منذ وصولي إلى باريس قبل أكثر من ربع قرن وأنا أقرأ في صحفها ومجلاتها في الصيف كشفاً بكتب جديدة للمطالعة تحت الشمس، مراعين في اختيارها شروط إجازة الفكر من دون خيانة بعض العمق. وهي عادة غربية عامة أحبها.. ولها نفوذ على المدى الذي جعل بعض نجوم السينما والاعلام حتى هذا العام يحملون معهم كتباً وهم يتمددون بثياب الاستحمام على الشواطئ المرفهة.. وعلى الرغم من ترسيخ المكتبة الإلكترونية لقدميها في عالم القراءة، لكن الأسلوب التقليدي في المطالعة بالكتب ما زال يجد عشاقه، ومن طرائف ذلك أن أحدهم التقط صورة لنجمة غربية مشهورة ممددة بثياب الاستحمام وهي تطالع كتاباً أو تزعم ذلك لضرورات «الوجاهة» الفكرية الإعلامية، إذ يلحظ القارئ أن النجمة كانت في الصورة تحمل كتابها (بالمقلوب) وعنوانه إلى الأسفل وبالتالي لم تحن منها حتى نظرة إليه لتصحيح الوضع!
من فرنسواز ساغان إلى تود آن
ذلك كله سيبدو جزءاً من عالم قديم يكاد ينقرض… ولكنه ما زال صامداً بعض الشيء.. ومن مظاهر صموده ما جاء في الملحق الاقتصادي لجريدة الفيغارو (21/11/2014) حيث تم تسجيل ارتفاع في مبيعات الصحافة الورقية، و63 في المئة يطالعها مقابل 37 في المئة فقط يطالعونها إلكترونية. ولكن الكمبيوتر يكاد يطرد القلم والورقة والمطبعة من المشهد لتحل مكانها شاشة مضيئة لا بالمعنى الخارجي المألوف بل يتجاوز ذلك إلى جوهر الكتابة وجذورها.
وفي مجلة فرنسية كبيرة (باري ماتش ـ عدد 28/7/2015) صورة عن مستقبل أدبي صار حاضراً: الكتاب الورقي الذي كان ملكاً طوال عصور يهتز عرشه الآن في زلزال التكنولوجيا المستقبلية.
ففي صفحاتها الأولى المكرسة عادة لكبار المبدعين استضاف المحرر الأدبي أوليفييه أوماهوني أديبة شابة أمريكية (26 سنة) هي آن تود، كتبت روايتها «فيما بعد» مباشرة على الإنترنت، على موقع «فان كلوب» المجاني حيث يكتب من شاء ما يشاء من «إبداعاته» والحــــكم للقــراء الذين يطالعونها، مجانا أيضا. وهكذا كتبت روايتها الأولى «دونما أي ثقافة أدبية» كما تقول عن نفسها وأقبل عليها ملايين القراء من اليافعين.. وبعدها بعام فوجئت بعرض من دار نشر كبيرة هي «سيمون أندشوستر» لطباعة الرواية «فيما بعد» ورقيا ضمن إطار عرض حصري لخمسة أعوام مقابل نصف مليون يورو، كدفعة أولى، وقبلت الشابة العرض بسعادة، فهي، كما تقول، من أسرة متواضعة وزوج يعمل في الجيش، وكتبت روايتها على الإنترنت، لضجرها وبعفوية، دونما تخطيط مسبق. وكانت أول من دهش للنجاح الذي حققته مادياً وإعلامياً، حتى أن زوجها تقاعد من الجيش ليكون معاونها أدبياً!.
ويصفها كاتب المقال بأنها الأديبة/ الأديب الأول في تاريخ الأدب الذي يفرض نفسه على ملايين القراء عبر الإنترنت مباشرة وبنجاح كاسح. وبعدها أصدرت دار النشر الكبيرة إياها الأجزاء الخمسة من روايتها ورقياً وبيع من كل جزء أكثر من مليون نسخة. قلت لنفسي وانا أطالع ذلك الحوار: إننا نخطو إلى عصر جديد أعجبنا ذلك أم لم يعجبنا.
إنها الحقيقة، ولكن!
وعلى الرغم من كل ما تقدم، وربما بسببه، اخترت أن تكون وقفتي اليوم مع ثلاثة كتب جميلة ورقية تحترم التقاليد الأدبية العربية التراثية، إكراماً للذاكرة الإبداعية حررها الأديب الاردني ـ الذي لا أعرفه شخصيا ـ أحمد العلاونة، ولكنني من عشاق الكتب الورقية وبالذات الجميلة شكلاً ومضموناً، بخط عربي عريق كفن.
أبدأ بكتاب «رسائلهم إليّ» ـ والعنوان الفرعي: «من رسائل الأدباء والعلماء إلى أحمد العلاونة».
وهو ليس مجرد نشر (ميكانيكي) لمراسلاته، ولكنه يمتاز أيضاً بهامش عن حياة كاتبها وأعماله مثل قاموس مصغر بذل صاحبه الكثير من الجهد لتزويدنا بالمعلومات.. ومعظم الذين راسلوه (بخط يدهم) باحوا بالكثير من الأسرار الأدبية، وحتى السياسية، وقام البعض بتعرية قلوبهم أو بعرض أحداث سياسية كبيرة، ولكن من الداخل على شاشات أعماقهم في لحظة صدق.
في الكتاب نقرأ لعشرات الشخصيات الكبيرة من أدبية وفكرية وسياسية، والكتاب بالتالي وثيقة استثنائية عن إيقاع حياتنا العربية الداخلية في أوائل القرن الواحد والعشرين وأواخر ما انصرم قبله.. كما أنه من «فصيلة منقرضة» من الإبداع، فالرسائل الورقية بالبريد يكاد ينتهي عمر زمنها، ومن الجميل في الكتاب أسلوب طباعته. إذ صدر في حلة فخمة جداً وغلاف تراثي يسعد «فئران الكتب» بضمه إلى مكتبتهم، حيث يتنافس جمال الصورة مع جمال المضمون. وقد أصدرت هذا الكتاب الجميل جداً «دار البشائر الإسلامية» التي تستحق الشكر على لمسة تراثية أصيلة الجمالية، في الطباعة.
الوفاء لمبدعينا المنسيين
الكتاب الثاني لأحمد إبراهيم العلاونة هو عن العلاّمة السوري المؤرخ والأديب خير الدين الزركلي الذي يجد العلاونة أنه لم يُعط حقه من الباحثين، وأثبت العلاونة في الكتاب فهرسا لمخطوطات الزركلي التي آلت إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض.
وفي نحو مئة وعشرين صفحة نلتقي بالمنسي الزركلي في كتاب هو لمسة وفاء من العلاونة إلى مبدعين كانوا يستحقون وقفة مطولة من ذاكرتنا العربية الإبداعية التي تكاد تدخل في مرحلة «الكوما» أو مرض «الزهايمر».
أما «دار البشائر الإسلامية» التي أصدرت الكتاب فلم تبخل عليه بالطباعة الفخمة والخط العربي الجميل الأصيل.
الجماليات الإبداعية
الكتاب الثالث لأحمد العلاونة وهو «معجم صور الشعراء بكلماتهم» يستحق وحده وقفة متأنية مطولة، وقد صدر عن مكتبة لبنان ـ صائغ ـ ناشرون في طباعة أنيقة جداً.
وهو معجم يصح القول في تعريفه بأنه طريف ظريف يجمع بين العلم والأدب والشعر، طارد للملل والسأم.
كتب أحمد العلاونة توقظ فينا حنيناً إلى جماليات قد لا تتكرر على هذا النحو في العصور الآتية. كأنها تلويحة وداع لعالم يتلاشى.
غادة السمان