برلين ـ «القدس العربي» من زيد خلدون جميل: يعتبر فيلم «العرّاب» 1972 أشهر فيلم عن العصابات المنظمة (المافيا) على الإطلاق، وأحد أشهر الأفلام الأمريكية بشكل عام. ويعد أيضا أحد أكثر الأفلام تأثيراً من الناحية الثقافية، سواء على الجمهور أو نمط الأفلام اللاحقة عن الموضوع نفسه، فقد بدأت بعده موجة كبيرة من الأفلام التي انتهجته، بالإضافة إلى إنتاج الجزءين الثاني والثالث من الفيلم نفسه، الذي كان بداية لشهرة ممثليه، وأصبح بعضهم أشهر ممثلي السينما الأمريكية على الإطلاق، مثل آل باتشينو وروبرت دي نيرو وروبرت دوفال وجيمس كان، أما مارلون براندو فكان النجم الأول في السينما الأمريكية قبل الفيلم، إلا أن مركزه تعزز به. والفيلم مأخوذ من قصة شهيرة نشرت عام 1969 تحت الاسم نفسه، من تأليف ماريو بوزو.
الحكاية
تدور أحداث الفيلم عن زعيم عصابة كورليون الإيطالية «فيتو كورليون» (مارلون براندو) عام 1945، حيث كانت عصابته الأكبر في نيويورك، وكانت له علاقات سياسية واقتصادية متشعبة، وكانت من عاداته مقابلة كل من يحتاج إلى مساعدته لحل مشكلة. ويحدث صراع بين عصابات المدينة يؤدي إلى محاولة اغتيال فاشلة لـ»فيتو كورليون» ولكن النجاح في اغتيال ابنه البكر «سوني» (جيمس كان) يؤدي إلى إضعاف العصابة، ولكن الابن الأصغر «مايكل» (آل باتشينو) يتولى الزعامة ويقتل كل أعدائهم ليصبح أقوى زعيم عصابة في الولايات المتحدة الأمريكية، ويحدث كل هذا وكأنه لا وجود لأجهزة الأمن والشرطة الأمريكية. كذلك ركز الفيلم على التقاليد الاجتماعية والحياة الأسرية للإيطاليين في الولايات المتحدة، وكتب الكثير من الإطراء حول قرب الفيلم من الواقع في كل جوانبه. والاستثناء الوحيد كان للمخرج الشهير ستانلي كوبريك الذي وصف الفيلم بأنه «شيء رخيص».
بعيداً عن الإعلام
وإذا أزلنا غشاوة الإعلام عن عيوننا، فإننا سنجد الفيلم مختلفا جدا عما سمعنا عنه. فمارلون براندو لم يبد إيطاليا إطلاقا، ورغم الماكياج كان واضحا إنه أصغر سنا من شخصية «فيتو كورليون» التي مثلها، وفشل في إعطاء الانطباع بأنه زعيم عصابة إجرامية، وأحد أسباب ذلك فشله الدائم في تمثيل الأدوار الشريرة بسبب مظهره الطيب. وفي الواقع أن دور «فيتو كورليون» كاد أن يقوم به الممثل الشهير أرنست بورغناين، الذي كان من أصل إيطالي فعلا، إلا أن براندو كان النجم الأول في عالم السينما آنذاك. كما كان طوال الوقت يتكلم لغة إنكليزية جميلة خلت من الأخطاء اللغوية، وكأنه ذو تعليم راق، وهذا مخالف لما هو معروف عن رجال العصابات الأمريكية، لأنهم يمتازون بمستوى تعليم متواضع، ولا تحترم لغتهم القواعد اللغوية وتمتلئ بالشتائم. وكان من الواضح أن «فيتو كورليون» شخص فاحش الثراء، ولكن المخرج لم يحاول إظهار مصادر ذلك الثراء الذي أتى من أعمال إجرامية شنيعة، مثل الدعارة والقتل والإتاوات والتهريب وإدارة محلات المقامرة وغير ذلك. أما بالنسبة لجيمس كان الذي مثل دور الابن الأكبر «سوني»، فقد كانت المشكلة مختلفة لأنه نجح تماما في تمثيل دور الشاب العنيف والمتهور، إلا أنه لم يبد إيطاليا.
وإذا أبهر الفيلم المشاهدين بمظهر «فيتو كورليون» وهو يحاول جاهدا مساعدة الناس ومن يطلب مساعدته، وكأنه رجل عاش حياته من أجل المجتمع، بل إنه بدا كملك يحاول المستحيل من أجل إسعاد الرعية، فإن هذا التقليد ليس سوى خرافة من اختلاق مؤلف القصة، لأن زعماء العصابات في أمريكا أو غيرها ليست لديهم مثل هذه العادة الكريمة، ومن يطلب مساعدتهم يتحول إلى عبد لهم، وعليه أن يساعدهم في إجرامهم. وبالنسبة للابن الأصغر «مايكل كورليون» آل باتشينو فقد ظهر في الفيلم كخريج جامعة في علم الرياضيات وكان قد تطوع في سلاح مشاة البحرية في الحرب العالمية الثانية خدمة لبلاده، ومع ذلك فإنه زعيم عصابة متوحشة، أي أنه المجرم الوطني المتعلم المحب لبلاده. وهذه خرافة أخرى من اختلاق المؤلف. إن أهم جانب في الفيلم هو الصراع بين عصابة كورليون بزعامة مايكل كورليون ضد العصابات المنافسة. وهو صراع امتاز بوحشية بالغة ولكن مع ذلك فإن الفيلم يُظهر «فيتو كورليون» وابنه «مايكل» أناسا بمنتهى الأدب واللطافة، ويحاول دفع المشاهد للتعاطف مع عصابة كورليون وكأنهم خيرون وأصحاب حق، على الرغم من أن متابعة الفيلم عن كثب تظهر الحقيقة وهي أن جميع الأطراف متساوية في الوحشية والأهداف والإجرام، ومن الواضح أنهم مستعدون أن يفعلوا ما لا يخطر على البال من أعمال إجرامية لتحقيق رغباتهم.
كواليس الجوائز
حاز الفيلم ثلاث جوائز أوسكار، وكانت لأفضل ممثل رئيسي مارلون براندو، وأفضل مخرج فرانسيس فورد كوبولا، وأفضل سيناريو فرانسيس فورد كوبولا وماريو بوزو. وكاد أن يحوز جائزة أوسكار رابعة للموسيقى إلا أن أحدهم اكتشف أن بعض أجزاء الموسيقى كانت مأخوذة من فيلم سابق للملحن نفسه الإيطالي نينو روتا، فسُحِبَ ترشيح الفيلم لهذا السبب. وقد رفض مارلون براندو حضور حفل توزيع جوائز الأوسكار، وكذلك استلام جائزة الأوسكار لأفضل ممثل رئيسي، احتجاجا لسوء المعاملة التي يتلقاها الهنود الحمر في الولايات المتحدة الأمريكية. وقاطع الحفل كذلك آل باتشينو، ولكن لسبب مختلف تماما، حيث أنه غضب لترشيحه لجائزة ألأوسكار لأفضل ممثل ثانوي على الرغم من أنه ظهر في الفيلم أكثر من مارلون براندو، ولذلك فقد كان يطمع بجائزة ألأوسكار لأفضل ممثل رئيسي.
«العراب» والسينما الأمريكية
بدأ فيلم «العراب» نهجا جديدا في عالم السينما الأمريكية، فقد توالت الأفلام الأمريكية عن عصابات المافيا الإيطالية في الولايات المتحدة، واشتهر الكثير منها مثل «رجال جيدون» و»كازينو» اللذين كانا من بطولة روبرت دي نيرو الذي مثل في الجزء الثاني من فيلم «العراب»، وقد بلغ عدد الأفلام السينمائية عن المافيا الأيطالية في السنوات التسع التي تلت «العراب» حوالي الثلاثمئة، بل إن أفلاما فكاهية عن عصابات المافيا اشتهرت كذلك. ومثل مارلون براندو دورا فكاهيا مقتبسا بعض الشيء من قصة فيلم «العراب». وساهمت هذه الأفلام بشكل كبير في ترسيخ أسطورة العلاقة الحميمة بين المواطنين الأمريكان من أصول إيطالية وعالم الإجرام إلى درجة جعلت الكثيرين يعتقدون أن أغلبية الأيطاليين في الولايات المتحدة لديهم علاقة بعالم الإجرام، وهذا بالطبع غير صحيح. وقد أثار هذا الاعتقاد حفيظة الكثير من الأمريكان من أصول إيطالية واحتجوا عام 2004 ضد قرار الحكومة الإيطالية التي كانت برئاسة برلسكوني لمنح روبرت دي نيرو جنسية فخرية لخدماته تجاه إيطاليا. وقد قال المحتجون إن كل ما فعله روبرت دي نيرو كان ترسيخ فكرة انتماء كل الإيطاليين لعصابات المافيا، وهذا شيء مهين وبعيد جدا عن الحقيقة، إلا أن الحكومة الإيطالية منحته الجنسية الفخرية، على الرغم من ذلك الاحتجاج.
الوقائع التاريخية للمافيا
وعلى عكس ما يعتقده الكثيرون فإن المافيا الإيطالية لم تكن الأقدم أو الوحيدة في الولايات المتحدة. فقد بدأت بوادر العصابات المنظمة في أوائل القرن التاسع عشر على يد المهاجرين الأيرلنديين، وكانت أشهر عصاباتهم في نيويورك تدعى «الأرانب الميتة»، وقد امتازت باشتراك العنصر النسائي في اشتباكاتها مع العصابات المنافسة، وأشهرها «قطة الجحيم ماجي» التي كانت قد حددت أسنانها بشكل مسنن وتحمل قبضة معدنية في يدها دائما وكان من شروط الانضمام أحيانا أن يكون المرشح قد قتل شخصا واحدا على الأقل. وكانت بعض هذه العصابات تعرض خدماتها بأسعار مختلفة لمن يدفع، فالضربة الواحدة على الوجه كانت تكلف دولارين، وأما قطع الأذن فخمسة عشر دولارا، والأغلى كلفة كان القتل وكان السعر مئة دولار، كانت هذه أسعار نهاية القرن التاسع عشر، فمبلغ مئة دولار يعادل عشرات الآلاف من الدولارات في الوقت الحالي. وبعد ذلك ظهرت العصابات التي أسسها المهاجرون الأوروبيون الشرقيون في أواسط القرن نفسه. أما الإيطاليون فقد أتوا إلى الولايات المتحدة بشكل رئيسي في الربع الأخير من ذلك القرن، نظرا لحاجة الولايات المتحدة الماسة للعمالة الرخيصة بعد الحرب الأهلية الأمريكية وكوّن الإيطاليون عصاباتهم، أشهرها كانت عصابة «النقاط الخمس» التي انضم لها شابان أصبحت لهما شهرة واسعة في عالم الأجرام وهما «آل كابون» و»لوسيانو». حتى أن أفلام السينما الأمريكية الأولى كانت عن العصابات الأيرلندية عموما، وكانت تلمح إلى أن هذه العصابات تكونت من المهاجرين، ورغم ذلك لم يرتبط الأيرلنديون بعالم الإجرام في مخيلة الجمهور. ولا تزال العصابات الأيرلندية موجودة حتى الآن بقوة وأشهر زعمائها وايتي بولجر الذي كان موضوع فيلم شهير عام 2015 من تمثيل الممثل الأمريكي جوني ديب.
وتنوعت جنسيات العصابات فهناك العصابات الصينية والروسية والألبانية والإفريقية والأمريكية والتركية وكثيرة غيرها. ولكن سيبقى الإيطاليون للأسف الأكثر حضورا في مخيلة الجمهور في عالم الإجرام. ومما هو جدير بالذكر أن أكثر المعجبين بالفيلم كانوا رجال العصابات الإيطالية (المافيا) أنفسهم في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث اعتبروه دعاية كبيرة لهم. وقال أحد مشاهير المافيا إنه بعد أن شاهد مارلون براندو في الفيلم أخذ يتكلم مثله، أي بلغة إنكليزية سليمة.