لماذا اخترت لكم كتاب الصحافي اللبناني/البريطاني سليم نصار «خارج الموضوع» الصادر عن «دار الجديد ـ بيروت ـ 2016»؟
لأنه كتاب استثنائي في تنقله البارع بين موضوعات شتى بمهارة حرفية جذابة ومشوقة «بسلاسة ولغة حية نابضة» كما كتب الشاعر الروائي عبده وازن. ثم أنه يرضي الأذواق كلها، فعشاق التاريخ سيجدون ضالتهم فيه كما عشاق الغرابة والدراما البشرية.. وذلك كله في ملامسة مباشرة غالباً لموضوعه بل يعانق الحدث ويحاور أبطاله ويرحل بين الأقطار والأزمنة، ويهدي القارئ وكالة سياحية غرائبية تحمله إلى حيث تهفو نفسه.
عشاق السياسة سيستمتعون بلقائه مع الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون (بطل فضيحة ووترغيت) ومع رئيس زيمبابوي روبرت موغابي وحوارهما.
مصير أبناء الطغاة!
مع سليم نصار نلتقي حقاً مع ابنة ستالين سفيتلانا.. وستالين كان طاغية الاتحاد السوفييتي المشهور بقسوته حتى أن زوجته ماتت منتحرة أما ابنته سفيتلانا فقد هربت إلى الولايات المتحدة. لكن نصار التقى بها مصادفة أمام المصعد حيث يقيم في لندن إذ كانت في زيارة إلى جارته الفرنسية المتزوجة من أمير روسي (أبيض). ولم يتخل عــــن فضول الصحافي وقرر محاورتها وعلم أنها بعدما احتفت الولايات المتحــدة بهربها ووظفته إعلامياً وتزوجـــــــت وطلقت مرات إنتهى الأمر بها إلى احد الملاجئ الإنسانية اللندنية مسنة مفلسة ووحيدة تنتظر من احدى الجمعيات الخيرية المعونة الأسبوعية (62 جنيهاً).. ويذكر نصار أنها لم تنس أن تطلب منه ألف جنيه مقابل الحوار الذي لم يتم. وهي التي كانت مدللة «الكرملين». ومصيرها يذكر القارئ بمصير معظم أبناء الطغاة ويصلح لدراسة تاريخية ونفسية، فسفيتلانا مثلاً كانت مهزوزة الشخصية.
قرية فلسطينية في بافاريا
وإذا كان القارئ مثلي منحازاً إلى القضية الفلسطينية فسوف يستمتع بالرسائل التي تبادلها المؤلف مع الفيلسوف البريطاني الشهير برتراند راسل الذي كان فيها مؤيداً كبيراً لحقوق الفلسطينيين.
ولم يكتف بذلك بل ذهب إلى بافاريا (في ألمانيا) وزار قرية «فلسطينية» اسمها «اوبرامارغو» إذ انها ما تزال تعيش زمن سيدنا المسيح مرة كل عشرة أعوام حيث يقدمون فيها (خمسة أيام في الأسبوع على طول سبعة أشهر) مسرحية تمثل حياة السيد يسوع من المهد إلى القيامة وذلك شكراً له لأنه أنقذ أربعة أخماس سكانها من الموت بالطاعون الذي ضرب أوروبا قبل حوالي خمسة قرون.. ومن يومها وهم يخلصون لهذه الطقوس ويعودون بالمتفرج إلى فلسطين.
والطريف أنني زرت هذه القرية عن طريق المصادفة. فقد كنت أزور قصر «نويفنشتاين» في بافاريا، الذي شيده الملك لودفيك الثاني وليُّ نعمة الموسيقار المفلس فاغنر، وهناك أخبرتني سائحة مثلي عن قرية (أوبرامارغو) التي لا تبعد كثيراً عن قصر (نويفنشتاين) فرافقتها إلى تلك القرية. وهناك أخبرني أحد أبناء القرية ان تلك المسرحية كان محرماً على النساء التمثيل فيها وكان يلعب الرجال أدوارهن بذكورية علنية (!).
ولم يُسمح لامرأة بالمشاركة إلا قبل ما يقارب نصف قرن!… وقد زرت (أوبرامارغو) للأسف خارج موسمها المسرحي وكتبت عن ذلك في أحد كتبي في «أدب الرحلات» لكننا مع سليم نصار نعايش الحدث المسرحي الاستثنائي.
مانديلا وشكسبير
ينقلنا نصار إلى سجن مانديلا والزنزانة 46664 التي صارت مزاراً سياحياً، لكن مانديلا استطاع في سنوات سجنه الطويلة قراءة شكسبير وأشار بالحبر الأحمر تحت عبارة في مسرحية يوليوس قيصر: «الجبناء يموتون ألف مرة قبل موتهم بينما يموت الشجعان مرة واحدة». ونتذكر المصير المروع ليوليوس قيصر ورفاقه يطعنونه بخناجرهم طعنة من كل واحد منهم، وفقط حين يطعنه ربيبه بروتس يقول: «حتى أنت يا بروتس؟… فلتمت يا قيصر». ويتذكر القارئ «بروتسات» حياته الذين طالما أحسن إليهم ولم يتق شرهم فطعنوه.. ويعيش القارئ مع «محاكمة قتلة القيصر في روما» كما نقلها نصار لنا.
ومن حكاية الكتاب المشوقة حكاية اللبناني جورج حاتم الذي عاش الفقر المدقع في مهجره الأمريكي ثم صار طبيباً خاصاً لماو تسي تونغ وأنقذ الملايين في الصين من مرض الجذام.
مهزلة «الكوميديا البشرية» الدامعة
ينقلنا سليم نصار معه في آلة الزمن الغرائبية لنزور برفقته القبو الذي انتحر فيه هتلر وعشيقته إيفا براون فنتأمل ايضاً في مصير نساء الطغاة من الاستسلام إلى الهرب (زوجة ستالين المنتحرة) إلى المشاركة في الطغيان (تشاوشسكو وزوجته).
تحار كيف تصنف هذا الكتاب «خارج الموضوع» فهو في جوهره «خارج التصنيف»، كما كتبت مايا الحاج.
سمير عطاالله وجده أقرب إلى الرواية وكتب «إن الصحافي لم يستطع ان يخرج من ثوب الروائي وأسلوبه وطريقة بحثه عن العناصر والتفاصيل وسير الأدوار».
أما طلال سلمان فوصف المؤلف بأنه «الأمير» الوافد من الكورة (منطقة خلابة في شمال لبنان) بأناقة باريسية وثقافة موسوعية… والذي دار نصف الدنيا وقدم بعض أهم وقائع التاريخ المعاصر على شكل حكايات ممتعة»..
إبراهيم درويش وجد في الكتاب «اشراراً وابطالاً وضحايا» وهذا صحيح ومن أهم عناصر الكوميديا البشرية الدرامية.. أما الياس عون (نقيب المحررين في لبنان) فلم يجد الكتاب «خارج الموضوع» بل في صلبه..
ورؤوف قبيسي وجد أبجدية نصار «متحررة من أشكال العصبيات الحزبية والدينية والعرقية»، وأترك للقارئ أن يجوب في آلة الزمن مع سليم نصار حين يطالعه ويقوم بتصنيفه.. بحرية كحرية مؤلفه البارع.
غادة السمان