قراءة في ديوان: «جني الغضا» لعبد السلام ناس عبد الكريم

حجم الخط
0

«جني الغضا» هو العنوان الذي اختاره الأديب عبد السلام ناس عبد الكريم لديوانه الشعري الحديث الصادر في تطوان عن مطبعة الخليج العربي تحت إشراف الناشر عبدالهادي بن يسف. والشاعر عبدالسلام معروف بيننا في حقل الكتابة النقدية كباحث متمرس في كشف المعاني الكونية في طيات النصوص التي عودنا على مطالعتها وتدبرها بهمة وصدق وحفاوة موسومة بعمق الشعر وأنفاسه الزكية. ولذا لم نفاجأ بنزول هذا الديوان المقبل إلينا بهيبته الموسومة، بل أننا كنا نتوقعه وننتظر قدومه بشغف وشوق.
هذا الديوان يتشكل من خمسٍ وأربعين قصيدة، يتأرجح معمارها الفني بين الشعر التقليدي الموروث والشعر التفعيلي، الأمر الذي يضفي عليها سمة الأصالة والتجديد معا، ويسبغ عليها – كذلك- شكلا من التنويع. وما يُلفت نظر القارئ أنها تخلو من أي تأريخ يحدد زمن تكوّنها، وإن كان الشاعر يشير في المقدمة إلى أن بعضَها تراكمَ عبر زمن قصي ومتباعد، بينما حضرت أخرى في أزمنة وفترات قريبة من المعيش الراهن، كما أن هذه القصائد تختلف طولا وقصرا.
ومما لا شك فيه أن شعر ناس عبد الكريم في ديوانه هذا جاء صادرا عن وعي نقدي وفكري، وعن مفهوم نظري خاص بالشعر، فهو يفصح من خلال المقدمة النثرية التي تُعدُّ جزءا من الديوان الذي أبى إلا أن يقدمه للقراء بنفسه، وألا يستظل في ذلك بأحد النقاد أو الشعراء، عن الخلفية النقدية والفكرية التي انبنى عليها إبداعه الشعري، وعن رؤيته النظرية للشعر ومذهبه الشعري. فهو يناقش في هذه المقدمة – بجرأة- مجموعة من القضايا النقدية منها ما يمس جوهرَ الشعر، ومنها ما يمس شرطَه المتمثّل في الموهبة والطبع والصدق والإحساس، كما يناقشُ قيمتَه بالنسبة للإنسان وارتباطَه بالذات وتفاعلَه مع الحياة. وهو يرى أن «لحظة الإبداع مهما اتخذت لنفسها من دليل أو وسيلة، ومن سبل وأقنعة، إنما هي لحظةُ تجلٍّ للنفس الإنسانية في إشراقها البدئي المتحررِ من القيودِ وزيفِ الأقنعةِ. ومن ثم كان للفن تلكَ السلطةُ المتمثلةُ في رعايةِ محافلِ البوحِ وتتويجِ لحظاتِ الانكشافِ»(مقدمة الديوان: 4). بالإضافة إلى ذلك أثار – أيضا- قضية شرط الإبداع، فجعله يتمثل في الألم والمعاناة، جرّاء ما تتعرض له الذاتُ من إحباطٍ وتهميشٍ وإقصاء، وأشار إلى أن الإبداع ينبغي أن لا ينحصرَ في كشف الواقع الذي انبثقَ فيه فقط، بل عليه أن يسمو إلى المعاني الإنسانية، ويمتد إلى عمق الواقع الإنساني الكوني في أبعاده التناصية المشرعة.
بيد أن أهم قضية أثيرت في هذه المقدمة هي قضية الارتباط بين الوزن العروضي والشعر، وضرورة التزام الشاعر بقواعد علم العروض العربي. ولعل هذا الرأي يعتبر اليوم تحولا جريئا في مفهوم الشعر أمام انحسار القصيدة التقليدية وما حل بها من أدواء وأعطاب.
وبالعودة إلى قصائد الديوان نلحظ أنها كانت تتراوح – من حيث الشكل- بين النمطين التقليدي والمتجدد، وإن كان الشاعر في أغلبها مشدودا إلى النهج التقليدي. كما نجده يَمزُج في القصيدة الواحدة – على غرار ما قام به السياب في قصيدة «شناشيل ابنة الجلبي» وأدونيس في قصيدة «إسماعيل»- بين النمطين من الشعر كما في قصيدته التي عنونها بـ»نسيج التعب». أضف إلى هذا أنه ضمّن الديوان حوارية شعرية قصيرة أو كما سماها هو نفسه ميلودراما شعرية قصيرة امتدت على مساحة ست ورقات وحملت عنوان «غادة والأمير».
لقد ميَّز الشاعر بين النمطين داخل الديوان بحيث قسّمه إلى قسمين: القسم الأول يحمل عنوان «جني الغضا» وهو الاسم الذي أطلقه على الديوان برمته، ويضم ثلاثين قصيدة من الشعر العمودي. أما القسم الثاني فعنونَه بـ»عري المدى» وهو يضم أربع عشْرة قصيدة تتمرد على النظام الخليلي وتخضع لنظام التفعيلة.
وعلى الرغم من تعدد أغراض الديوان وتنوعها، نلقاها – إذا قمنا بضم هذه الأغراض إلى بعضها بعضا في وشاح شفيف من الأفكار والمشاعر- تحكي في مجموعها حكايةَ إنسانيةً واحدة. إنها حكاية البوحِ الإنساني. ولعل الشعر من أهم الأشكال التعبيرية التي تمتلك القدرة على اجتراح بلاغة البوح، حيث تتسامى الكتابةُ الشعريةُ متحولةً إلى نشيد إنساني طافح بالأحاسيس والرؤى والمواقف، وهو ما يجعل حدوس الذات قادرة على إعادة صياغة ما يعتري هذه الذات من تمزق وتشظٍّ ومعاناةٍ، وما قد يتولد داخلها من أسئلة وجودية وميتافيزيقية حارقة، لتتحول التجربة الشعرية في النهاية إلى حديث نفسٍ تفصحُ عن دواخلها وتبوح بمعاناتها، فيدركُ من خلالها القارئ شخصية الشاعر الذي يفجِّر في نفسه لواعج المعاناة من خلال ما يَنسُج ويُبْدِعُ.
والحديث عن تجربة ناس عبد الكريم الشعرية هو حديث وجداني ينبعُ من نفسِ صاحبه ومن عقله، ومن كل حواسِّه ودواخِله النفسية والفكرية الظاهرة والباطنة. وهي تجربةٌ تَنهلُ من معين الحياة، ومن مُعاناتِه وهمومِه وثقافتِه، ونجده في مجموعة من قصائد هذا الديوان ينصت إلى نبضاتِ نفسِه ومشاعرِه، ولا يلتفت كثيرا إلى ضجيجِ العالم الذي قد يحجب عنه حقائقَ حياتِه الداخلية، وبذلك إنه يستطيع استخراج معانيَ لا تنضُبُ من أحاسيسه ومشاعره الدفينة.
ويلاحظ قارئ ديوان «جني الغضا» أن الشاعر يصدر عن تجربة اغتراب، على الرغم من أنه يعيش بين ظُهراني أهله وذويه، ويتمتع بصحبتهم في ربوع الوطن. إنها غربة الحرف والكلمة واللغة والمكان. وللهروب من تلك الغربة نجده يطوف بنا في ذكريات الماضي أيام الصبا وزمن الشباب، فينبش ما استقر منها في الذاكرة، ويتجسد ذلك في مجموعة من نصوص الديوان التي استقى مادتها الأصلية من تجربته الذاتية، حيث يبدو لنا الشاعر بعد أن ضاق بأشجانه متشوقا إلى زيارة بعض الأماكن الأليفة في مدينته تطوان التي ترعرع فيها ونشأ، كما في قصيدتي «مرابع تطوان» و»صيف مرتيل». أما قصيدة «ذكرت مجدك تطوان» فهي تطفح بالحنين إلى تطوان وأهلها، وشجب ما تعرّضت له معالم المدينة من تشويه:
وتطوان كانت ترتدي حلل المها … وأعطافها تزهو خلال التلال
تميد على أرجاء سهل ومنحدر … يطوقها نهر كقرن الغزال
وتطوان كانت في المدائن زهرة … فأضحت دروبا تحت طيّ النعال
وراحت أراجيل البناء تغلها … وتبدلها حوشا كوشي النصال….(ص58)
هذا وإن تواصلَ الشاعر لم يقتصر فقط على الأماكن الحميمية التي ارتبط بها داخل الوطن، بل نراه يحلق بعيدا ليعانق ترابا آخر ووطنا آخر أحبه كما أحب وطنه وانصهر فيه إلى حد التلاشي، وصوَّر مأساتَه وعذاباتِه. يتمثلُ ذلك في مأساتين عربيتين – وما أكثر المآسي العربية- مأساةِ سوريا وفلسطين. وقد خصص قصيدتين من الديوان لمعانقة القضايا القومية هما: «صدى الرياح» و»رباعية القدس». فنراه في الأولى يقول مصورا عمق المأساة التي حلت بقلب العروبة:
فمالي سلوت اليوم روض الحدائق … وهذا الجدا غمْر وليس برائق
ألا إن ربى الشام أضحت سوانحا … تنير بها الآلام كل المناطق
سرى الهون في القطر السليب بلوعة=تهيل على الحران جمر الصواعق(ص71)
وفي الثانية نراه يتقمص البعد القومي من خلال تجسيد أسطورة الصمود الفلسطيني:
فلسطيني، وأهلي هاهنا قد قُلّدوا … فوق الجَنان وبالضلوع معاولا
والقدس أرضي موطني وأرومتي … وقلاعها منحت صمودي أناملا
لن يفرح المحتل يوما أن يرى … شعبا من العذ ق الخصيب معاضلا .. (ص121)
إذا كان الشاعر ناس عبد الكريم ينهل في القصائد السابقة من معين الذات التي تعاني من طول اغتراب داخل الأنا، فإننا نجده في قصيدة «مناجاة» يبحث عن معين ثرّ يمده بطاقة جديدة في هذه التجربة، يتمثل ذلك في الملمح الصوفي، بحيث سيحلق بنا في أجواء عالية روحانية لأجل التطهر من الخطايا التي هي أصول في سلوك الأنام على حد تعبيره، وسيلتقط برؤيته الدينية وثقافته العرفانية ملامح صوفية مشرقة في مراقي الاعتراف والبوح وتخليق النفس:
أرى الدنيا والأيام تطوي مداها … وليس تراعي الكنهَ شأنَ انتظام
تناغي ظلالا كيفما بات جناها … وتسجي جفول الريح والغمامِ
وأنّ ظلال النور أمّت ربيعا … يبثّ الندى بين المدى والحطامِ…(ص64)
ولا أريد في هذه القراءة العجلى أن أخوض في الدوافع ولا في الخصائص التي اتسم بها هذا المنجز الشعري إلا بالقدر الذي يخدم القراءة، حرصا على عدم تشعب الموضوع، فقد وظف الشاعر في تجربته جملة من الوسائل التعبيرية كاللغة الموحية، والإيقاع المتنوع، والصور الفنية التي شكلت في كثير منها لوحات تصويرية متكاملة، كما وظف إلى جانب ذلك جملة من تقنيات التعبير الحديثة كالتناص والرمز وغير ذلك. وتعد اللغة عند الشاعر وسيلة وغاية في الآن نفسه، لذا يحاول السمو بها في مراقي الجمال والبهاء إلى حد أنها تتجاوز ذاته باعتباره شاعرا، والمدلول الذي يعالجه باعتباره جسدا خارج القصيدة. كما أن المتأمل في ديوان الشاعر ناس عبد الكريم يلحظ أن لغته قوية ناصعة خالية من الشوائب، فالشاعر يعشق لغته ويحفل بها كثيرا، فهو يعدُّ من فئة الشعراء الذين تتوفر لديهم ملكة لغوية عالية تؤهلهم لأن يطوّعوا الألفاظ المعجمية بمرونة ويسر ودون الخروج عن القواعد الصرفية والاشتقاقية والوزنية.
ولا ريب أن ما يميز الشعر الرفيع هو البحث عن التفاصيل، ومحاولة التعمق فيها بأسلوب شاعري، فالشعر كما يقول فولتير:»لا يتألف إلا من تفاصيل جميلة» (طبيعة الشعر: أحمد العزب). غير أن سمة التفصيل التي انماز بها شعر ناس عبد الكريم لم تتساوق مع سمة أخرى يسهم الخيال الشعري في بروزها، وأقصد بذلك سمة التحول والتفاعل الدرامي التي لا نكاد نلحظ حضورها إلا لماما، لاسيما في القسم الأول من الديوان، حيث العوالم تتسم بالسكون والتباطؤ. أما من جانب الإيقاع يبدو الشاعر – على الأرجح – قابضا على ناصيته وملما بأسراره. يتجلى لنا ذلك بوضوح في قدرته على امتطاء البحور الطويلة لاسيما الطويل، وحرصه على توقيع القافية بطريقة تخدم موسيقى الإطار بشكل فعال.
وخلاصة القول، إن»جني الغضا» موسم شعري لم يخلُ قطافه ـ كما يبدو- من الكدّ والجَهد والعناء، فهو يمثل ثمرة مرحلة طويلة من عمر الشاعر الإبداعي، إذ تمكّن الشاعر ـ باقتدار- من استيعاب التجربة وتمثلها والقبض على عناصر الحياة والتوهج فيها، وأن يتوغل في عوالمها القصيّة، ويعبر عنها بعمق وصدق، بحيث تتعدد أبعادهما ليُلامسا لا النفس فحسب، بل الشعر والقارئ أيضا.

باحث وأكاديمي من المغرب

محمد الفهري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية