قراءة في «الخيال وشعريات المتخيل» للمغربي محمد الديهاجي: القوة التخييلية وصورة الشعر… علاقة انتماء وانجاز

صدر العدد الجديد من «المجلة العربية» هذا الشهر مرفقا بكتاب تحت عنوان «الخيال وشعريات المتخيل» تأليف محمد الديهاجي.
جاء الكتاب في 107 صفحة من الحجم المتوسط، وفي طبعة أنيقة جميلة، ويتناول موضوعا له علاقة وطيدة بعنصر ملازم للإبداع والشعر بصفة خاصة، ويتعلق بالخيال والتخيل في المنجز الشعري. وفي الكتاب مقدمة وفصلان، الأول بعنوان «في الخيال الشعري» تناول فيه الخيال من المنظور الفلسفي، والخطاب الصوفي والخيال الخلاق، والتخييل في الدرس البلاغي والنقدي العربي القديم، والخيال عند الرومانسيين، وشعريات المتخيل والامتدادات الظاهراتية في الفلسفة المعاصرة .
أما القسم الثاني فتعلق بـ»الشعرية العربية بين الصورة والخيال وتناول فيه قضايا محددة في مفهوم الصورة الشعرية، والعلاقة بين الصورة الشعرية والخيال، والصورة الشعرية بين القديم والحديث، ونظرات في المتخيل الشعري المغربي المعاصر.
الكتاب غني ومركز يجول بالقارئ في قضايا ومفاهيم لها صلة بالمنجز الشعري في علاقته بالخيال في ظل الفلسفة والدين والتصوف.. ويعتبر الكاتب أن أرسطو أول من أعاد الاعتبار للشاعر والمخيلة عبر تصوراته للمحاكاة.. كما أنه الذي اعترف لصاحب الملكة المتخيلة، بالقدر اللائق به، فالخيال ملكة تستطيع الجمع بين الصور، وربط بين الخيال والوهم، إذ الشاعر حسب اعتقاده حين يحلق في عوالم الغرابة والمضايق المبهمة إنما يخرج من دائرة المحاكي إلى دائرة المغلط والمُوهم، وبهذا يلمح إلى قياس منزلة المتخيل بدرجة الصدق والكذب ..» والحاصل أن المنظور الأرسطي للتخييل لا يمكن الوقوف عنده إلا بالنظر إليه على أنه نابع من تصور أرسطو للفن في إطار ما يطلق عليه نظرية المحاكاة، ومن ثم فإن الطابع التجريدي الذي صبغ المفهوم راجع بالأساس إلى التكثيف النظري للفعالية الإبداعية وإرجاعها إلى مبدأ مركزي في الخطاب الأرسطي هو المحاكاة التي فسرت الإبداع على مستويي الإنتاج والتقبل» ص 15.
أما موقف الفلاسفة العرب والمسلمين من الخيال فقد خلص الكاتب إلى أن القوة التخييلية هي دون مستوى العقل الصارم ونسقيته المنضبطة، في محاولة استكشاف حقيقة هذا الوجود ودوائرها، وهذه النظرة الضيقة والمتحفظة تجاه التخييل والشعر من شأنها أن تنتزع منه دوره المعرفي لتحصره في إثارة الانفعال في النفوس فحسب.
وعن الخطاب الصوفي والخيال الخلاق يرى الكاتب أنه «في مقابل النزوع العقلاني الصرف للفلسفة الإسلامية، نجد من الصوفيين، من حاول سبر أغوار الذات بغية القبض على بعض دوائر حقيقة هذا الوجود، التي لا يمكن للعقل وحده أن يقبض عليها بصفة شمولية. «إن المتصوفة العرب يؤكدون على أن المطلق مفتوح، إذ الممكنات لا تتناهى في نظر ابن عربي والأخيلة والفنون تكميل ينقص الوجود» ص 19. وبلاغة الخيال الخلاق الصوفي ليست بلاغة وجودية عضوية وجسدية حيوية تنتقل بنا «من الوضوح إلى قانون التحول والاندماج بين عناصر الوجود الذاتي والموضوعي العيني والمتعالي إلى حال الترميز الكلي الشامل…» ص23.
وبصدد التخييل عند البلاغيين والنقاد العرب القدامى، ركز الكاتب على كل من الجرجاني الذي يبدو أنه يتردد في اتخاذ موقف صريح بخصوص عملية التخييل لانتمائه المذهبي والعقدي، وحازم القرطاجني الذي يعتبر أول من أدخل نظريات أرسطو وتعرض لتطبيقها في كتب العربية الخالصة. ومع الرومانسيين سيصير الخيال متمردا على ديكتاتورية العقل ليتحول بذلك الى مقاربة جمالية تقاس بعملية إدراك الحقائق الغائرة في هيولى الوجود، وهي بذلك تتقاطع بشكل كبير مع الخطاب الصوفي ومقاربته للإبداع والمعرفة بشكل عام.
وفي الفصل ذاته تناول الكاتب، بتحليل رصين الخيال من المنظور الفينولوجي والخيال واستراتيجة القصد (هرسل)، والامتداد الظاهراتي والخيال (سارتر)، والخيال والتأويلية (ريكور)…لينتقل بنا إلى الفصل الثاني، حيث أفرد بحثه للشعرية العربية بين الصورة والخيال، وهنا تناول الكاتب مفهوم الصورة الشعرية وطبيعتها ومكوناتها، فهي «التحقق الشعري الساحر في فضاء الخيال الرحب من خلال تحريك وتشغيل آليات البناء في الذهن والنفس معا عند المبدع، قصد إنجاز صورة شعرية تدهش المتلقي وتؤثر فيه»، وهي «عمل ذهني يتجاوز حضورها وموضوعها، كما هو الحال بالنسبة لصورة اللفظة».
وانطلاقا من ذلك فالصورة الشعرية هي محاولة تكثيف وجداني للتجربة الوجودية بلغة إيحائية تحقيقا للفعل والقول الشعريين، ولذا فالصورة عمل ذهني خالص ينقل عقدة معينة من التجربة الوجودية في لحظة رمزية محضة، مما يجعل الصورة الشعرية تعبيرا عن تركيبة نفسية نابعة من تفاعل الذات مع التجارب الإنسانية توخيا لإعادة بناء سيكولوجية الذات الشاعرة. وبذلك تؤدي الصورة الشعرية وظيفتين: الأولى تؤديها على المستوى النفسي والثانية على المستوى الدلالي عبر تفجيرها لعدد من الدلالات المختلفة.
وفي المحور ذاته تناول الكاتب طبيعة علاقة الصورة بالخيال، وأشار إلى أن العلاقة بينهما علاقة الانتماء والتحقق والإنجاز، ليصبح بذلك الخيال عالم الصورة المبتكرة، والخيال الشعري، حينما يبدع الصورة الشعرية ويخترعها، إنما هو في هذه الحالة ينتقل من التخيل الاسترجاعي الذي ينبني على تذكر الصورة الماضية، إلى التخيل الإبداعي أو الاختراعي الذي يؤسس صورا شعرية جديدة لتجاوز كل ما هو معطى ونمطي إلى كل ما هو جديد ومتفرد» ص 70 .
وقد استتبع الكاتب ذلك بالحديث عن الصورة بين القديم والحديث ليفصل في موقف البلاغيين القدماء من التشبيه والاستعارة والمجاز ليختم كتابه الشيق بالحديث عن المتخيل الشعري المغربي المعاصر، من حيث موقعه بين الحداثة والمعاصرة، وفي علاقته بالوجودية والوعي المأساوي والاستعارة والديالوغية مشتغلا على نصوص حدد عبرها مرجعيات تتحكم في استعارات مختلفة ومنها المرجعية الانفعالية والطبيعية والتاريخية والزمنية، لينتهي به التحليل إلى أن الصورة الشعرية في المتن الشعري المغربي المعاصر استلهمت عناصرها من روح العصر الذي تنتمي إليه، في تفاعل مع باقي العناصر الأخرى داخل النص المجازي استجابة وإدراكا للأسئلة الشعرية الجديدة التي طرحت نفسها بإلحاح شديد.
بعد تحليلات الباحث «هل استطاعت البويطيقا العربية الانعتاق والتحرر فعلا، خصوصا بعد الهزات الإمبريقية التي فجرت جل إمكانات التخييل مع فلسفات الحداثة وما بعد الحداثة؟»، سؤال ختم به الكاتب كتابه الذي يستحق أكثر من قراءة لغناه المضموني المقدم بتصميم محكم، وأسلوب سلس جميل.

ـ «الخيال وشعريات المتخيل» تأليف د.محمد الديهاجي . كتاب مرفق* بـ«المجلة العربية» العدد 465 شوال 1436 هـ ـ أغسطس 2015

كاتب مغربي

لحسن ملواني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية