قراءة في محطات مهمة من تاريخ الإنتاج السينمائي الإيراني

العلاقة بين الواقع والفن السينمائي من حيث التأثر والتأثير المتبادل، ربما كانت وليدة الصدفة في اللحظات الأولى التي ظهرت فيها ملامح الفن السينمائي إلى الوجود، حيث يشير أرشيف السينما إلى عام 1873عندما نجح إدوارد مايبريدج في تصوير فَرَس اسمها «سالي غاردنر» وهي تنطلق بشكل سريع باستخدام 24 كاميرا مجسَّمة، ثم أعقبه فيلم تجريبي بتاريخ 14 اكتوبر/تشرين الأول 1888وكان بعنوان»مشهد حديقة راوندهاين» في إنكلترا، وفي نظر المؤرخين للفن السابع يحتوي هذا المشهد أوّل صورة متحركة باقية إلى اليوم، ومن بعد ذلك رصدت الكاميرا عددا من المشاهد الحياتية أبرزها، عمال يغادرون المعمل، قطار ينطلق من المحطة، رجال مطافئ يطفئون حرائق.
من الواضح أن شكل هذه العلاقة بدأ بسيطاً جدا، ثم نضجت شكلا ومضمونا مع مرور الأيام وتطور أساليب ولغة السرد السينمائي بجهود العباقرة الأوائل، ويأتي في مقدمتهم الأمريكي دي دبليو غريفيث، والروسيّان سيرجي أيزنشتاين وفيسفولد بودوفكين.

رؤية مبكرة

وفي سياق هذه العلاقة ربما يمكن تحديد أهمية الفيلم الروائي الإيراني الذي حمل عنوان «حاجي آقا اكتور سينما» الذي أنتج عام 1932 للمخرج أوهانيان، ليس باعتباره أول شريط سينمائي ناطق في تاريخ السينما الإيرانية، إنما لأنه من التجارب السينمائية المبكرة في تاريخ الفن السينمائي التي تناولت العلاقة بين الفيلم والمتلقي، ضمن بنية الفيلم داخل الفيلم .
في كتاب «السينما الإيرانية.. تاريخ وتحديات» للكاتبة فاطمة برجكاني، الصادر عن مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي/سلسلة الفكر الإيراني المعاصر، تمت الإشارة إلى هذا الفيلم بشكل عابر انسجاما مع منهج الكتاب، حيث انصب جهد المؤلفة على أرشفة الإنتاج السينمائي الإيراني منذ مطلع القرن العشرين وحتى نهاية العقد الأول من القرن الواحد والعشرين.
موضوع هذا الفيلم يعكس قلق عامة الناس أزاء هذا الفن الجديد وما سيشكله من تحد للقيم الاجتماعية الراسخة، ومن هنا يمكن التوقف عند المتن الحكائي لهذا الفيلم، الذي يتحدث عن شخص اسمه (حاجي) لديه قناعة قوية بأن السينما باتت تشكل عاملا سلبيا على الواقع الاجتماعي، وقد تدفع الإنسان إلى الانحراف الأخلاقي، في مقابل ذلك كان الجيل الشاب يحمل رؤية أخرى معاكسة وجدت في الفن السينمائي أداة للتعبيرعن الحياة والإنسان، ومن هنا يمكن تفسير ما أقدمت عليه ابنة (حاجي) ومعها زوجها، عندما قامت بتصوير والدها سراً وهو يتجول في المدينة، ثم يدبِّران خطة محكمة بموجبها يأخذانه إلى دار عرض سينمائية، وهناك يشاهد (حاجي) نفسه في الفيلم، فيتفاجأ، إلاَّ أنه يستمتع بما شاهد، وهذا ما سيؤدي بالتالي إلى أن تتغير نظرته إلى الفن السينمائي.
من الواضح أن الفيلم كان يحمل رؤية متقدمة حول أهمية الفيلم السينمائي، والأهم من ذلك أن المتن الحكائي، تم تمريره وفق حبكة فنية متماسكة ومبتكرة. وجدير بالإشارة أن المخرج أوهانيان لم يدخل عالم الإخراج السينمائي من باب الهواية، إنما جاء نتيجة دراسة أكاديمية لعالم الفن السينمائي في موسكو، حسب الكتاب الذي أشرنا إليه، بمعنى أن الخطوة الأولى في السينما الإيرانية بنيت وفق أسس سليمة قائمة على معرفة أكاديمية بطبيعة الفن السينمائي ومقتضيات بناء الفيلم، سواء من حيث حبكته السردية أو من حيث فهم العملية الإخراجية.
ويأتي فيلم «حاجي آقا أكتور سينما» من حيث التسلسل في الترتيب الثاني ضمن قائمة أفلام المخرج أوهانيان، بعد فيلمه الأول الذي قدمه عام 1929 وكان عنوانه (أبي ورابي) وهو فيلم كوميدي.

نظرة تاريخية

لو تأملنا المرحلة الزمنية التي أنتج فيها الفيلمان (الأول والثاني) للمخرج أوهانيان، سنجد أن السينما في تلك الفترة كانت تعيش لحظة مفصلية من عمرها ومن نضجها الفني والتقني، إذ تشير المدونات التي ارَّخت تاريخ السينما العالمية إلى أن 6 أكتوبر/تشرين الأول 1927 شهد أول فيلم ناطق في تاريخ السينما، وحمل عنوان «مغني الجاز»، والفيلم من إنتاج شركة «وارنر»، الأمريكية، حيث ظهر فيه المغني الأمريكي الشهير آنذاك «آل جولسون»، بواسطة جهاز «الفيتافون» الذي يسمح بتسجيل صوت الممثل على أسطوانة من الشمع تدار مع جهاز العرض السينمائي بطريقة ميكانيكية مطابقة للصورة. ومن هنا سيكون التقارب الزمني بين أول فيلم ناطق في تاريخ السينما وأول فيلم إيراني ناطق مدعاة للاهتمام، خاصة أن الفيلم الإيراني الأول كان قد ناقش فكرة أهمية الفيلم السينمائي وقدرته على أن يكون فن المستقبل الذي لا يمكن مقاومته.
لا بد من الإشارة هنا إلى أن هناك تجربة لإنتاج فيلم ناطق كانت قد سبقت تجربة أوهانيان، وذلك عام 1930من قبل المخرج إبراهيم مرادي، فقد حاول أن يصوَّر فيلما ناطقا بعنوان «انتقام الأخ» إلاّ أنه لم يستطع إكماله حتى أنه اضطر إلى أن يعرضه ناقصا. كما تم إنتاج فيلم ناطق بعده عام 1932 من إخراج عبد الحسين سدنتا، وكان عنوانه «دختر لُر» ومعناه باللغة العربية «فتاة من لورستان». وكما يشير كتاب «السينما الإيرانية تاريخ وتحديات» إلى أن هذا الفيلم تم إنتاجه في الهند في استديو (إمبريال بومباي) لأن مدير الشركة واسمه اردشير كان إيراني الجنسية، وكانت شركته تُعدُّ آنذاك من أهم شركات إنتاج الأفلام في الهند، وساهم أردشير بما يمتلكه من خبرة فنية وإنتاجية في تقديم المشورة من أجل إنتاج فيلم «حاجي آقا أكتور سينما». ومما يستدعي التوقف عنده أيضا بخصوص هذا الفيلم أنه عرض في الهند قبل أن يعرض في إيران، وأن المخرج وشركة الإنتاج الهندية قد أخذا بنظرالاعتبار أولوية الجانب التسويقي بالشكل الذي انعكس على رؤيتهم في بناء حبكة الفيلم، بمعنى أنهما اتفقا على أن يقدم الفيلم صورة مشرقة عن إيران، طالما أنه سيعرض في بلد أجنبي، ومن هنا عكس الفيلم أهمية الدفع بقضية الانتماء للوطن إلى أن تكون في صلب موضوع الفيلم ومعالجته الفنية.
وتتحدث حكاية الفيلم عن فتاة تم اختطافها وهي لم تزل طفلة صغيرة، وبقيت تعمل في مقهى يرتاده قطاع طرق، ما سيجعلها تحت أنظار «قلي خان» قاطع الطريق الشهير الذي بدأ يخطط للاستحواذ عليها، رغم معرفته أنها على علاقة حب مع «جعفر» الموظف الحكومي، ومع ذلك تفشل كل محاولاته في أن يفرق بين الحبيبين عندما ينجحان في الهرب من مدينة بومباي تفاديا من الوقوع تحت رحمة قاطع الطريق وانتصارا للعواطف السامية التي تربطهما.

الإنتاج وتداعيات الأحداث

رغم الاهتمام المبكر بالفيلم السينمائي، إلاّ أن الإنتاج الإيراني بدأ يشهد نموا خلال الفترة التي تتراوح ما بين عامي 1932 ـــ 1937 حيث تم إنتاج عدد من الأفلام تناوب على إخراجها إبراهيم مرادي وعبد الحسين سدنتا. ونظرا إلى أن السينما في الهند كانت قد سبقت إيران من حيث البداية، ولوجود الاستديوهات وشركات الإنتاج والخبرة المتراكمة في صنع الأفلام، نجد أن معظم الأفلام الإيرانية في هذه الفترة تم إنتاجها في الهند، ويذكر في هذا الصدد أن عام 1913 كان قد شهد إنتاج وعرض أول فيلم هندي صامت، حمل عنوان «راجا هاريشاندرا» وهو من إخراج داداساهب فالكي، وفي السياق نفسه، كانت الهند قد شهدت عام 1937عرض فيلم «كيسان كانيا» وهو أول إنتاج سينمائي هندي ملون، وتشير المصادر السينمائية إلى أن عام 1931 كان قد شهد إنتاج أول فيلمٍ هندي ناطق بعنوان «أضواء الدنيا» للمخرج أردشير، ومنذ ذلك التاريخ غزا الفيلم الناطق الإنتاج الهندي الذي اتسعت عجلة إنتاجه ودارت بسرعة كبيرة، حتى أن فترة ثلاثينيات القرن العشرين كانت قد شهدت ازدهارا هائلا، حيث أصبحت الهند تُنتج أكثر من 200 فيلم في السنة الواحدة، وبذلك احتلت مرتبة متقدمة من حيث الإنتاج العالمي آنذاك، ولعلها تأتي في المرتبة الثانية بعد الإنتاج الأمريكي الذي وصل عدد الأفلام المنتجة في هوليوود خلال منتصف ثلاثينيات القرن الماضي إلى 500 فيلم في السنة، إلا أن الإنتاج الهندي السينمائي أصابه الكساد خلال الحرب العالمية الثانية (1940 – 1945) وكذلك بسبب اشتداد الصراع السياسي من أجل استقلال الهند عن بريطانيا، وما صاحب ذلك من عنف، وهي الفترة نفسها التي شهدت فيها إيران ركودا كبيرا أصاب إنتاجها السينمائي حتى عام 1948، حيث بدأت بعد هذا التاريخ تعود الأوضاع الاقتصادية إلى حالتها الطبيعية، ودارت عجلة الإنتاج السينمائي مرة أخرى حتى وصل الإنتاج السنوي عام 1975 إلى (6 فيلما، ثم انخفض عام 1977 إلى (38) فيلماً، ومع تصاعد التظاهرات عام 1978 تدهورت الأوضاع بشكل كبير، ما أدى إلى حرق دار عرض سينما (ركسي) في مدينة عبادان جنوب إيران بتاريخ 18 أغسطس/آب من ذلك العام وليحترق معها عشرات المتفرجين، ومن مجموع 500 دار عرض سينمائية تم حرق 200 دار عرض، وكان ذلك إيذانا بموت النشاط السينمائي، إلى أن حصل التغيير السياسي عام 1979 بسقوط نظام الشاه محمد رضا بهلوي ومجيء نظام جمهورية إيران الإسلامية بزعامة الخميني.

السينما في عهد الجمهورية الإسلامية

كان لنتائج التغيير السياسي بعد سقوط الشاه أثر كبير على الفيلم السينمائي خاصة في ما يتعلق بمساحة الحرية التي يتحرك فيها، سواء في طبيعة الموضوعات أو المعالجات الفنية التي يتم النظر من خلالها إلى الموضوع. فالرقابة على الأفلام من قبل السلطة الجديدة باتت صارمة، حيث وضعت جملة من الاشتراطات (فكرية وسياسية وأخلاقية ودينية) يتوجب على السينمائيين أن يلتزموا بها، وإلا سيعرضون أنفسهم للمساءلة، وربما سينتهي الأمر بهم إلى الإيقاف عن العمل أو السجن، مثل الذي حصل مع المخرجة تهمينة ميلاني التي اعتقلت عام 2000 بعد عرض فيلمها «النصف الخفي» وكانت تهمتها دعم التنظيمات الإرهابية، ولكن تم إطلاق سراحها قبل أن يحكم عليها نتيجة لاحتجاج زملائها السينمائيين ولتعاود نشاطها السينمائي مرة أخرى.
المتابع للنشاط السينمائي في إيران سيخرج بنتيجة مؤكدة أنه لم يعد بإمكان المخرج التعبير عن وجهة نظره الذاتية، خاصة في الموضوعات الحساسة التي تتعلق بمؤسسات السلطة وأجهزتها السياسية والأمنية، ومن هنا كان تركيز معظم الأفلام على الجانب الاجتماعي وما يحفل به من صراعات إنسانية، وإذا ما شعرت الرقابة أن المخرج بات يفكر خارج اشتراطاتها المدوّنة، فإنها لن تترد في أن تتخذ بحقه إجراءات تحد من نشاطه، سواء بفرض الإقامة الجبرية عليه أو السجن أو منعه من العمل والسفر خارج البلاد، ولعل أبرز من وقعوا تحت سلطة هذه القوانين المخرج جعفر بناهي الذي حكم عليه عام 2010 بالسجن لمدة ستة أعوام، كما منع من العمل لمدة عشرين عاما، وكان من نتيجة ذلك أنه لم يتمكن من السفر إلى فرنسا بعد أن تم اختياره عضوا في لجنة تحكيم مهرجان كان السينمائي في ذلك العام.
مقابل ذلك سعى نظام الجمهورية الإسلامية في إيران إلى دعم الإنتاج السينمائي بشكل كبير من الناحية المادية، طالما كان يدور في فلك أجندته الفكرية. ورغم أن العديد من الأفلام المنتجة منذ عام 1979 كانت تتوفر على صنعة فنية جيدة أهلتها لنيل عدد من الجوائز في مهرجانات دولية معروفة، إلاّ أن ذلك لا يمنع من أن غالبية الإنتاج السينمائي سيكون مصيره المصير الذي انتهت إليه الأفلام التي تم إنتاجها خلال فترة الحكم الشيوعي لجمهوريات ما كان يطلق عليه الاتحاد السوفييتي، وكذلك بقية البلدان التي حكمتها الأحزاب الشيوعية في أوروبا الشرقية، حتى سقوطها في مطلع تسعينيات القرن الماضي، ولتسقط معها تلك الأفلام لأنها كانت تعكس وجهة نظر النظام القائم، وتحاشت التوغل في القضايا المجتمعية الشائكة، خاصة ما يتعلق بمسألة الحريات، التي أدى تراكمها إلى أن تكون سببا رئيسا في سقوط تلك الأنظمة الشمولية.

٭ شاعر عراقي

قراءة في محطات مهمة من تاريخ الإنتاج السينمائي الإيراني

مروان ياسين الدليمي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية