قراءة في خطاب السيسي و«غزوته» لنيويورك

حجم الخط
6

في زيارته الاولى لمقر الامم المتحدة، القى الرئيس عبد الفتاح السيسي خطابا في افتتاح الدورة التاسعة والستين للجمعية العمومية، يحتاج الى قراءة متأنية، حيث كان واضحا انه كتب بعناية فائقة ليعبر عن التوجهات والمعالم الرئيسية لسياسات الدولة المصرية.
اما من ناحية الشكل، فمن الواضح ان الاداء الخطابي شهد تحسنا كبيرا مقارنة بالخطاب الشهير الذي ألقاه في قصر القبة الرئاسي يوم ادائه للقسم، قبل نحو مئة يوم. وهو ما يشير الى انه ربما تلقى نوعا من «التدريب المتخصص» او (coaching)، كما اقترحنا عليه في حينه، وعلى اي حال فان هذا ما يفعله اغلب السياسيين المحترفين في الغرب. وان كان مازال عليه ان يقوم بالمزيد من جهة طريقة مواجهة اسئلة الصحافيين الاجانب، بالاضافة الى المزيد من العمل على اتقان اللغتين العربية والانكليزية. الا ان الخطاب كان قويا، ويعبر عن ثقة واسعة، وتوجته نهاية حماسية عندما ختمه بالقول «تحيا مصر وتحيا الشعوب المحبة للسلام والتسامح»، وهي الرسالة الصحيحة التي يحتاج العرب الى توجيهها الى العالم، في ظل تصاعد الهجمات الارهابية. وأدت حالة الاستنفار من احتمال مواجهة مظاهرات معارضة الى تظاهر عدد من المؤيدين للرئيس في نيويورك، وهو ما دعا احد «المناضلين» القدامى الذين تفرغوا لـ»مغازلة» العهد الجديد الى اطلاق تعبير «غزوة نيويورك» على الزيارة، وهي تسمية غير موفقة، اذ انها نفسها التي اطلقها اسامة بن لادن على هجمات سبتمبر الارهابية عام 2001.
اما من ناحية الموضوع، فثمة محطات مهمة يجب التوقف عندها، سواء على الصعيد الداخلي او الخارجي:
اولا- بالنسبة للعلاقة مع جماعة «الاخوان»، جاء خطاب السيسي «هجوميا» اذ وصفها بـ»قوى التطرف والظلام، التى ما لبثت أن وصلت إلى الحكم ، حتى قوضت أسس العملية الديمقراطية ودولة المؤسسات، وسعت إلى فرض حالة من الاستقطاب لشق وحدة الشعب وصفه»، ثم حاول الاستفادة من حالة الزخم التي يشهدها العالم حاليا ضد تنظيم «داعش» الارهابي، فقال «ولعل ما تشهده المنطقة حالياً ، من تصاعد التطرف والعنف باسم الدين، يمثل دليلاً على الأهداف الحقيقية لتلك الجماعات التي تستغل الدين».
وغابت عن خطاب السيسي لهجة المصالحة التي ظهرت في حوارات مع وسائل اعلامية امريكية، وتحدث فيـــها عن امكانية «مشاركة الاخوان سياسيا بشرط نبذ العنف والاعتذار للمصــــريين»، وهو ما يثــــير اسئلة بشـــأن كافة مشاريع المصالحة. وكان من الاولى ان يتضمن الخطاب الذي تحدث عن «دولة تحترم الحـــقوق والحريات وتؤدي الواجبات، تضمن العيـــش المشـــترك لمواطنيـــها بدون إقصاء أو تميـــيز» ان يؤكـــد هذا بالنسبة لكافة المواطنين في اطار القانون والدستور، خاصة ان هذا تحديدا ما كان كثيرون في الغرب يودون سماعه.
ثانيا – بالنسبة الى محاربة الارهاب: نجح الخطاب في شرح السياسة المصرية التي تقوم على ان الخطر الارهابي انما هو خطر كوني واستراتيجي، وبالتالي لا يمكن الا مواجهته باستراتيجية كونية شاملة لا تقتصر على تنظيم ارهابي واحد، ولا وسيلة واحدة كشن حرب عسكرية، بل يجب ان تشمل منع التمويل. كما انه اشار الى المرجعية الاممية وليس الامريكية لمحاربة الارهاب، اذ قال «يجب تكثيف التعاون والتنسيق لتجفيف منابع الدعم الذي يتيح للتنظيمات الإرهابية مواصلة جرائمها، إعمالاً لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة وتحقيقاً لأهدافها». ويبدو ان هذه البعد اصبح يلقى انصاتا على الساحة الدولية، كما ظهر ذلك في تصريحات لرؤساء عدد من الدول، ومن بينهم الفرنسي فرانسوا اولاند والامريكي باراك اوباما.
ثالثا- بالنسبة لموقف مصر من الازمة السورية: صيغت كلمات الخطاب بحرص شديد وصل احيانا الى الابهام، وكأنه يريد ان يسير على خط دقيق بين معسكرين معروفين، فقال «وما خلفته الأزمة السورية من دمار وضحايا أبرياء، فإنني أثق في إمكانية وضع إطار سياسي، يكفل تحقيق تطلعات شعبها، وبلا مهادنة للإرهاب أو استنساخ لأوضاع تمردَ السوريون عليها.. وأود أن أؤكد، دعم مصر لتطلعات الشعب السوري في حياة آمنة، تضمن استقرار سوريا وتصون سلامتها الإقليمية، ووحدة شعبها وأراضيها». واذا كان هناك من اجتهاد لترجمة ما بين السطور، فان مصر لا ترى حلا عسكريا للصراع، بل اطارا سياسيا فقط، لا يسمح بتفتت سوريا وسيطرة الجماعات الارهابية عليها بدل النظام، لكنه في الوقت نفسه، لا يسمح بعودة «الاوضاع التي تمرد عليها» السوريون، وبكلمات اخرى ان يحدث «تغيير في النظام» بدلا من «تغيير النظام»، وهو ما يجب ان يكون محلا للتفاوض بعد انتهاء الحملة الجوية. وربما يكون هذا الموقف احد الاسباب الرئيسية التي جعلت مصر تتحفظ عن المشاركة في الغارات الامريكية العربية داخل الاراضي السورية. ويختلف هذا الموقف بوضوح عن الموقفين السعودي والامريكي تجاه سوريا، وهو ما يؤكد هامشا من الاستقلالية، لا يمكن انكاره في سياسة مصر الخارجية.
رابعا- الموقف من ليبيا: حاول السيسي لفت انتباه العالم المنشغل بـ»داعش»، الى «دواعش اخرى» لا تقل بشاعة في ليبيا، وقد تكون اكثر خطورة بالنسبة الى مصر. واشار الى حل قدمته المبادرة التي تبنتها مجموعة «جوار ليبيا» واكد انه «يسمح بالوصول إلى حل سياسي شامل، يضمن وقف الاقتتال ويحفظ وحدة الأراضي الليبية، وحتى يمكن تنفيذ ذلك، ينبغي وقف تهريب السلاح إلى ليبيا بشكل فعال، وعدم التساهل مع التيارات المتطرفة التي ترفع السلاح، وتلجأ للعنف، ولا تعترف بالعملية الديمقراطية».
واخيرا فقد وفق الخطاب في تأكيده على ان القضية الفلسطينية، رغم كل الهموم والقضايا، تأتي في مقدمة اولويات الــــدولة المصــــرية وتشديده على حق «الفلسطينيين في اقامة دولتهم المستقلة على الأراضي المحتلة عام 1967، وعاصمتها «القدس الشرقية»، تجسيداً لذات المبادئ التي بُنِيت عليها مسيرة السلام بمبادرة مصرية، منذ سبعينيات القرن الماضي، وهي مبادئ لا تخضع للمساومة وإلا تآكلت أسس السلام الشامل في المنطقة، وضاعت قيم العدالة والإنسانية». وان كان هذا الكلام يحتاج الى أفعال ملموسة تجاه التعنت الاسرائيلي.

٭كاتب مصري

خالد الشامي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية