قراءة في كتابات محمد العباس: الرواية السعودية بين غياب المكان والتحرر من الأيديولوجيا

حجم الخط
0

يرى الناقد محمد العباس أن الرواية في السعودية هي نتاج لثلاث محطات مهمة في تاريخ المملكة. فهي مؤشر على نهاية عصر السير والملاحم وبداية مجتمع التدوين أو العقل المكتوب. لأنها، كما يقول، «فضاء تعبيري يتلخص دوره في إعادة بناء الحياة الشخصية حول قوانين المجتمع وتوجهاته». و»لها هدف واحد هو الخروج من العماء السابق لمرحلة التدوين وإيجاد رابط جوهري، فني وموضوعي، بين ذات الكاتب وبيئته». وعلى الأغلب وراء هذه الملاحظة أسباب فنية خاصة.
لقد تأخرت الرواية السعودية مقارنة مع مثيلاتها في الفضاء الخليجي. ويمكن توضيح ذلك بمقارنة بسيطة بين أعمال أمين صالح في السبعينيات وأعماله الراهنة. فالمحور العمودي الذي يغلب عليه المجاز والاستعارة والإبهام في العلاقات، تحول إلى تصورات معقدة عن ذات تواجه نفسها. وقاده ذلك إلى مواجهة مزدوجة، إنكار نفسه والاختلاف مع
الآخر. وترافق هذا التحول مع زيادة ملحوظة في درجة السطوع. فالأفكار الضائعة بين طبقات الفضاء النفسي أصبح لها شكل وصورة، بمعنى أنها انتقلت من نشاط الإحساس إلى الإدراك. لقد أصبح للرواية في السعودية تصورات تعكس فجوات وعيها الحضاري، وتجد ذلك في تصميم البنية النفسية التي تنمو مع توسيع المشاهد، فالمعاني كانت تتطور بدرجة تطوير الإدراك بالمكان.
ولنأخذ أعمال عبده خال على سبيل الذكر، لقد كانت بداياته لا تخلو من آثار تراكيب واستعارات زكريا تامر، فقط قبل أن يحول لاوعي الأفراد إلى علاقات ملحمية مع المجتمع كما في «ترمي بشرر». إن الأعمال الفنية بشكل من الأشكال جزء من البروباغندا. وهو ما يمكن أن نفهمه بالعودة لتاريخ الرواية في بلاد الشام ومصر. فقد كانت تتطور كلما ازداد وعي المجتمع بإرادته. ورواية الخمسينيات والستينيات محاولة لفهم الواقع الشخصي في عالم راكد يعاني من السقوط. بعكس الرواية في السبعينيات التي اهتمت بمشكلات أيديولوجية مهمة، كالتحرير وبناء دولة قوية وترسيم حدود الهوية بالمعنى الأنطولوجي، هوية العقل المنتج لإدراك خاص بحساسياته. ولذلك أعتقد أن ما يسميه محمد العباس تطورا من المشافهة إلى التدوين، هو في الحقيقة تعبير عن الانتقال من فلسفة المكان المجرد إلى الفضاء، أو بتعبير مباشر: هو تعبير عن بداية لصيغة تبشيرية لا يدرك فيها العقل نفسه فقط، ولكن يعمل على توسيع منطقته.
الافتراض الثاني أن الرواية مؤشر على انتشار الحواضر والمدن، ولاسيما مدينة الرياض. ويضرب عدة أمثلة ليؤكد أن الرواية والمدينة شيء واحد. الرواية برأيه هي «المدينة المكتوبة».. و«ضرورة فنية وموضوعية لاختبار كفاءة الذات على حافة المعنى الأحدث للثقافة».
وهو ما يقوده ليستنتج بعبارة جازمة: «الرواية بنت للمدينة». ولكن منذ الأزل أنظر لهذه المقولة بشيء من الارتياب، فالمدينة برأيي جزء من جبل الجليد. إنها وعي الإنسان بظرفه الوجودي، ولكن وراء ذلك تقف شروط اللاوعي، حيث تتداخل الأفكار مع الصور وتترك المجال مفتوحا أمام التصورات الطفولية لتتحول إلى رموز معقدة.
إن المدينة، في هذه الحالة، هي رمز للمجتمع والعالم والإدراك أو لمعرفتنا بشرط الوعي ذاته. ولو أعدت النظر بأدب المدينة في المملكة ستلاحظ بصمات المتروبول الأوروبي. ونادرا ما تشعر بروح أو رؤية المكان، فهي مدينة افتراضية وأتحدى أن تجد فيها ولو علامة فارقة واحدة مثل «قاهرة» نجيب محفوظ أو «حلب» فاضل السباعي. حتى أن كل فصول رواية «بنات الرياض» لرجاء الصانع تبدأ باقتباس من غادة السمان ونزار قباني. وقل الشيء نفسه عن «سقف الكفاية» لمحمد حسن علوان. فقد لاحظ فيها محمد العباس استشهادات وإشارات متكررة عن الجواهري والسياب والبياتي، و«كأنها عمل عن بغداد وليس الرياض». ولكن هذا لا يلغي محاولات النهوض بخصوصية الفضاء الأدبي عند عبده خال ورجاء العالم. فهو فضاء غير محسوس، إدراكنا به لا يكون بالمشاهدة ولكن بالتكهن كأته نشاط معنى. لقد وظف عبده خال صورة الإنسان التائه في الفراغ النفسي ليدل بذلك على أزمة طبقية لها معنى حضاري. بينما اختارت رجاء العالم إطار المرويات أو الحكاية الشعبية للتعبير عن أزمة فنية لوجدان متحول.
إن علاقة الرواية بالمدينة مجرد أسطورة، لقد وفرت الحواضر الأساسية مكانا لا بد منه لخبرات الكاتب. مثلما قدمت القرية أرضا مناسبة لتصوير صعود وتشكيل الأيديولوجيات الكبرى، حتى أن أول رواية فنية هي «زينب» لهيكل المعروفة بعنوانها الفرعي «أخلاق ومناظر ريفية».
ولا توجد ضرورة للتذكير أن أهم روايات مطلع القرن العشرين كانت لها حدود استشراقية. فقد كان الروائي الغربي يكتب وهو يفكر بسحر المشرق وألغازه. والمدخل للرواية الناضجة في أوروبا كما نعلم هو رواية «ممر إلى الهند» لفوستر. إن الرواية بنت مخيلة عقل ورؤية. يتحول فها الواقع إلى ذات موجودة خارج الوعي بالحدود. وهذه هي فكرة الرواية، توسيع إطار الواقع الجامد، ولذلك رأى إدوارد سعيد أنها فن رديف لخطط الإمبريالية بالتوسع والاحتلال.
الافتراض الأخير أن الرواية نتاج لمخيلة تعيد تركيب سيرة الكاتب من خلال خبراته بعصره وبالمكان الذي يعيش فيه. فـ»هي غالبا تأكيد للأنا وإن تراوحت بين إعادة أسطرة اللغة خارج نفسها وبين الشهادة الشخصية الحية المنذورة لتسمية الأشياء» كما قال. وهذا يرشح الرواية لإعادة تركيب أناها، وإنتاج بنية مجازية لشخص لا نعرفه تماما ولكنه يشبهنا.
فالذاكرة مكان نستعيره من العالم الذي لا نعيش فيه ولكن نشعر به، وهو زمن لحكاية كانت موجودة قبل ما أسميه «عزم النشوء». وهو ما يدعوه محمد العباس «زمن الرواية». وأعتقد أن محمد العباس يتفق في هذا الشأن مع سعد محمد رحيم، الذي يعتقد أن الأدب والرواية بشكل أساسي تدعوك للشك بالتاريخ، إنها لا تدونه إلا بعد اختيار حجم المساحة أو الفاصل. بمعنى أنها تنظر للواقع من خلف الحاجز النفسي، وهو التأويل أو فلتات اللسان المهذب الذي يخضع لسلسلة معقدة من الرقابة والحذر والمكبوت والتشديب، فالرواية تستمد قوتها من عدم وجود اتفاق بين منتجي النص.. وهم الكاتب والقارئ والمجتمع كما ورد في مستهل كتابه «السرد مشككا بالتاريخ».
يقرأ محمد العباس الرواية على أنها تعبير مجازي يترك مسافة تفصل المنطق عن حساسياته أو أسلوبه في مقاربة المشاكل والتفاصيل ويسميها «المسافة المجازية بين العقل وأدوات التعبير». ولذلك يعتقد أنها كائن له قوانينه.. وذات مستقلة تجسد خلفياتها في الواقع بشكل تجريدي داخل النص».
إن محمد العباس كما يبدو لي ينظر للرواية وكأنها إنسان الطبيعة، وهذا التعبير أصلا لمحمود تراوري. ونجد عدة أدلة على هذا الفهم لحدود النوع حين يقول في مكان آخر: «اللغة لها طابع تشخيصي»، و«الأسلوب مفاوضة مع الأشخاص والأماكن». و»النص ضحية لخيانة الكاتب أو الواقع» وهكذا.
إن أنسنة العمل الأدبي لا يلغي الفكرة التقليدية: الكتابة تابعة للكاتب فقط ولكنه يساوي بينهما، وهذه بداية لمعاناة طويلة مع علاقة التراث بالحداثة. الأمر الذي يعيدنا إلى المربع الأول: هل الرواية نتاج المدينة أم الحضارة؟ إن الجواب ليس سهلا لعدة أسباب.
فالرواية لدينا نتيجة من نتائج عصر النهضة، بوعيه المأزوم وقلة وضوحه، وأهم النماذج المعروفة تعكس وعيا مزدوجا بالذات الفنية، الاقتباس والتعريب. وفي الذهن كتابات فرنسيس المراش ومن بعده المنفلوطي، وحتى الحداثة لها مقاييس مستوردة. وهذا ينسحب على النص والواقع، فرواياتنا الحديثة لا تدين بشيء للبلاغة العربية، والجهود التي بذلها بعض الرواد في الستينيات ذهبت أدراج الرياح لأنها أصلا مشروع هدفه إحياء أساليب من عصر الانحطاط أو أساليب ديوان المماليك.
إن الحداثة العربية بكل اتجاهاتها، مثل الفكر القومي، لا علاقة لها بالتراث ولا العقل العربي. وبالعكس هي نسخة متحولة من أيديولوجيا استعمارية عن مجتمع مدني مبسط. فالسيف الذي تحارب به رواياتنا المعاصرة لا يختلف عن عتادنا الحربي.. صناعة مستوردة.

كاتب سوري

صالح الرزوق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية