مادة الدرس، إلى التذوق والحكم والتقدير والتقويم، فإن الموقف يختلف، لأن مرجعه هنا ذوق العصر وشخصية الناقد وعقلية البيئة ومزاجها.
ونعرف أن التأليف في دراسة الشعر ونقده قد بدأ حوالي منتصف القرن الثاني للهجرة، في ظل نظم سياسية واجتماعية غير تلك التي كانت للعرب في الجاهلية أو صدر الإسلام. وكان مركز الحركة ـ أول ما كان ـ في بغداد عاصمة العباسيين، التي كانت تصب فيها روافد وتيارات وافدة من شرق وغرب، مؤثرة في مزاجها العام وذوقها الأدبي بمؤثرات طارئة، منها الغريب الدخيل الذي حملته، ومكّنت له من المجتمع الإسلامي، شعوبيةٌ غازية. وذلك ما يجب أن يُحسب له كلّ حساب، في فهم قيمهم الأدبية ووزنها.
٭ ٭ ٭
ويتجه بنا المنهج إلى درس النص الأدبي متصلاً بالحياة، واستقراء المادة التاريخية في ضوء واقعها، ثم عرض الدلالات والقيم التي تعطيها، على القيم النقدية الموروثة، دون أن تغيب عنا المؤثرات الموجهة لها.
وما من شك في أنني حين أستقرئ تراثنا، أتأثر كذلك فيما أختار منه بذوق عصري وطابع شخصيتي ومزاجي، ومذهبي في الفن والحياة، لكني حريصة تماماً على ألا أخرج بنصّ ما عن واقعه وبيئته، حريصة على أن أصغي فيه إلى نبض عصره ومجتمعه. ومن هنا يكون الجديد في محاولتي، هو موقف لي من تراثنا، أجلو منه ما قد يكون النقاد والمؤرخون ألقوا به في منطقة الظل، متأثرة بعصري ومزاجي فيما ألتقط من نبض حياةٍ سجّله تراثنا الأدبي، ولم يصغ إليه أولئك السلف، لأنه لا يستجيب لمزاج عصورهم وأنماط شخصياتهم وأوضاع مجتمعاتهم.
٭ ٭ ٭
حين أحاول أن أستحدث قيماً جديدة للأدب العربي، أجد من الضروري أن أعود إلى قديم لنا بعيد، لكي أستمد لأدبنا مفهوماً نابعاً من أصوله النقية، وقيماً حرة لا ينكرها أدب العربية في جوهره الصافي وذوقه الأصيل.
كثير منا يشفقون من مثل هذه العودة، ويريدون لنا ـ بحسن نيّة ـ ألا ننشغل بماض عن حاضر، وألا ننصرف عن حياتنا هذه التي نحياها، إلى حياة قديمة سلفت وانقضت.
ولست أقول هنا إن مثل هذا المذهب إثم وخطيئة، فليس المجال مجال وعظ خلقي، لكني أقول إن وعينا لذاتنا يقتضي حتماً أن نعرف ماضينا، وإن حياتنا اليوم لا يمكن أن تقوم إذا بُترت من أصولها. وإذا كانت دراسة التاريخ القديم لأمّة ضرورة لا يهون أن نتصور إمكان الاستغناء عنها، فكذلك الأدب؛ لا يجرؤ واع على الزعم بإمكان الاستغناء عن معرفة قديمة منه، لا لكونه تسجيلاً وجدانياً لتاريخنا فحسب، ولكن ـ كذلك ـ لما له من أثر في تكوين ذوقنا ووجداننا، على مرّ العصور وتتابع الأجيال.
وقانون الوراثة هنا أشد سيطرة واحتكاماً منه في أي ميراث آخر، إذ الأمر فيه متصل بالشخصية الوجدانية التي تتكون لأمّةٍ على مرّ الزمان وتتلقاها الأجيال منها متعاقبة. وما ذوقنا اليوم إلا خلاصة لمؤثرات خضع لها أجدادنا، وأضاف إليها كلّ جيل منهم ما استحدث، دون أن يفلت من ميراث له، أخذه تلقائياً أو بالتلقين، من آباء وأجداد.
وقد يبدو لمن يتعجلون النظر ويرتجلون الحكم، أن ذوقنا العصري بعيد كل البعد عن ذوق جيل مضى، لكن النظرة المتأنية المتفحصة لا تلبث أن تهتدي إلى ما وراء الظاهر، من عنصر موروث في ذوقنا، يصله بأقدم ما كان لأسلافنا من خواص ذوقية. وهذه قضية فرغ العلم من إثباتها بحيث لا أجد ضرورة إلى الإطالة في التماس الأدلة والشواهد عليها، والحياة أمامنا تقدم لنا في كل وقت وفي كل بيئة نماذج من الناس يعيشون في ظروف واحدة، ويخضعون لمؤثرات عصرية متماثلة، ثم يختلف قوم عن قوم، أثراً لاختلاف ميراث احتكم في وجدان كل جماعة، وترك أثره الواضح في الشخصية القومية والمزاج العام.
هي إذن رجعة لا بد منها إلى أدبنا الأول، وعودة لا مفر منها إلى قديمنا الأصيل، نردّ بها على أدبنا ما سلبته إياه عصور الانحطاط والضعف، ونلتمس لمزاجنا الأدبي الحاضر ميراثه النقي، ونهتدي به إلى الشوائب الدخيلة التي جمدت ذوقنا الفني لأدبنا، وأصابت مناهج الدرس الأدبي بما يشبه العقم.
٭ ٭ ٭
ونقطة البدء يجب أن ترجع إلى العصر الجاهلي، أو بتحديد أدق، إلى القرنين الأخيرين للجاهلية، وهي الفترة التي استبقى الزمن بعض تراثها الأدبي. ولن نطيل الوقوف هنا عند مسألة الشك في هذا الذي استُنقذ من شعرنا القديم، فمهما يكن الرواة قد غيّروا منه وأضافوا إليه لسبب أو لأخر، يبقى في جملته غير متهم بالزيف أو الوضع. والقدر الذي حُمّل عليه زوراً وأضيف إليه انتحالاً، كان من مهارة التقليد بحيث فات خبراء الشعر الأقدمين ـ من أمثال خلف الأحمر، وأبي عبيدة، والأصمعي والمفضل الضبي وابن سلام وابي عمرو بن العلاء وأبي ريد القرشي، ثمّ ابن المعتز وأبي تمام وابن دريد والسكري ـ أن يميزوه، فاكتسب بهذه المهارة في التقليد صفة التمثيل للشعر الجاهلي، كما اعتمده أقرب الناس عهداً به.
وعملية الجمع والتدوين قد مرّت بمراحل من التصفية والاختيار على أيدي ثُقات أمناء، وعلماء خبراء، كان فيهم من عاصر أحفاد الشعراء الجاهليين وشدّ رحاله إلى مواطنهم بالبادية التي ظلت ـ لفترة طويلة ـ بعيدة نسبياً عن المؤثرات الطارئة، وفي شبه عزلة عن التيارات السياسية والمذهبية التي عبثت بالشعر ما عبثت.
وربما كان من المجدي أن نضيف هنا ملحظاً لم يأخذ حظه من الاعتبار عند من أنكروا الشعر الجاهلي، وهو أن حركة الجمع والتدوين في القرن الثاني قد قامت لدواع دينية وقومية بالغة الخطر، أضفتْ عليها حرمة كانت جديرة بأن تصون تلك الحركة إلى حدّ كبير، من عبث الأهواء وتزييف المرتزقة من الرواة، وتخضعها لرقابة دقيقة حازمة، كشفت عن أكثر الزائف، وميّزت رواة عُرفوا بالضبط والثقة والأمانة، وجرّحت آخرين اشتهروا بالكذب والتهاون والوضع.
فبقدر الحاجة إلى هذا التراث، كانت جدية عملية الرواة وحرمتها وفحص المرويات وامتحان الرواة والأعراب، في حذر بالغ، وحرص شديد.
ويكفي لبيان ما كان لرواية الشعر من حرمة أن نقرأ أن أبا عمرو بن العلاء حرق مروياته جميعاً حين اكتشف فيها بيتاً واحداً مزوّراً، وظلّ ما عاش يستغرب ويتوب!
من «قيم جديدة للأدب العربي القديم والمعاصر»، 1970
بنت الشاطئ
(1912-1998)، التي اختارت لنفسها لقب «بنت الشاطئ»، ليست بين أبرز باحثات مصر ورائداتها في الصحافة والعمل الأكاديمي، فحسب؛ بل يُسجّل لها أنها كانت أول امرأة تحاضر في الأزهر، وفي موضوعات شائكة تخصّ الدراسات الإسلامية، والأدب الجاهلي، وإشكاليات التراث، وبلاغة القرآن. ولعلّ الجانب الآخر، الجدير بالتسجيل في سيرة حياتها، أنّ مستوى التحصيل العلمي الرفيع الذي بلغته، وما أنجزت خلاله وبسببه من أعمال هامة، كان قد بدأ من تعليم منزلي خلال سنوات الدراسة الأولى، بسبب التقاليد الاجتماعية في مسقط رأسها دمياط، آنذاك.
وإلى جانب اتجاهها التنويري الجلي في الدراسات الإسلامية، وكذلك ريادتها في الصحافة ككاتبة نسوية (حين نشرت في «الأهرام»، كانت ثاني امرأة تحظى بهذا الامتياز، بعد مي زيادة)، اتسمت حياة عبد الرحمن بالاحتكاك الأكاديمي مع جامعات العالم العربي، إذْ درّست في تسع دول عربية، بينها إقامة في جامعة القرويين، في المغرب، قرابة 20 سنة.
في عداد مؤلفاتها «التفسير البياني للقرآن الكريم»، «القرآن وقضايا الإنسان»، «الإعجاز البياني في القرآن»، «نساء النبي»، «تراجم سيدات بيت النبوة»، «رسالة الغفران للمعري»، «الخنساء الشاعرة العربية الأولى»، «مقدمة في المنهج»؛ إلى جانب رواية بعنوان «على الجسر.. سيرة ذاتية»، حملت بعض تفاصيل حياتها.
عائشة عبد الرحمن