قراءة في كتابها «ظواهر الثقافة العربية والإسلامية» : الأنثوية والنسوية في منظور المستشرقة البلغارية بيان ريحانوفا

حجم الخط
1

■ تعد بيان ريحانوفا إحدى الباحثات الأوروبيات المهتمات بالأدب العربي الحديث والمعاصر، وهي اليوم أستاذة الأدب العربي في جامعة صوفيا.
وبخلاف مجايليها من المستشرقين والمهتمين بالدراسات الشرقية، الذين لا يترجمون في الغالب كتاباتهم إلى اللغة العربية، فإن ريحانوفا تصر على نشر أبحاثها ودراساتها باللغة العربية مباشرة، بسبب اتقانها لها كلغة ثانية واظبت على تعلمها منذ دخولها إلى معهد الاستشراق التابع لأكاديمية العلوم الروسية في موسكو وحتى حصولها على درجة الدكتوراه في الأدب العربي المعاصر في أواخر ثمانينيات القرن الماضي.
ولريحانوفا دراسات نشرتها في مجلات أكاديمية محكمة وأبحاث ألقتها في مؤتمرات عالمية أو عربية، كما أن لها مؤلفات مطبوعة ومنها كتابها الموسوم «ظواهر الثقافة العربية والإسلامية قراءات تطبيقية» والصادر عن عالم الكتب الحديث في الأردن 2018.
ويكشف تقسيم الكتاب وطبيعة عناوينه عن اهتمامات بحثية متنوعة توزعت بين الأدب والنقد واللغة والتشكيل والتصوف، قارب بعضها النقد، ودارت في بعضها الاخر حول نقد النقد، عبر قراءات هي في الاصل دراسات وسمتها بأنها تطبيقية، لكنها عموما لم تكن خالية من تمهيدات نظرية تستدعيها عملية المعالجة الأكاديمية للمواد المبحوثة داخل فصول الكتاب.
ولئن كانت الدراسة الاستشراقية تولي المنهجية المقارنة الاهتمام الأول، فلا عجب إذن أن تخضع ريحانوفا قراءاتها لهذه المنهجية التي اعتادت تطبيقها.. وقد يصدف أن تدمج إجرائيا بهذه المنهجية المقارنة مناهج أخرى فنية أو تاريخية أو اجتماعية.
وما تعدد اهتماماتها البحثية إلا دليل آخر على إمكانياتها النقدية التي لا تخلو من مطارحات تأويلية وتحصيلات فكرية، ناهيك عن معايشة بحثية مكرسة نحو الثقافة العربية والإسلامية وما فيها من قضايا فريدة وظواهر مميزة.
ولا خلاف على أن الجدة والابتكار ظهرا واضحين عندها سواء في طبيعة الظواهر والقضايا التي اختارتها الباحثة وعالجتها في هذا الكتاب، أو في انحيازها إلى الحداثة التي أرادتها «مظلة فكرية تعالج المنهجية والنظرية النقدية فلسفيا ومعرفيا». كما بدت ميالة الى ما بعد الحداثة التي وجدتها ميدان ممارسة وتطبيق.
وتتضح رؤيتها ما بعد الحداثية في طبيعة مرجعياتها النقدية التي ترتكن إلى طروحات تجمع بين المرجعية الغربية كطروحات باختين ورولان بارت وتودوروف والمرجعية العربية عند باحثين عرب أمثال فيصل دراج وجابر عصفور ومحمد حسين الصغير وأدوارد خراط وأدريس عبد النور وغيرهم.
وسنركز النظر النقدي هنا على ثلاث دراسات طرقتها المستشرقة ريحانوفا، تتمحور حول الأدب النسوي العربي المعاصر ونقده، ونبدأ بالدراسة الأولى التي اشتملها الفصل الثاني من الجزء الأول وعنوانها «الصورة الفنية في الشعر العربي النسائي»
وصحيح أن النظرية النسوية ومفاهيمها ترتبط بالنقد الثقافي والتفكيك وما إلى ذلك، وهي في جذورها وتأصيل مفاهيمها غربية، لكن التعدد والتنوع في طروحاتها يجعلها نظرية كونها تتنوع بتنوع مجترحيها ومفكريها وتنوع توجهاتهم وانتماءاتهم.
وعلى الرغم من أن ريحانوفا تبنت مصطلح النسائية لا النسوية، إلا إن ذلك لا يبدو معتمدا بشكل قصدي يجعل دراستها تنتمي لنظرية بعينها من نظريات النسوية، وهكذا تباينت المنهجية عندها ما بين الجندرية المؤمنة بالأنثوية، والنسوية المؤمنة بالثقافية، وبدون اعتبار للفارق الجوهري بين فعل إبداعي يجعل الأنثى صوتا مركزيا فاعلا ومحوريا يتحكم بالآخر/الرجل ثقافيا، وفعل إبداعي يكون فاعله مؤنثا مركزيا ومحوريا يتحكم بالآخر أنثويا.
ومع ذلك يظل التوجه النقدي المقارن لدى ريحانوفا في عمومه منتصرا لنظرية الجندر ومنحازا إلى الأدب الأنثوي العربي، كرد فعل ناجم عن وعي نقدي أظهرته ريحانوفا إزاء ما يعانيه الأدب الأنثوي من إقصاء ولا فاعلية، ولذلك تتبعت صوره والوسائل المستعملة فيه.
وبإيمانها بالنوع الاجتماعي (الذي هو جزء من طروحات النظرية الأنثوية) تتخطى الباحثة مسألة التفريق الاصطلاحي بين النسوية والنسائية، متمحورة في معالجاتها النقدية حول المرأة كنوع جندري يتميز بأنثويته التي هي مصدر قوته الإبداعية على المستويين النصي وما قبل النصي، وليس على النسوية التي يتطلب الأخذ بمصطلحها انكبابا بحثيا على المؤنث، كقوة ثقافية فاعلية على المستويين النصي وما بعد النصي.
وهكذا راحت المستشرقة تتبع «دور المرأة في الثقافة العالمية وارتباط الحركة النسائية وتياراتها المختلفة التي تشرح الاختلافات بين الرجل والمرأة تحت تأثير الظروف الاجتماعية»، وفي هذا اعتراف بحتمية التفريق الجندري بين شعر رجالي وشعر نسوي، القصد منه إعلاء شأن المرأة المبدعة مع التبرم من التهميش الذكوري لها. أما قولها: «ونظن أن الجندر أو النوع الاجتماعي للمبدع وللقارئ وللباحث يؤثر على إنشاء الأعمال الإبداعية وعلى تفسيرها أيضا.. كظاهرة جمالية فنية مستقلة»، فإننا نجده يقترب مما كان الناقد جيمس فنتن قد طرحه عن الصيرورة الشعرية من ناحية جندرية. وخلاصته أن إبداع الأنثى رهن بالاحتراب أو الإعجاب و»متى أعجبت النساء بالشعر ضعفت قدرتهن على كتابته» قوة الشعر». وليس خافيا أن هذا غير خاص بالمؤنث دون المذكر، بل هو سيان عند الاثنين، فالشعر محرقة ومعركة عند الرجل وعند المرأة، ولذلك لا تصالح البتة بين الشاعر وشعره، والشاعرة وشعرها.
وعموما فإن مقصدية ريحانوفا النقدية التي تنبع من روح الانفتاح المعرفي لديها، هي التي دفعتها إلى إيلاء الشعر النسوي العربي اهتمامها، رادمة بعضا من الفجوة التي يتركها نقدنا النسوي الذي يبدو مقصرا في القيام بدوره المطلوب في الانتصار للنتاجات النسوية، علما أن هذا النقد نفسه يعاني الإقصاء والمصادرة فما زال النظام الثقافي العربي غير معترف بمشروعية مناهجه وأصالة نظرياته. وعلى الرغم من ظهور ناقدات نسويات عربيات إلا أنهن ما زلن أقل مما ينبغي أن يصبحن عليه، ناهيك عن القبضة الصارمة التي يمارسها النقد الذكوري في ميدان الكتابة النقدية، متعاملا مع أي مشروع نسوي إبداعي من منطلق الحذر والتحفظ. وقد أشارت المستشرقة ريحانوفا إلى أن بعض الباحثين العرب والأوروبيين يذهبون إلى خطورة المظهر الجندري في معالجة الإبداع الذي تكتبه المرأة.. ونتفق معها بالطبع مؤمنين بأن النقد النسوي لو اهتم بالنظرية الثقافية وابتعد عن النظرية الجندرية في الاشتغال على الذكورة والأنوثة، لربما أتاحت له المنظومة الأبوية بعض الحيز الذي يناسبه من التحرر والاستقلال والمركزية، بما يكشف عن حقيقة جمالياته ولخففت هذه المنظومة من قبضتها الصارمة عليه، تلك القبضة التي هي في الأصل ذكورية.
ولا مناص من التأكيد هنا على أن مسألة الفردانية في الأدب ليست جديدة، فقد وقفت عندها الواقعية واتخذت لها موقفا ملتزما أساسه أن كل فنان يقدم تصميمه الخاص للواقعية حتى قال بعض الواقعيين بالتأليه الفردي، لاسيما أصحاب فن الديكادانس الروس.
وتقدم ريحانوفا في هذا الصدد لفتة مهمة، لكنها تمر عليها بوجل، ومفادها أن العقلية النسوية مرتبطة بالنموذج الأصلي للأم، وهذا بالطبع تأصيل ميثولوجي لأسطورة الأم الكبرى التي بها كانت الأنثى هي السيدة والحكيمة والآلهة والقائدة، ولكن الاستحواذ الذكوري هو الذي شوّه هذه السطوة الأنثوية ساحبا منها الأولوية.
واعتقد أن إيلاء هذه المسألة تفصيلا أكثر سيكشف عن تجليات تصب في صالح النسوية والنسائية، فما أن خطفت السيادة من الأم إلى الأب، حتى جاءت أساطير الذكورة ومنها أسطورة بجماليون التي ما اندفع فيها الفنان/الرجل إلى تهشيم تمثاله المؤنث إلا لأن هذا التمثال كان يفوقه جمالا وإبداعا حتى وصل من ثم إلى مستوى لم يكن باستطاعته تقبله أو تجاهل خطورته وأثره مستقبلا، لذلك كان التهشيم هو القرار الذي ختم به مصير التمثال.. وبسبب هذا الاستحواذ حملت الأسطورة اسم بجماليون ولم تحمل اسم جالاثيا..
أما الميلان الذي أظهرته ريحانوفا نحو مفهوم الصورة، فيبدو أنه انحياز بلاغي جعل التركيز ينصب على الصورة الفنية وتتبع دلالاتها النقدية عند النقاد العرب، من ناحية أشكالها ومستوياتها، وتحديدا في نوعين منها هما الصورة النقلية وتقصد بها الواقعية والصورة التخييلية أي المجازية.
وعلى الرغم من أن هاتين الصورتين لا تشفان عن سمة نسوية ما.. وإنما هما نتاج تحليل سياقي للنصوص الشعرية غابت عنه الرؤية النسوية في مقابل بروز التحليل الاجتماعي، إلا إن ذلك أتاح للباحثة أن تطلع قراءها على تجربتين شعريتين، الأولى للشاعرة نجمة أدريس في استعمالها الصورة النقلية للواقع بظواهره، منتهجة المذهب الواقعي، مازجة الهم الذاتي بالواقعي، منشدة للإنسان والأرض. والثانية هي الشاعرة أمل إسماعيل في اهتمامها بالصورة المجازية المشوبة بالرمز.
أما الدراسة الثانية الدائرة حول النسوية، التي تناولتها ريحانوفا في كتابها موضع الرصد فعنوانها «النقد الأدبي القديم في تقويم النقاد المحدثين» وهي تصب في باب نقد النقد متناولة ناقدة مغربية هي بشرى تاكفراست من ناحية خصائص الكتابة عندها وطبيعة معالجتها للاتفاق والاختلاف بين النقاد المهتمين بالنقد القديم، بدءا من طه إبراهيم وانتهاء بمحمد غنيمي هلال.. ولا يخفى الجهد البحثي القيم الذي أظهرته ريحانوفا في هذه القراءة النقد نقدية.
وأما الدراسة النسوية الثالثة التي دخلت في حقل نقد النقد أيضا فهي «استقبال الأدب العربي في أوروبا الخطاب النقدي النسوي» وفيها تمر ريحانوفا على الاستشراق النسوي الغربي المهتم بالأدب العربي المعاصر، واجدة أن النسوية الاستشراقية أخذت بالتزايد يوما بعد يوم، بفضل الانفتاح الذي صاحب مرحلة ما بعد الحداثة وأدى إلى ظهور دراسات التابع والجندر والسبرانية أو السيبيورغ.. واقفة عند نساء غربيات عرفن باهتمامهن المقارن بالأدب العربي المعاصر، مقدمة لنا نحن القراء العرب نظرة بانورامية عن النشاط العلمي للمستشرقات عارضة لنا جهودهن ومعالجاتهن البحثية المقارنة.. ومنهن وبيكا ولتر من جامعة تيوبينغن الألمانية، مشيرة إلى كتابها «مختصر تاريخ الأدب العربي منذ ما قبل الإسلام وحتى يومنا هذا» 2004. كما وقفت عند المستشرقة البولندية بربرا ميتشلك بيكولسكي التي اهتمت بشكل خاص بالقصة القصيرة في الكويت، ولها كتاب تتبع هذه القصة من عام 1929 إلى عام 1995، لكن وقفتها المستفيضة كانت عند مستشرقتين معاصرتين، الأولى هي الروسية فليريا كبربيتشنكو التي درست الأدب العربي المعاصر في جامعة موسكو، وقدّمت ترجمات ودراسات حول الأدب المصري، ولها كتاب عن إبداع يوسف أدريس. أما رسالتها الأكاديمية فكانت عن روايات نجيب محفوظ، وجدير بالذكر هنا أن فليريا هي التي لقبت محفوظ بأمير الرواية العربية، وهي التي أطلقت على مؤلفي القصة المصرية المعاصرين لقب موجة جديدة في الأدب المصري.
وبينت ريحانوفا ما لهذه المستشرقة من مؤلفات مهمة ومنها كتابها «النثر المصري المعاصر في الستينيات والسبعينيات» مشيرة إلى أنها «تميزت بطرافة نظرتها العلمية والنقدية إلى النماذج الروائية والقصصية المتعددة التي لعبت دورا مهما في ظهور النثر الأدبي التجريبي في العالم العربي». والمستشرقة الثانية هي هيلاري كليبريك التي وجهت اهتمامها الأكاديمي للأدب العربي، وأسهمت في تحرير مجلة «آداب الشرق الأدنى» ومن أعمالها البحثية كتابها الموسوم «الرواية المصرية المعاصرة دراسة في النقد الاجتماعي» الذي يعد مرجعا للباحثين والطلاب الغربيين الدارسين للأدب العربي، وقد قامت جامعة كامبريدج بإصداره عام 1974 وهي التي اهتمت أيضا بالأدب النسوي العربي وقامت بدراسته منذ القرن التاسع عشر حتى ثمانينيات القرن العشرين.
وبهذا العرض النقدي لهاتين المستشرقتين تكون ريحانوفا قد قدمت للقارئ العربي العام والمتخصص رؤية بانورامية للاستشراق النسوي الغربي في دراســـته لأدبنا الحديث والمعاصر. أما ما رصدته ريحانوفا من ملامح ومميزات لهذا الأدب فإنه يعكس صورة عن مستوى الاهتمام الغربي بأدبنا العربي المعاصر من جهــــة، ويبـــين من جهة أخــرى ما ينبغي أن يكون عليه نقدنا العـــربي كي يلفت انتباه المستشرقين، مثلما لفت أدبنا العربي عنايتهم واهتمامهم.. وهذا مطلب نأمل أن يجد تنفيذه وتطبيقه مجالا مناسبا وحيزا لائقا مستقبلا… ولا مراء أن ما خفي من أدبنا المعاصر كثير.. كما أن ما وصل إليه نقدنا العربي كبير ومهم.

٭ كاتبة وأكاديمية عراقية

 

قراءة في كتابها «ظواهر الثقافة العربية والإسلامية» : الأنثوية والنسوية في منظور المستشرقة البلغارية بيان ريحانوفا

نادية هناوي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية