نعود إلى الموضوع المثار عن «الوطن العربي الكبير» أو «الشرق العربي الجديد».. وقد تنوعت حوله الآراء واختلفت عليه الرؤى.. ومن شاركوا واهتموا على مدى أسابيع مضت؛ هم من بين شريحة عُمْرية تدور حول الستين من العمر وأكبر.. وهي عينة رغم تنوعها لا تساعد في إصدار حكم قاطع عن حجم تغلغل القضية المثارة بين أوساط الرأي العام.. وفي نفس الوقت فإنها بحكم السن شريحة مخضرمة؛ عاشت وشهدت أكثر من عصر.. وإن كانت قاصرة على ذوي الاختصاص والخبرة والأكاديميين والمهنيين والمثقفين.. وفيهم من جمع بين ممارسة الكتابة والتخصص المهني والعلمي.. ومن المحسوبين على «صناع الوعي» إذا جاز التعبير.. وغاب المشاركون من القوى والشرائح الأخرى، ولم يكونوا على نفس الدرجة من الاهتمام بالقضية المثارة.. وأخص بالذكر رموز القوى المنتجة.. من فلاحين وعمال وصغار كسبة وحرفيين وعاملين في تجارة التجزئة وصغار ومتوسطي موظفي الدولة والقطاعين العام والخاص.. وهذا يمدنا بمؤشرات لا تقبل التعميم خارج حدود هذه العينة.
هناك جانب آخر على درجة عالية من الأهمية.. وهو أن المجموعة في مجملها؛ رغم ما بدا لديها من وعي، لم تقترح تصورا لتنفيذ الفكرة.. أو تقترح صياغة دليل عمل (أو «خارطة طريق» بالمصطلح الأمريكي) يبلور الفكرة وينضجها.. وقال قائل أن المهندس عزت هلال أشار لشيء من هذا، وهذا صحيح؛ لكن هلال قصر ما قدمه على ساحة واحدة من الساحات المفترض فيها أن تنضوي تحت راية «الوطن العربي الكبير» أو «الشرق العربي الجديد»؛ هي ساحة مصر.. ومع ما لمصر من أهمية ودور في العمل الجماعي العربي إلا أن الأمر في حاجة إلى تصور عابر لحدود مصر الشرقية والغربية والجنوبية والشمالية.
وقد يعود ذلك إلى إشكاليات لا يقترب منها أحد كثيرا.. أولها المحنة الشاملة والعميقة، التي تواجه «قارة عربية» ممتدة على مساحة تزيد على 13 مليون كيلو متر مربع؛ تبدأ في أقصى المشرق؛ على تخوم إيران وشواطئ الخليج العربي.. وتنتهي في أقصى المغرب على سواحل المحيط الأطلسي، وأخطر وأهم وجوهه هو فساد العملية التعليمية، واعتماد برامج التعليم ومناهجه على إشاعة الثقافة الاستهلاكية وتجاهل التاريخ الوطني في تربية النشء، وتشويه القضايا الوطنية والقومية والإنسانية.. وترتب على ذلك أن تحل (إسرائيل) محل فلسطين، ويحل «العالم العربي» بديلا عن الوطن العربي.. وقام على إضعاف روابط الانتماء لهذا الوطن ولهذه الأمة.
وعلى نشر وتعميم مصطلح «الشرق الأوسط»؛ لدمج الدولة الصهيونية في المنطقة وشطب فلسطين من الخريطة الجغرافية والسياسية إلى الأبد، وكان ذلك واستمر عملا ممنهجا انتهى بتعميم الاسم المطلوب تأكيد التقسيم الجاري وتبريره والدفاع عنه، وتوزيع كتلة بشرية كبرى تجاوزت 400 مليون نسمة على «كانتونات» وكيانات مذهبية وطائفية وعرقية وعشائرية؛ تتطلع دائما إلى الخارج بحثا عمن يدافع عن وجودها الهش.
وثاني الإشكاليات يلخصها ذلك الخلط الثقافي والمعرفي، الذي يربط العروبة بالبداوة، ويساوي العرب بالأعراب، واعتبارهم «بدو رحل».. وفي ذلك ظلم للجميع، وإذا كانت حياة البدوي تعتمد على الترحال والتنقل من مكان إلى آخر، فإنه يقوم بذلك بحثا عن الماء والمرعى.
وبناء المجتمعات أساسه الاستقرار.. ومن يُحمل أهل البادية مسؤولية هشاشة التماسك الوطني والتفاعل السياسي فعليه مساعدتهم في تغيير أنماط حياتهم ورفع مستوى معيشتهم وتقديم الخدمات التي تمكنهم من الاستقرار.
ويرتبط تطور الحياة بالحياة في القرى والمدن وبالقرب من ينابيع المياه والأنهار وعلى السواحل.. ومع ذلك فالبدو موجودون في كل بقاع الأرض؛ في وسط آسيا وشرقها وجنوبها، وفي عموم افريقيا وعلى تخوم الدول الأوروبية.. وفي أمريكا وكندا واستراليا ونيوزيلندا.. وهناك أجيال عربية تركز دوما على الفروق الاجتماعية والعنصرية بينها وبين باقي المواطنين.. وتستغل ذلك في رفض البداوة والعروبة معا.. وبتأثير الحروب الضارية ضد العروبة تحول العرب إلى أقليات في «قارتهم» الشاسعة.. ونموذج العراق واضح وفاضح.. وجاءت «الهندسة السياسية والعسكرية» الأمريكية فدمرت مكوناته العربية، وكانت أكثر من 80٪ وجعلتهم شراذم وشيعا وجماعات متناحرة.. وبتطبيق نظام «المحاصصة» صار الحكم للأكثرية الشيعية بشرط إخراجها من نطاق العروبة. وحصر الوجود العربي واختزاله في المذهب السني؛ المخترق من «الدواعش».. وألقى بالجميع؛ سنة وشيعة وإيزيديين وأتباع الديانات الأخرى؛ كالمسيحية بمذاهبها العديدة؛ ألقى بهم خارج خيمة العروبة.
وثالث الإشكاليات هو الاستغراق في مآسي الواقع.. وهي شديدة الإيلام والوطأة.. بما فيها من بؤس وشقاء وترويع.. وهذا الاستغراق يشوش على حقيقة ما يجري.. ويعجز عن استخلاص حلول واستكشاف رؤى تلائم المستقبل وتعد له بعيدا عن ذلك الاستغراق المدمر.. وهذا أفرز واقعا متصارعا مع نفسه؛ في شكل حروب أهلية داخلية بين مواطنين «أشقاء» وحروب بينية بين دول «شقيقة».. وتركزت الجهود الحكومية والأهلية على العسكرة وإراقة الدماء، وصار ذلك أساس التعامل بين كل الأطراف والقوى.. وعاد اليأس إلى النفوس، وفُقدت الثقة في أي أفكار أو مشروعات مقترحة للخروج من هذه الدائرة الجهنمية.. وغياب إرادة عربية جامعة أدى إلى حضور المشروعات والمخططات الطائفية والمذهبية والعشائرية والانعزالية.
والإشكالية الرابعة مجسدة في العجز العربي الرسمي الكامل، وتحول النظام العربي المهترئ إلى رديف لتنفيذ الشرق الصهيوني المسمى «الشرق الأوسط الجديد»، واختار العمل الجماعي الرسمي أن يكون عرابا لـ«تعريب التطبيع» وتنفيذ مخططاته، والتعود على انتظار الأوامر والتعليمات والحلول الجاهزة.. وأصيب العقل العربي الرسمي بالشلل، وعدم القدرة على السير في أكثر من مسار أو في طرق متوازية؛ وهو ما تعتمد عليه الدول والأمم الحريصة على التماسك والساعية إلى امتلاك القوة، والعاملة على توفير إمكانيات التقدم.. فأضحى العرب أسرى الحل الواحد والرؤية الواحدة والخيار الواحد والقرار الواحد..
والإشكالية الخامسة تتمثل في المسخ الثقافي والاجتماعي والتشوهات المجتمعية؛ وكلها تهمل المواطن وتحقر من دوره وتقلل من قيمته.. ولا تضعه في منافسة حقيقية مع الخبرات الأجنبية.. وليس هناك من يرفض الخبرة الخارجية في المجالات التي تحتاج لذلك. أما «خبراء السندوتشات» والأكلات السريعة ووجبات «التيك أواي»، فيعتمد عليهم في تقاسم المكاسب وتهريبها للخارج، وفي المشاركة في إدارة المنتجعات والفنادق والمزارع.. بعمالة أجنبية؛ أغلبها من مستوطني الدولة الصهيونية، وتراجعت بذلك القدرات الإنتاجية والإدارية والكفاءات المهنية والفنية.. وهذا من أهم معوقات التقدم، واقتصرت مجالات النشاط على السمسرة واستيراد السلع الاستهلاكية وأعمال العلاقات العامة.
والإشكالية السادسة؛ تقوم على توليف هويات وتزييف انتماءات تعتمد الأساطير، وتحيي تراث الغزاة وتنسج منه تصورات غير حقيقية لثقافات وهويات وانتماءات مصطنعة.. وهناك ما سبق طرحه، وجاءت فكرة «الوطن العربي الكبير» أو «الشرق العربي الجديد» لتعيد طرحه مرة أخرى.. وسوف نحاول كشف مدى سلامة أو زيف ما يتعلق بالفرعونية والقبطية.. ومدى قبولها أو نفورها من العروبة والعرب.. وهذا أمر جدير بالمعالجة!
٭ كاتب من مصر يقيم في لندن
محمد عبد الحكم دياب