إن الخط العربي يتجاوز كونه وسيلة لقراءة الكلمة والعبارة، إلى كونه فنا يعبر عن حضارة عريقة امتدت آثارها على كل الحضارات العالمية، فالخط العربي ارتباطا بالقرآن الكريم له مكانته وقدسيته عند المسلمين.. ومن ذاك المنطلق شهد فن الخط العربي ازدهارا ومسيرة حافلة بالتجويد والابتكار لجماليات متنوعة يقدم بها عبره حاملا ملمحه الصوفي المقدس الجميل.
وقد اتجه ثلة من الخطاطين والمبدعين إلى الإبداع في هذا المجال، فشكلوا تراكما إبداعيا يستحق الإشادة به، كما يستحق المتابعة والدراسة. وفي ما يلي لمحة مختصرة عن فنان وخطاط مغربي معروف داخل وخارج بلده، إنه محمد قرماد.
يعد الفنان محمد قرماد الخطاط الذي ساهم في إبراز جمالية وروعة اللغة العربية، لغة القرآن والعلوم والآداب.. ولقد كرس هذا الفنان حياته للدراسة، وتتبع كلما ما يتعلق بفن الخط العربي، فمكنه ذلك من إضافات نوعية للخط العربي المتميز، الذي يمتاز بقابلية التطوير الإبداعي في إبراز مكامن قوته وجماليته… إنه الإبداع والتفنن في مجال أسمى وأرقى الفنون العربية الإسلامية، إنه الخط العربي المفتوح للعطاءات الإبداعية التي يجود بها كل من يعشق التفنن فيه.
والفنان الخطاط محمد قرماد حمله عشقه الشديد والعميق ليجدَّ في سبيل التنقيب عن أسرار هذا الخط الجميل متحديا كل المتاعب في سبيل البحث عن الجدة والفرادة، التي تشي بها لوحاته الرائعة، فهو بذلك مساهم في الإبانة عن مزايا وروعة الخط العربي.
وقد تجاوز الفنان قرماد الإبداعية في الخط العربي إلى إبداعية الخلفيات التي تحمل روائع خطوطه المتعلقة بالكلمة والحرف العربي، عبر تقنيات الرسم والتشكيل المناسبين والمتناغمين مع تشكيلاته الخطية.. فالفنان مشهور بأعماله التشكيلية المبرزة لسحر وروعة وجمالية الخط العربي بكل أنواعه وتشكيلاته، فأمتع الجمهور العربي، والمغربي بصفة خاصة.. ولوحات قرماد تشكل تموجات وإيقاعات منسابة تحمل سحر اللون وروعة الإيقاع.
وقد شاءت الأقدار أن أكون من بين التشكيليين المشاركين في فعاليات «ملتقى الورود» للفنانين التشكيليين، بمناسبة الدورة الواحدة والخمسين لمهرجان الورود «قلعة مكونة، مايو/أيار 2013. وتم لقائي به، وقد ذكرني باسمه المنقوش في ذاكرتي وأنا أشاهد كتاباته الكرافية في كثير من الجينيراكات التلفزية المغربية.. واستمالني أسلوب هذا الفنان العريق بلوحاته الجميلة التي تعطي للخط العربي أبعادا جمالية تنضاف إلى مهارات سائر الخطاطين في الوطن العربي وغيره.
يعتبر هذا الخطاط العريق الصلة بتجويد الحرف العربي، من الفنانين الذين اشتغلوا كثيرا من أجل إبراز الإمكانات والمتغيرات الفنية التي يمكن أن يظهرها الحرف العربي، عبر التشكيلات اللامتناهية استنادا إلى قواعد مدروسة طبعا.
حين تشاهد لوحاته المتنوعة التشكيلات والتلوينات، تكون أما عالم مزخرف بالكلمات المتعانقة والمتقاطعة أحيانا، من أجل خلق انسجام فني ولوني وشكلي، تعبيرا عن حس فني له علاقة بالحرف والكلمة ومعنى العبارة أو الآية المجسدة على اللوحة… وهكذا تجد في أعماله ذلك التراكب التكويني المتناغم في وحدة فنية إيقاعية، تتقابل فيها هامات الحروف وكأنها حية يحاور بعضها بعضا، إنها تشكيلات بصرية تخاطب الذاكرة وتحفز نحو المداخل الممكنة لقراءتها.. بهذا يشكل التشكيل الحروفي للكلمات من قبل الفنان غموضا يسيرا يضفي التشويق للقراءة من قبل المشاهدين… فالحرف العربي يمتلك دينامية فريدة، مطواعة ومفتوحة للاجتهاد والعطاء الفني، فاتصالها أحيانا وافتراقها أحيانا وسمها بتميز فني رائع، يستطيع كل موهوب أن يبدع فيها أشكالا لامتناهية.
هذه الدينامية تنسجم مع الزخرفة الإسلامية التي تضفي عليها مسحة روحية وفنية رائعة. ولذا قلما نجد لوحة لهذا الخطاط خالية من الزخارف. فالخط العربي مرتبط بالحياة الروحية للمسلمين، علاوة على تضمنه الكثير من كلام الله ورسوله وأمثال وحكم وأشعار بعض المشاهير من الزهاد والمتصوفة وغيرهم. ومن هذا المنطلق يمكن الحديث عن القيمة التعليمية والتربوية لهذا الخط علاوة على قيمته التشكيلية والجمالية.
ففي لوحات الفنان على غرار الكثير من الخطاطين العرب تركيبات كرافيكية مبتكرة، وكل فنان يحاول البحث عن تطويرها قدر المستطاع وقدر المهارة الفنية التي حباها الله إياه. وهذا ما نجده في لوحات الفنان موضوع هذه المقالة.
إنه بارع في اختيار الفضاءات اللونية والزخرفية التي ينتقيها للوحاته، ويعتمد في ذلك على ذائقته وخبرته معا في المجال، يتقن اختيار التدرج اللوني وإضفاء الظلال على جنبات المكتوب، علاوة على الاختيار الإبداعي الرائق لإطارات لوحاته الخطية. كما أنه يجعل خلفيات لوحاته أحيانا تستلهم جوانب من الحضارة المعمارية المغربية، ويتمثل ذلك في لجوئه في أكثر من لوحة إلى تجسيد الفسيفساء المعروف كزخرفة للمساجد والقبب المغربية في المدن وفي القرى. والعلة في ذلك – في اعتقادنا – التداخل بين آيات القرآن الكريم (المجسدة غالبا في اللوحات) والمسجد بجماليته وقدسيته، باعتباره البيت الذي يتلى فيه كتاب الله تعإلى كل يوم.
فالزخرفة العربية الإسلامية تجدها في المسجد واللوحة الخطية الفنية، وبذلك يصير الخط العربي عبادة، فكل لوحة تجعلك أكثر قربا من كلام الله تعإلى، وكل لوحة تجعلك تستلهم عظمة اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم.
والحال أن ارتباط المسلم وتعلقه بالجمال في الملبس والمأكل والتعبد، يمتد به إلى الاهتمام بالفنون في الحدود المشروعة في الإسلام، ويتجلى ذلك بالخصوص في فن الزخرفة والخط العربي بكل أنواعه وأشكاله، وفي ذلك ارتقاء بالأذواق وتهذيبها بغية تنمية الإحساس بالجمالية في الموجودات والكون والمحيط.
وفي ذلك تنشيط للذاكرة الإبداعية المتصلة بالنص القرآني أو الحديثي، وكل قول له رفعته وقيمته في التراث العربي الإسلامي… وقد تنوع هذا الخط وتطور وفق تجدد الرؤى، ووفق ذائقة المبدع التي يؤطرها البعد الثقافي العربي الإسلامي. ونجد هذا البعد التراثي والثقافي والروحي في لوحات الفنان المغربي محمد قرماد، وغيره من الذي اختاروا الاشتغال على هذا الفن الرائع الجميل. وهكذا ستظل أعمال محمد قرماد الإبداعية الكرافيكية الرائعة منبعا ومدرسة لكل الموهوبين الذي يرغبون في تطوير مهاراتهم ورؤاهم الإبداعية في هذا الفن الجميل.
هامش :
ـ نبذة مختصرة جدا من الحياة الفنية والإبداعية لمحمد قرماد:
هو خطاط وفنان تشكيلي مغربي، من مواليد 1950، أستاذ في كلية الآداب للخط والفنون الكرافيكية، من خريجي المعهد المتخصص في مجال الفنون الكرافيكية والخدع السينمائية. حصل على إجازة في الخط العربي من العراق، كما حصل على الجائزة الشرفية للخطاطين الصينيين، نال الجائزة الشرفية الدولية للخطوط في بكين، التحق بالإذاعة والتلفزة المغربية سنة 1969، وساهم في تأسيس وحدة الكرافيزم بها، أقام معارض متنوعة للخط العربي في المغرب وخارجه.
كاتب وتشكيلي مغربي
لحسن ملواني