قراءة في «أصفع وجه السماء وأمضي» للشاعر خالد الحروب: اعترافاتٌ بالحنين المزمن وانحيازٌ للقضايا العادلة

حجم الخط
0

هل الشعر فطرة الشاعر أم بذرته؟ هل هو سره الذي شاع، أم مشاعه الذي يحاول عبثاً كتمانه، فلا يستجيب؟
هل هو ضوءٌ، أم عتمة؟
سؤالٌ، أم جواب؟
سيلٌ من القول، أم سد في وجه العبث؟
في كل مرة أقرأ فيها لشاعرٍ أو شاعرة ما، يذهلني بذخ اللغة، وقدرتها على التلون والتشكل والانصياع، وتذهلني أكثر قدرتها على الخديعة، وأكثر من ذلك، انحيازها لصاحبها وشرحه دون ادعاء. فما في الشعر هو ما في صاحبه، وما في البئر ماء صاحبه.
وهكذا، لا ينجو شاعر من الشعر، لا من لعناته، ولا هواجسه، لا ينجو من التوحش بقدر ما لا ينجو من الرقة. وفي كل مرة قدمتُ فيها كاتباً أو شاعراً، كان صديقاً، وكان بإمكاني أن أرى الأثر، أصدقائي الشعراء يتراوحون بين الجنون والصحو، وبين المس والتوحد، وبين الفقر إلى الشعر والاغتناء به.
اليوم أقدم شاعراً لا أعرفه، أقرأه بلا انحياز أو تقمص، بلا إمكانية للعثور عليه في مكان ما من النص، وبلا إمكانية لفهم ما لا لم يقله، قبل إدراك ما يقوله أو بعده، وأقرأه بعشرات الأسئلة التي امتلأت بها ولن أجد لها جواباً، إلا بقدر ما تتيح القراءة لقارئ من هامش للفهم والشعور، وهكذا استعنت بالسيد غوغل، وبالصديق سامح خضر لأتعرف إلى خالد الحروب.
في الوقت الذي تنحاز فيه القصيدة العربية الحديثة إلى الخاص، ينحاز شعر خالد الحروب إلى العام، وبقدر ما ينحاز الشعراء، الذين ينتمون إلى الجيل الشاب أو قبله بقليل، إلى ذواتهم، ينحاز خالد الحروب إلى ذوات الآخرين، وإلى ذاته أحياناً من خلال الآخرين. هذا شعرٌ غيري ولو حضرت فيه الأنا بلفظها، همومه ليست هموماً فردية إلا عندما يشتبك العام بالخاص.
في هذه المجموعة الشعرية «أصفع وجه السماء وأمضي»، أماكن كثيرة، ومدنٌ تتوزع على خريطة العالم، وحضور كثيف للوطن الأم. هذه الأماكن لا تظهر عشوائياً، إنما هي صلب هذا العمل الأدبي وهاجسه الأول، حتى أكاد أقول إنه منشغلٌ بالهم الجمعي العربي والقومي، ماضيه وحاضره، ومنشغل بالقضايا العادلة ووحدة الأديان والحاجة إلى الإيمان بعدالة القضية والدفاع عنها. هذه الكتاب ملّح في سؤال المكان، أو في الإجابة عليه، وربما كان هذا الإلحاح وليد الشتات والشعور الأزلي بالفقد، فالشاعر يعرف مكانه ولا يجده إلا لماماً، ويعرف عروبته ولا يطمئن عليها أبداً، ويعرف أصله وجذره، ويمسكه من يده وهو يتجول حول العالم مطمئناً إلى عمق جذره، ولكن مع لمحة تراجيدية تقول إنه مهدد وموغل في الحسرة والارتباك. ففي قصيدة «يد النادلة، ووجه أبي» اعتراف صريح بالحنين والعجز أمام لغة الجغرافيا والعالم الحديث، واعتراف بالحزن المتأصل، وربما، بانفصام البعيد وغربته الدائمة، رغم كل ما يتيحه اتساع العالم من احتمالات وجماليات، التي تظل مجرد هالات فارغة طالما أن الشاعر لا يعيش انتماءه بشكل يومي.
وفي اتجاه آخر، لا يزال الشاعر يسكن في فكرة الثورة، أو زمنها الافتراضي، وأعني هنا زمن الثورة الفلسطينية والتضحية، بشكلها التراجيدي والبطولي، وبالرومانسية ذاتها التي كرست مفهوم البطل الذي لا يُقهر، والبطل الذي لا يعود، وترفض نزوله إلى رتبة البشر العاديين الذين قد تمنحهم الحياة فرصة جديدة، ولكن الشعوب الأنانية تريد بطلها غائباً وموغلاً في الرمزية والغموض والبطولة. هذه الرؤية المرتبكة للمكان لا بد أن أقول إنها أربكت اللغة الشعرية وحمّلتها، في الكثير من المواطن، ما لا تحتمل، كما أن انشغال الشاعر في هموم كبيرة جعلته ينشغل عن الشعر أحياناً أثناء كتابة الشعر، وجاء الاستخدام المكثف للأسماء والفلاسفة والشخصيات التاريخية ليجعل القصائد بعيدة عن الخفة، وعالية الحمولة إلى درجة تقصم الظهر أحياناً، وأنا لا أقول إن على الشعر أن يتخفف من التاريخ أو الجغرافيا أو الهم العام، ولكنني أقول إن خالد الحروب يصفو تماماً ويمنحنا جمالاً هائلاً عندما يتخفف من أثر الأيديولوجيا والسياسة والمعرفة العالية، ويقترب من ذاته الممزقة والمتألمة، ويعطينا نصوصاً تلمع، وهنا أقرأ نصاً قصيراً بعنوان «رصاص عاجر»: يقول خالد:
لا يخترق الرصاص اللحن الأعزل
يمرق عبره
ثم يسقط على الأرض خاوياً مهزوماً،
يظل اللحن صاعداً في السماء غير آبهٍ
جميلاً بلا خدوش.
وفي نص آخر بعنوان «نرد السماء» يقول:
في طريق البحر
وعند رموش المجدل، أنتظر
يهدهدني جاد كنعان
يمسح جبيني بحزن البحر
يقول: رميت نردكم في السماء
ولما يمطر بعد
حتى أنا، يقول جاد، ما زلت أنتظر.

لا يمكن تجاهل النساء في شعر خالد الحروب، فهن كثيرات، جميلات، صغيرات، كبيرات، متألمات دائماً. هذا الشاعر يدرك حاجته للأنثى القريبة والبعيدة، كما يدرك حاجته للفن والموسيقى والجمال والحب، ويدرك أكثر أن للأسى وجوها كثيرة وأسباب هائلة لا تمحوها إلا يد الحبيبة، وأن هذا العالم الواسع يبدأ عند قدميها على شاطئ البحر وينتهي عندهما. عندما يحب خالد الحروب يشف ويتكثف ويصير أقدر على الانكشاف والوضوح، ولا يكتفي بالقول، وإنما يذيل قصائده برومانسية عالية، في إعلان عن وحدته مع العالم بلا وسائط، وفي انفلات من سطوة الأماكن، وانصياعاً للشفافية التي تفرضها الحالة الشعورية متناسية أطلس العالم، فيكتب عن الحب من السماء والبحر والواد، أو ينسى تماماً مكانه على الخريطة، فيترك الحب يقول ما يقول بدون حاجة لإثبات الوجود، فالحب يكفي كهوية وجودية وشعرية.
يقول خالد:
تعالي نطمئن الأجنحة الخائفة
لن نضرب عصفورتين بحجر واحد
بل نبوس العصفورتين بحض واحد.
ويقول:
سيد الرمل
ورب الكبرياء أنا
فكيف يغشاني كل هذا الارتباك
لحظة تضحكين؟
وبالعودة إلى ما بدأت به، وبالمعرفة السريعة التي اطلعت خلالها على شاعرنا، وعلى خلفيته الأكاديمية والثقافية والمعرفية، وبالنظر في واحد من إصداراته الشعرية، التي ربما تحمل سماتٍ عامة لما يريد خالد الحروب أن يقوله شعراً، بعد هذا أسأل بابتسامة لا تخلو من الشعور بالانتصار:
هل الشعر علو المثقف على المعرفة صعوداً نحو شيء ما؟ أم أن الثقافة علو الشاعر على الشعر؟ أيهما يبدأ أولاً في الشاعر المثقف؟ وأيهما يسرق الآخر من نفسه؟ أينفصلان، يتحدان، يتبدلان، يلعبان معاً، ربما، لعبة الأدوار؟
ما هذه الحاجة إلى الشعر؟ وما الذي يدفع دكتوراً وحاملاً لكل هذه الشهادات الأكاديمية، أن ينحاز في النهاية إلى الشعر؟ ما الذي يمنحه الشعر ولا تمنحه المعرفة؟ أو الأصح، ما الذي يأخذه الشعر ويشربه ويطوّح به، ولا تستطيع المعرفة عليه؟ لماذا يحتاج خالد الحروب إلى الشعر في نهاية المطاف؟ هذا سؤال ربما على شاعرنا أن يجيب عليه، أما عني أنا فأقول: نحن ناقصون بلا شعر، فقراء بلا ادعاءاته وجنونه والركض خلفه. إنه حاجتنا لأن نقول بدون أن ندري ماذا نريد أن نقول، وهو جدارنا الاستنادي في وجه بهتان الحياة، وهو القشعريرة الدائمة التي نحتاجها لإدراك معنى الحياة، وهو امتلاء بشيء ما خفي لم أجد له اسماً بعد.

٭ كاتبة فلسطينية

قراءة في «أصفع وجه السماء وأمضي» للشاعر خالد الحروب: اعترافاتٌ بالحنين المزمن وانحيازٌ للقضايا العادلة

هلا الشروف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية