قراءة في كتاب للبريطانية كاثرين مَريدَيل: «لينين في القطار»: رحلة غيرت التاريخ

■ يتجاهل أغلب المؤرخين رحلة القطار المغلق التي تمت عام 1917 وغيرت العالم لتجعله مختلفا تماما عن سابقه، فقد كانت نتيجة هذه الرحلة تحول روسيا إلى دولة شيوعية. ومنها انطلقت هذه الأيديولوجية لتسيطر على دولة عظمى أخرى وهي الصين، ثم أوروبا الشرقية وغيرهما، وتثير الاضطرابات الخطيرة في بلدان كثيرة ومنها عربية مثل العراق. ولحسن الحظ، صدر كتاب شهير عام 2016 عن تلك الرحلة بعنوان «لينين في القطار» من تأليف الأستاذة الجامعية البريطانية كاثرين مَريدَيل من جامعة لندن، التي سبق أن ألفت عدة كتب شهيرة عن التاريخ الروسي الحديث. هنا ملخص لأبرز ما ورد في الكتاب.

البداية

كات الحرب العالمية الأولى تحرق الأخضر واليابس في أوروبا وأرادت ألمانيا أن تطيح بالحكومة الروسية للتخفيف من الضغط عليها. ولذلك اتفقت مع رجل أعمال روسي مشبوه يدعى بارفوس للاتصال بالبلاشفة الشيوعيين لقلب نظام الحكم وسحب روسيا من الحرب.
ما أن سمع لينين بالإطاحة بالقيصر في مارس/آذار عام 1917 حتى أعلن معارضته للحكومة الجديدة ودعى إلى القضاء عليها وكل الأحزاب الأخرى، وقرر العودة إلى روسيا بأسرع وقت ممكن للسيطرة على قيادة البلاشفة هناك وتحقيق طموحه في الاستيلاء على الحكم في روسيا، ولكنه لم يعثر على وسيلة للسفر. وواتته الوسيلة عندما اتصل بارفوس به عارضا مساعدة الألمان له بهذا، فوافق لينين بعد تردد لأنه لم يكن يثق في أحد. وكانت الخطة أن يسافر لينين على متن قطار إلى شمال ألمانيا، ثم يأخذ السفينة إلى السويد، ومن هناك يكمل سفره بالقطار إلى العاصمة الروسية. وكانت عملية المفاوضات بين الألمان ولينين معقدة ودقيقة، فقد أراد لينين معاملة خاصة، وأن تكون أرض القطار ذات استقلال تام عن سيادة أي دولة حتى ألمانيا نفسها ولكن الألمان اقترحوا مرافقة اثنين من الحراس الألمان في القطار لحراسة الركاب المهمين. ولذلك فقد تم الاتفاق على رسم خط بالطباشير بين منطقة الحرس والركاب، كي تكون منطقة الركاب مستقلة. ولتنظيم عملية الاتصال بالحرس أثناء الرحلة اعتمد لينين على أحد الشيوعيين السويسريين، على اساس أنه محايد.
عرفت كل زيوريخ بالرحلة، وانتشرت الإشاعات حول لينين واتهمه الجميع بالخيانة العظمى لتعاونه مع أعداء روسيا. وأبلغ رجال المخابرات البريطانية حكومتهم بهذه التطورات. وقبل الرحلة بيوم اتصل لينين بالسفارة الأمريكية للحصول على دعم الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها (كانت أجهزة مخابرات هذه الدول على دراية ممتازة بنشاط لينين) وأجاب على الهاتف آلن دالاس وكان ذلك اليوم عيد الفصح المسيحي وآلن دالاس في طريقه للعب التنس، فطلب دالاس، الذي ميز اسم لينين، منه أن يتصل يوم الاثنين وأقفل الهاتف. وتدعي مصادر أخرى أن دالاس ندم أشد الندم لعدم الرد بشكل إيجابي على اتصال لينين. وكرر دالاس ذكر هذه القصة مرات عدة على أصدقائه وموظفيه مذكرا أياهم بعدم رفض طلب مقابلة أي كان.

الرحلة

احتفل لينين ورفاقه في أحد الفنادق الراقية في زيوريخ في الليلة السابقة لسفرهم. وفي الساعة الخامسة فجرا من يوم الاثنين المصادف التاسع من أبريل/نيسان عام 1917 تجمع المسافرون الاثنين والثلاثين في محطة القطارات في زيورخ وكانوا متعبين بسبب حفلة الليلة الماضية. ووقّع كل منهم إقرارا بتحمله كل عواقب الرحلة، وكان الألمان قد اشترطوا أن يأخذ كل مسافر كل ما يحتاجه من مأكل ومشرب ما يكفي لطوال الرحلة. وعندما دخل المسافرون عربة القطار اكتشفوا وجود أحد الاشتراكيين الألمان، كان الألمان قد دسوه داخل القطار، فضربه المسافرون بشدة وأخرجوه بالقوة. وانطلق القطار، ولكن ما أن بدأت الرحلة حتى منع لينين التدخين في القطار باستثناء الحمامات، ما سبب ازدحاما كبيرا فيها، ثم منع الضوضاء، ما أزعج الآخرين أكثر. ولكن ما أن وصل القطار الحدود السويسرية حتى توقف هناك، وأجبر حرس الحدود السويسريون الجميع على الخروج منه وقاموا بتفتيش حقائبهم بدقة وصادروا جميع المأكولات والمشروبات تقريبا وسط استياء المسافرين الواضح، فقد كان هناك قانون ضد تصدير الأطعمة من سويسرا أثناء الحرب.

ألمانيا

عندما وصل القطار أول نقطة حدود ألمانية وشاهد لينين الجنود الألمان فيها، ارتعب معتقدا أنه وقع في فخ ألماني، إلا أنه كان على خطأ لأن الألمان كانوا في الحقيقة يريدون فقط التأكد من أن كل شيء على ما يرام، وأن يستطيع الحارسان الألمانيان الانضمام إلى الرحلة، وكان الحارسان في الواقع ضابطين يجيدان الروسية. ولم يكن القطار مقفلا أو مصفحا كما يعتقد البعض، فلم تقفل كل أبوابه. وعندما حل الليل توقف القطار بالقرب من إحدى القرى، حيث قام الضابطان الألمانيان بشراء الطعام والجعة الألمانية للمسافرين وقضوا الليلة هناك للراحة.
غطت الصحف الألمانية الرحلة بكثافة وتحدثت عن المعاملة الممتازة تجاه المسافرين الروس من قبل الحكومة الألمانية. وكان الصحافيون يحاولون دائما الدخول إلى القطار عندما يتوقف لمقابلة المسافرين، خاصة لينين. أما القرويون الألمان، فقد كان لهم موقف مختلف تماما حيث حقدوا على هؤلاء الروس الذين تقوم الحكومة الألمانية بإطعامهم بكرم شديد، بينما يحرم الألمان من الطعام والشراب الجيد بسبب الحرب، ولذلك كان القرويون الألمان يحيطون بالقطار كلما استطاعوا ذلك معبرين عن سخطهم الشديد. وعندما وصل القطار مدينة فرانكفورت، نزل الضابطان الألمانيان من القطار للراحة، تاركين المسافرين بمفردهم، فاستغل بعض الجنود الألمان السكارى الفرصة واقتحموا القطار حاملين الجعة، وسألوا لينين متى تنتهي الحرب. وأثار هذا الحدث حفيظة الحكومة الألمانية، فقررت تشديد إجراءات الأمن. واستمر القطار في رحلته حتى وصل برلين وبقي هناك عشرين ساعة، كانت الحكومة الألمانية خلالها تكمل إجراءات التأشيرة السويدية للمسافرين وترتيب السفر في الباخرة من ألمانيا إلى السويد، وما أن تم ذلك حتى أنطلق القطار مسرعا. ولتجنب أي تأخير أوقف قطار ولي عهد ألمانيا للسماح لقطار لينين بالمرور أولا. وكان لينين طوال الرحلة يضع خططه للإطاحة بالحكومة الروسية وكل من ينافسه.

السويد

التقى لينين في السويد مع بعض الشيوعيين واستلم أموالا من العديد منهم ومن بارفوس سرا عن طريق وسطاء في العاصمة السويدية، وتعهد بارفوس بتلبية احتياجات لينين عن طريق اتصالات الأخير بالألمان. وفي الوقت نفسه كان لينين يصف بارفوس أمام الجميع بأنه خائن وعميل ألماني! وفي السويد التقى لينين بالصحافيين وأعلن عن خططه بكل صراحة، وبذلك فقد أصبح الجميع على علم بما ينوي لينين عمله، وقال إن السلام مع ألمانيا سيتم خلال أسبوعين. وهناك استأجر لينين أربع عربات في قطار متجها إلى العاصمة الروسية، وغادر العاصمة السويدية وسط حشد من المؤيدين ودعه في المحطة.

روسيا

عندما وصل لينين نقطة الحدود الروسية تم إبلاغ الحكومة الروسية بوصوله، وكان الضابط المسؤول في الحدود بريطانيا! وقام هذا الضابط بتفتيش لينين تفتيشا دقيقا وعراه من ملابسه واستجوبه بعناية، وبعد كل هذا طلب الضابط من الموظفين الروس السماح له بالمرور. وفي طريقه إلى العاصمة تجمع الناس قرب خط القطار لتحيته حتى وصل محطة قطار العاصمة الروسية يوم الاثنين المصادف السادس عشر من أبريل /نيسان عام 1917، وهناك استقبل لينين استقبالا منقطع النظير فقد كان هناك حرس شرف من بحارة قاعدة كرونشتادت البحرية، بالإضافة إلى آلاف الأشخاص الذين أغلقوا الشوارع المجاورة للمحطة. وغادر لينين المحطة بعربة مصفحة، ولكن هؤلاء المستقبلين لم يكونوا يعرفون لينين، وسبب وجودهم الحقيقي هو أنهم تلقوا تعليمات من قيادة البلاشفة للقيام بكل ذلك. وحتى العربة المصفحة كانت عملية استعراضية من قبل القيادة البلشفية، فقد كان البلاشفة الأفضل تنظيما والأكثر تطرفا وكانوا قد قرروا إقامة استعراض مهيب. وسيطر لينين على قيادة البلاشفة خلال أسبوعين. وكل ما فعلته الحكومة الروسية لمواجهة هذا كان الإغارة على مبنى جريدة «برافدا» واعتقال العاملين فيه، ما أرعب لينين، فهرب متنكرا إلى فنلندا حيث مكث هناك حوالي ثلاثة أشهر قبل أن يعود إلى العاصمة، وقد كان الموقف قد تغير لمصلحة البلاشفة الذين سيطروا بقيادة لينين في نهاية المطاف على مقاليد السلطة في روسيا، ودخلت البلاد في حرب أهلية طاحنة بين البلاشفة الممولين من قبل ألمانيا من جهة وأعدائهم من جهة أخرى. وانتهت هذه الحرب باستتباب الأمور للينين، وبداية العهد الشيوعي البلشفي في روسيا، الذي سبب تغيرا جذريا في البلاد على جميع الأصعدة، وقتل أكثر من عشرة آلاف من المعارضين للبلاشفة.
ومما هو جدير بالذكر أن شخصا واحدا فقط من بين المسافرين الذين رافقوا لينين في ذلك القطار بقي حيا وتوفي في ظروف طبيعية، حيث توفي أغلب الآخرين قتلا بأوامر من ستالين. ودخلت روسيا عالم الظلام.

٭ كاتب عراقي

قراءة في كتاب للبريطانية كاثرين مَريدَيل: «لينين في القطار»: رحلة غيرت التاريخ

زيد خلدون جميل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية