رفض فولتير (فيلسوف الأنوار المعروف) وصية أبيه، حول المسار العملي الذي ينبغي أن يسلكه في الحياة. لقد رفض أن يكون شيئا آخر غير كونه كاتبا (أديبا وفيلسوفا).
كان فولتير يؤمن بقيمة وأهمية الأدب في الحياة، فيما كان أبوه يرى في مسار الأدب طريقا إلى الإملاق والإفلاس. أما فولتير فقد رأى في الأدب رأيا آخر، رأى فيه فاعلية التنوير والتغيير والتأسيس لحياة جديدة ينشدها ويصبو إليها، وحقق بأدبه وفلسفته ما أراد، بل عاش الحياة التي اختار، على الرغم مما لاقاه من معاداة وإبعاد.
كان فولتير أكثر فلاسفة الأنوار إيمانا بقوة الكلمة وسلطتها في تحرير العقول وتغييرها، إلى درجة جعلته يقول: «إن الكتب هي التي تحكم العالم». قد يقول المفسرون لهذه القولة إنها تعني أن كتب القانون هي التي تحكم العالم، فجميع الأمم تعيش حياتها بشرائع تنظم هذه الحياة، وهذا صحيح، بيد أن الحقيقة الأدبية تمدنا بتأويل أبعد من ذلك، ليشمل معنى الكتبِ – الكتبَ كلها مما يتم تداوله قانونا وممارسة فكرية ثقافية بكل تجلياتها. ولعل ثرفانتيس الأديب الإسباني، قدم منظورا كهذا لهذه القولة في روايته الشهيرة «دون كيخوته» فبطل الرواية التي تحمل اسمه يحيا حياة مفعمة بأثر قراءاته لقصص وروايات الفروسية، وهذا البطل يؤمن بما يقرأ إلى درجة تجعله يحول المقروء إلى معيش، إنه يحيا الحياة التي يقرأ عنها، ولذلك فهو يمارس حياة منقرضة أو في طريقها إلى الانقراض. يمارسها إيمانا منه بأن ما يقرؤه هو الواقع السائد، ولا يتلطف ثرفانتيس ببطله بل يقتحم به الأهوال والأحداث الجسام عقابا له على هذا الإيمان، وكأن غواية قراءة أدب الفروسية قد أوقعت دون كيخوته في حالة الاغتراب، وهي الحال التي يعيشها الإنسان في هذا العالم وهو يمارس وجوده، هذا الوجود المفعم بصراع البقاء، إذ الموت يتربص دوما بالإنسان، وهي الحقيقة التي تجعل سؤال الحياة ذاته سؤالا لا يعدم عن أن يقدم البشر حوله أجوبة متضاربة تضارب الأقدار والمصائر التي يحيونها. وبعد ثرفانتس بمئتين وخمسين عاما ستلاقي إيما بوفاري بطلة الروائي الفرنسي فلوبير مصيرا مأساويا بوضع حد لحياتها نتيجة قراءة الأدب العاطفي الذي هيج خيالاتها وجعلها تحلم بحياة مفعمة بالحب الرومانسي، مما لم يكن متاحا لها مع زوجها الطبيب في الريف. فكل من ثرفانتيس وفلوبير يجعلان الحياة عند قارئي الأدب ملأى بالأوهام والخيالات والرؤى الحلمية المفعمة بالهواجس الأليمة. إن قراءة الأدب، بهذا المعنى، تجعل صاحبها واقعا تحت التأثير المنوم للكتب. أما في وقتنا الراهن فإن قراءة الأدب أضحت عند الغالبية من المهتمين مما يمنح المتعة بما يخالف مألوف الحياة وعوادي الزمن. الأدب عند هؤلاء له خصوصية مائزة يختلف بها عن كل ما سواه، خاصة أن النظرية الأدبية المعاصرة طورت النظر إلى الأدب والرؤية إليه. يقول تيري إيغلتون «إن الأعمال الأدبية قطع بلاغية وتقارير أيضا، وتتطلب نمطا من القراءة على درجة بالغة من اليقظة». هذه اليقظة التي حاولت البرهنة عليها أنواع كثيرة من القراءات للأدب، ازدهرت في القرن العشرين، ولما تزل إلى الآن مزدهرة ومتجددة منها: النقد النفسي. النقد الاجتماعي. النقد البنيوي. النقد التفكيكي. نقد جمالية التلقي. النقد اللساني. النقد الأسلوبي. النقد التداولي، وغيرها من أنواع النقد مما يقرأ الأدب قراءة منهجية تتطلع إلى العلمية.
بيد أن ما هيمن على هذه القراءات النقدية للأدب كلها ومنذ الشكلانيين الروس في العقد الثاني من القرن العشرين هو الاهتمام بأدبية الأدب. والذي رسخ هذا الاهتمام ما حفلت به علوم اللغة من جديد إلى النظرية الأدبية، ولعل هذا واحد من الأسباب الوجيهة التي جعلت المهتمين بمعنى الأدب وهم يقرأونه في النصوص الكبرى يميلون إلى الاحتفاء بأسلوب الأدب، أو ما أسميه جمالية الأدب، فها هو تيري إيغلتون يتجاوز الرؤية الأيديولوجية المباشرة التي غلبت على القراءة الاجتماعية للأدب. يقول: «إن أحد المعاني التي نريدها في أي عمل «أدبي» هو ذلك المعنى الذي ينظر به إلى ما يعبر عنه في ضوء الأسلوب الذي يُعبر به. وهو نمط كتابي لا ينفصل فيه المضمون عن اللغة التي جاء التعبير بها. فاللغة مؤسسة لواقع التجربة وليست وسيلة لها». هذا الاحتفاء بشكل التعبير وباللغة المؤسسة لتجربة الحياة التي يرتبط بها كل أدب هي مما يجلو التحولات الانعطافية في قراءة الأدب. إن هذه القراءة جديدة لا للأدب الجديد وحده، بل حتى للأدب القديم. وهو ما يفسر أهمية الأدب في حياتنا. فإذا كنا نحيا الحاضر ونؤسس للمستقبل، فإن هذه الحياة مفعمة بالماضي الذي تحدر إلينا، والذي ما زالت آثاره قوية على الحياة في عالمنا.
إن القراءة (القراءة في حد ذاتها) هي علامة من علامات التحضر والانغمار في العصر. ومثلما لا يستغني الإنسان عما يقوي وجوده ويضمن استمراره، لا يستغني الإنسان عن القراءة، وإن كانت القراءة بمعناها الإنساني الجديد لا تعني (مطالعة الكتب) وحدها، بل تعني أيضا قراءة الصورة السينمائية أو اللوحة الفنية أو تحفة النحت وغيرها مما يتم تداوله الآن في وسائط الاتصال والتواصل الحديثة والجديدة. وإن عالما يخلو من القراءة هو عالم مقفر غير جدير بالحياة. هذا ما انتهيت إليه وأنا في بداية مرحلة اليفاعة، إذ كنا نستلقي على رمال شاطئ مدينة طنجة المغربية في عز الصيف لنستحم بالشمس المشرقة والبحر الأزرق المضئ، ولطالما أثار انتباهنا ونحن نلعب ونلهو ونسبح أن الأجانب الذين يرتادون هذا الشاطئ يقومون بما نقوم به، لكنهم يتميزون عنا بشمسياتهم وبالكتب الكبيرة التي يمسكها كل واحد منهم في يده، مستحما بالشمس ومستمتعا بالقراءة. هذا المشهد لما يزل إلى الآن في شاطئ طنجة. وإنه لمما يثير الانتباه أن يكون أكثر القراء على ذاك الشاطئ من الأجانب لا من أبناء البلد. لا لشيء إلا لأن القراءة عند من يعرف قيمتها هي مما يجعل هذه الحياة جميلة. كتب هنري ميللر أعمالا روائية كثيرة أثارت كلها أصداء استحسان أو معارضة. لكن هنري ميللر وهو يخط صورة عن نفسه تحدث عن الكتب بحميمية وشغف وعاطفة مشبوبة. حمل الكتاب الذي صب فيه هذه التجربة عنوان «الكتب في حياتي». وقارئ كتاب ميللر هذا تسترعي نظره الالتفاتة العميقة والكبيرة التي أولاها ميللر لكتاب لويس كارول «أليس في بلاد العجائب» فهو لا يعتبره كتابا للصغار فقط، بل يعتبره أهم كتاب يمكن أن يفيد منه الكبار أيضا. ولا غرو في ذلك فكتاب «أليس في بلاد العجائب» يحرر خيال الإنسان ويحلق به في قمم الخوارق والأحداث غير المألوفة، في الوقت الذي يمنحه حق حيازة الأسرار واكتناه حكمة الحياة. تمنح الكتب ما لا يمنحه بشر كثيرون ممن يحيون حولنا.
والواقع أن التجربة المستمدة من القراءة، التي يتمثلها القارئ تمثلا حيا بكل حيوية طاقته الإنسانية الخلاقة لا تقل في شيء عن سواها من التجارب التي يحياها في ممارسة الحياة. القراءة تجربة في فهم العالم وتمثل أسراره وإدراك كنهه وأعماقه، هي تجربة أضحت الآن محتفى بها، فنظرية القراءة هي من النظريات الكبرى في الآداب المعاصرة، وبها يسير الأدب إلى تجدده الخلاق، الذي لا يني عن الإيحاء بتجديد الحياة والانتقال بها من طور إلى طور ومن حال إلى حال. لقد كان والتر بنجامين يؤكد على خصوصية الإنسان وتميزه الكبير، وذاك كامن في قدرته المتفردة على تبادل التجارب مع الآخرين. فمآل القراءة بهذا المعنى هو الاستمرارية المواكبة لاستمرارية الحياة الإنسانية، والذين يخافون من انقراض الكتاب الورقي شبيهون بدون كيخوته بطل ثرفانتيس، البطل الذي تملأ عقله أوهام كثيرة لا يؤمن إلا بها. إن من يؤمن باستمرارية الحياة يؤمن بتجدد وسائل هذه الاستمرارية، ومنها وسائل استمرارية القراءة التي تشكل ضرورة من ضرورات الحياة الإنسانية منذ حداثة الإنسان ويفاعته إلى حين مغادرته هذه الحياة. إننا نقرأ لأننا نحيا، أما الذين لم يتح لهم إمكان القراءة فغالبيتهم يقرأون كتاب الوجود والحياة التي يمارسونها في هذا الوجود. إن الحياة كتاب ولابد من قراءة هذا الكتاب. أما الذين يقرأون الأدب فهم كثيرون، ويعلمنا هذا الأدب الذي نقرأه كيف نعيش الحياة. وقراءة هذه الحياة هي مما اختلفت حوله الأجيال منذ خُط كتاب الوجود والناس يقرأونه ويعيدون قراءته، ومع كل قراءة جديدة تظهر حقائق جديدة، رغم أن كثيرا من الحقائق أفضت بسرها للإنسان وكشفت هذا السر المستور بعدما قرأ الإنسان كتاب الحقائق والخلائق، ولذا فلا ينبغي للقراءة أن تكون استهلاكا بل إبداعا.
٭ قاص وناقد مغربي.
عبد اللطيف الزكري