قراءة في رواية «لأني أسود» للكويتية سعداء الدعاس: إشكالية الصبغة الأقوى في عالم البياض المتسلط

حجم الخط
0

يكرس العنوان «لأني أسود» ـ رواية الكويتية سعداء الدعاس منذ الفصل الأول في الرواية إجابات تشي بإشكالات الحياة التي تحيط باللون الأسود في عالم مشاكس ينظر إلى هذا اللون نظرة دونية تسحق من يتطلع من إفراده نحو انسجام وتوافق، على الرغم من أن هذه الصبغة هي صبغة كامنة في الجين، أي أنها قدر لا فكاك منه :»جئت كجميع أبناء جلدتي بعد أن قررت جيناتي …إني اسود».
والغريب في الأمر أن صبغة السواد التي تظهر كصبغة منحاة في مجتمع الرواية: أفرادها يعاملون معاملة قاسية تنبذهم وتتعالى عليهم الألوان الأخرى، هي في الوقت نفسه تظهر تفوقها وسيادتها في العالم الطبيعي بالاقتران الجنسي، حين تؤكد لونها في الجنين القادم، ومن خلال هذا الإرث الفعال يعامل السواد باعتباره رجسا لا فكاك منه على الأحياء، فهو يملك سطوة السيادة على كافة الألوان ليكون هو اللون الأقوى في عالم الألوان.
وتبدو هذه المفارقة، في عالم الرواية والعالم الواقعي، مفارقة مأساوية ـ ساخرة، فالطبيعة تعطي السواد سيادة وسطوة على الألوان الأخرى، في «النطفة» التي هي مركز نشأة الإنسان، في حين تسعى التجمعات السكانية بألوانها المتعددة إلى طرد هذه الصبغة ووصمها بصفات دونية، كرّسها تاريخ طويل من هذا الطرد منذ البدايات أهمها «أن تكبل حياتك في أحياء لا يسكنها أحد، أن تقنن مشاعرك بنساء لا يخرجن عن حدود هويتك، أن تقبل أن تعرف بالعبد». ويسميه المجتمع بأسماء دونية تميزه عن باقي البشر، كما ورد في رواية «جاهلية « للروائية ليلى الجهني «الكور/العبد/التكروني/الكويحة».
يقول السارد وهو يعي سبب مأساته في مجتمع البياض: «الأسود لوني هل أتمنى ألا يكون لوني؟»..» هل أتشبث بلون يسكن جيناتي أم أتحول إلى مسخ لا لون له؟ هل استخدم ألفاظا تصف «سوادي»؟ أم استبدلها بـ«سمار» لا علاقة لي به «.
ويقول في الصفحات الأخيرة من الرواية «الأسود في الصغر الأمتع حسا والأعذب رفقة لكنه في الكبر سليل تاريخ عبودي يتحول بمعيته إلى «صبي/ خادم» يحتضن دلة القهوة وفناجين لا تشبع «…»وإن أبى الأسود حمل فناجين القهوة فإنه يتحول إلى راقص في الحفلات وفي أحسن الأحوال في المسرحيات».
وتبدو إشكالية طرد اللون الأسود من جغرافية المدن العربية التي تعتنق الدين الإسلامي بشكل عام، وفي منطقة الخليج العربي والعراق بشكل خاص، إشكالية عميقة الجذور في المتخيل وفي التراث وفي تاريخنا القديم، بعيدة عن كل ألوان التسامح الديني في القرآن الكريم والسنة النبوية التي تدعو إلى المساواة بين البشر وتفضل التقي على السيد وصاحب الجاه والمال.
؟ورواية «لأني أسود» للروائية سعداء الدعاس من الروايات العربية الجريئة التي تتبنى وجهة النظر الساخطة ضد التهميش والمغالاة في ذم اللون الأسود، شأنها شأن العديد من الروايات النسوية الخليجية، التي اتخذت من عالم السواد معولا فعالا لهدم معتقدات الناس عن هذا اللون، إذ يشكل عبئا ثقيلا على الحياة المعاصرة، والروائية سعداء تتخذ من الرجل ساردا ليكون أقرب إلى وقائع الحياة وأيضا تسمح للمرأة السوداء بالتعبير عن حياتها في مجتمع الرواية الأسود، الذي يطمح أن يجد فضاء متسامحا وإنسانيا في عالم يسود فيه اللون الأبيض، ويتحكم في قوانينه وعاداته. وفي معظم الروايات الخليجية تكون الكاتبة والساردة أنثى، بخلاف هذه الرواية التي كتبتها أنثى وأوكلت سردها إلى رجل أسود، مع إننا نلاحظ أن صوت المؤلفة «البيضاء» يظهر علنا بدون إنابة في الصفحة الأولى من الرواية في ثنايا الإهداء الذي يمثل عتبة الدخول إلى عالم الرواية : «علاء الجابر حبيبي يسكنني تجانس روحينا، اختلاف انتماءاتنا ولحظة قاتلنا لنحياها إلى أن بتنا نتنفسنا …الفارس، سماء، صغاري عشق قديم مذ عرفت أن كل أنثى مشروع أم».
والإهداء إيهام بأن الحدث الروائي هو سيرة ذاتية ومكابدة وتجاوز الأنثى لشرطها الإنساني الذي يعيق تطلعها بشكل خاص، لتعبر التابوات والمحرمات تجاه فضاء إنساني سيكتمل بهذا الإهداء الذي يمثل انتصارا لتساؤلات الأنثى البيضاء، وهي تحمل نفسها لترتقي إلى تجانس الروح، على الرغم من «اختلاف انتماءاتنا» مما يضعنا على عتبة التساؤل عن: من ينوب عن المؤلفة في سرد هذه الرواية الإشكالية؟ من يروي ومن يرى؟ ذلك إن إشكالية الراوي هنا، تتسم بطابع خاص، حيث أن المؤلف ينتمي إلى عالم الإناث بينما يسرد الحكايات ويتحكم بالخطاب الروائي رجال هم «جمال، فوزي، عنبر» إضافة إلى جوان الأمريكية السوداء، ما يضفي على الحدث الروائي تنوعا، ويسهم في تأمل النهايات المأساوية التي تغلف الفضاء الروائي، بنهايات حادة: موت الأب فوزي «الأسود» بحادث عرضي، فشل حياة جوان الأمريكية السوداء في «الكويت» موطن زوجها، موطنا وهوية دائمة، فشل زواج ابنه «جمال الأسود» من سارة البيضاء التي كانت مقتنعة بسواده لأن مقياسها للجمال كما تقول «لا لون له، مقياسي يسبر الروح ويقرؤها». لكنها في النهاية «لا أستطيع …» لأن «أطفالي سيحملون الصبغة ذاتها، لأن صبغتك أقوى، هذا الأمر يشكل كارثة بالنسبة لأمي»، ثم إعلان جمال الشخصية المتحكمة في سرد معظم أحداث الرواية وحكاياتها المتشعبة عن فشله في التمسك بهوية والده وعائلته وعشيرته «الكويت» ليقرر العودة إلى البلد الذي «احتل فيه الأسود… البيت الأبيض».
إن اختيار «جمال» ساردا في معظم فصول رواية «لأني أسود» قد أسهم في الانفتاح على قارئ، يحمل أفكارا وعادات ضد السود ترسخت، بل تكلست منذ مئات السنين، بهدف زعزعة النسق الرافض للسواد في هذه النفوس، من خلال طرح أسئلة إنسانية عميقة وصادمة، وإعادة صياغة أجوبة تضع المتلقي للرواية في أفق جديد، يعيد للإنسان كرامته ووجوده مهما كان لونه أو عرقه أو لغته .

٭ كاتب عراقي

قراءة في رواية «لأني أسود» للكويتية سعداء الدعاس: إشكالية الصبغة الأقوى في عالم البياض المتسلط

جميل الشبيبي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية