واشنطن -«القدس العربي»: وصف المرشح الرئاسي السابق ميت رامني خطاب الاتحاد الذي ألقاه الرئيس الأمريكي باراك أوباما بانه «فرصة ضائعة» و«مقترحات مخيبة للآمال»و«جسرا لا يصل إلى أي مكان» وأتهم أوباما بانه أكثر إهتماما بالسياسة من العثور على حلول وانه، كعادته، يبدو في حملة انتخابية بدلا من تحقيق نتائج.
تعليقات رامني الذي خسر أمام أوباما في الانتخابات الرئاسية الماضية كانت متوقعة تماما وهي نموذج لسلسلة من الانتقادات القاسية التي تلت خطاب حالة الاتحاد حول السياسة الخارجية أو الداخلية لأوباما كما ظهرت ردود فعل حذرة جدا حول اختفاء كلمات في غاية الأهمية من القاموس السياسي الأمريكي بما في ذلك خطاب «حالة الاتحاد» وهما العجز والديون، وفيما يلي قراءة متأنية للخطاب الذي سيحدد سياسة أوباما حتى نهاية عهده.
متاهة الدولة المفلسة
أعلن أوباما في الخطاب خطة لجلب أكثر من 320 مليار دولار من خلال الضرائب والرسوم الجديدة على الأثرياء والبنوك الكبيرة من أجل أستخدامها لتوفير رسوم مجانية للدراسة في الكليات ورعاية الأطفال وتوفير ائتمانات ضريبية إضافية لعائلات الطبقة العاملة، وهي خطة لم تعجب رموز اليمين بالتأكيد بمن فيهم رامني «الجمهوري» الذي لم يحسم موقفه بعد من خوض الانتخابات الرئاسية المقبلة.
يتفق نصف الشعب الأمريكي على الأقل مع إجراءات أوباما الاقتصادية حيث انخفض معدل البطالة إلى أدنى مستوياته منذ عام 2008 وتزايد معدل النمو السنوي بسرعة في حين تعاني الاقتصادات العالمية الأخرى مثل اليابان وأوروبا من ركود متجدد. ولكن أوباما تجاهل بالفعل في خطابه مشكلة اقتصادية خطيرة للغاية هي العجز والمديونية حيث لم يذكر»خفض الانفاق» على الإطلاق مما أدى إلى انتقادات من الجمهوريين وصلت إلى حد القول ردا على الخطاب بان الأمة الأمريكية تقترب من نقطة اللاعودة وان الديون ستدمر أمريكا بل روحها، أيضا. وقارن جمهوري من ولاية ويسكانسون مستقبل الولايات المتحدة إذا لم تبدأ في تخفيضات كبيرة في الانفاق بما حدث في اليونان وما يعنيه ذلك من تحويل «شبكة الأمان الاجتماعي» إلى أرجوحة من الخطر.
هذه الانتقادات لم تصل إلى المستوى اللائق الذي تفرضه أيديولوجية الحزب الجمهوري المعارض بشراسة لفكرة «الحكومة الكبيرة» ولم يبذل قادة الحزب جهدا حقيقيا في اقتراح «أفكار بديلة» لتخفيض الانفاق المسرف وتحقيق التوازن في الميزانية، وهذا يعنى بالتالي ان أوباما سيندفع مجددا في تنفيذ جدوله الاقتصادي القائم على زيادة الانفاق مع عدم وجود معارضة حقيقية.
الشرطة البيض
والرجال السود
دعا أوباما في خطابه أطراف النقاش الدائر حول معاملة نظام العدالة الجنائية مع الأقليات إلى العمل معا، وقال :»لدينا وجهات نظر مختلفة حول أحداث فيرغسون ونيويورك» مشيرا إلى حالتين، قتل فيهما الضباط البيض رجالا سود من أصول أفريقية، وأضاف:»لكن بالتأكيد، يجب ان نفهم مشاعر الأب الذي يخشى على أبنه من المضايقات أو زوجة الضابط التي لا يهدأ لها بال حتى عودة زوجها من المناوبة دون إصابات».
هذه الدعوة، هي في الواقع، استمرار لتصريحات سابقة أدلى بها أوباما ودعا إلى أصلاح نظام العدالة الجنائية، وقد بدأ رجال السلطة التشريعية من الطرفين الديمقراطي والجمهوري بالفعل في انتاج مجموعة متنوعة من التشريعات لإصلاح نظام العدالة كما دفع الكثير من الاهتمام حول إصلاح نظام السجون التي فاضت بنزلائها ودعم أصلاحات لقوانين الأحكام من شأنها تخفيض الأحكام على عقوبات الجرائم غير العنيفة مثل المخدرات والتي غالبا ما يقع ضحيتها السود والأشخاص من أصول أصول لاتينية.
اغلاق غوانتانامو ..لا تراجع
استخدم أوباما خطابه قبل الأخير عن حالة الاتحاد للتأكيد على هدفه باغلاق معتقل خليج «غوانتانامو» المثير للجدل، وقال:» لدينا التزام عميق بالعدالة، ولذا لا معنى لانفاق 3 ملايين دولار على كل سجين من أجل الحفاظ على سجن يدينه العالم وتستخدمه الجماعات الإرهابية لتجنيد المزيد»، وأضاف:»لقد عملت بمسؤولية على خفض سجناء المعتقل إلى النصف وقد حان الوقت لإنهاء المهمة».
وقد تزايدت جهود أوباما بالفعل لاغلاق المعتقل سيء الصيت في محاولة للوفاء بتعهداته خلال الحملة الانتخابية في عام 2008، وأدت عمليات النقل إلى تخفيض اعداد السجناء إلى 122 سجينا فقط، أما تكرار الحديث عن اغلاق المعتقل في الخطاب فهو يعني بلا شك تصميم أوباما على انجاز المهمة رغم أنف الحزب الجمهوري والانتقادات المتصاعدة.
مفاوضات بدون
عقوبات مع إيران
حاول الجمهوريون في الأسابيع الأخيرة تمرير مشروع جديد مخفف لفرض مزيد من العقوبات على إيران بصيغة تتحايل على خطة العمل المشتركة التي اتفقت الولايات المتحدة وإيران عليها كقواعد تحكم المفاوضات النووية حتى يتم التوقيع على اتفاق ولكن أوباما كما ظهر في خطابه الأخير عازم بلا شك على استخدام حق النقض «الفيتو» ضد أي عقوبات جديدة على إيران ومن الواضح انه لن يتسامح مع أي محاولة للتحرش بجهوده من أجل التوصل إلى اتفاق تاريخي يسجل كانتصار سياسي لعهده.
وأوضح أوباما انه لا معنى قطعيا لفرض عقوبات جديدة تهدد التقدم الدبلوماسي، وقال:»الشعب الأمريكي لا يريد الذهاب إلى الحرب الا كملاذ أخير، وانه عازم على الوفاء لهذه الحكمة»، وفي الواقع تدل هذه الكلمات على تحذيرات صريحة لإيران بان عدم الاتفاق سيعني بلا شك فرض عقوبات جديدة ولكن في الوقت المناسب بل والتهديد بالخيار العسكري.
يعتقد المراقبون بان أوباما لا يرغب فعليا بالتورط في حرب جديدة مع إيران في الشرق الأوسط ولكنه بالتأكيد سيلجأ إلى فرض عقوبات قاسية مدمرة للاقتصاد الإيراني والطموحات السياسية لهذا البلد اذا لم يتم احراز اتفاق، وهو بالتاكيد سيواجه حملة عاتية من الجمهوريين والديمقراطيين إذا لم يتحرك بهذا الاتجاه. وقد دل خطاب الاتحاد بشكل واضح على حرص أوباما المفرط للتوصل إلى نهاية سعيدة مع إيران.
نهاية كاذبة للحرب الأفغانية
تفاخر أوباما بان الليلة التي القى فيها خطاب الاتحاد هي موعد إنهاء المهمة القتالية الأمريكية في أفغانستان منذ هجمات الحادي عشر من ايلول/سبتمبر ولكن الواقع يشير إلى عدم صدق هذا الخبر السار لان القوات الأمريكية المتبقية في أفغانستان بناء على اتفاق مع الحكومة الأفغانية ما زالت مخولة بشن ضربات جوية اذا تم تهديد الولايات المتحدة أو قوات التحالف من قبل حركة «طالبان» كما حصلت أمريكا على تفويض بمكافحة الإرهاب في البلاد وهي كلمة فضفاضة لا تعني بأي حال من الأحوال الانسحاب الكامل.
وقد انقض الجمهوريون على اعلان أوباما وقالوا بان سحب القوات الأمريكية من أفغانستان سيؤدي إلى انهيار البلاد كما حصل في العراق، وقال رئيس مجلس النواب جون بوينر بان أوباما أكثر إهتماما بالحفاظ على المواعيد السياسية التعسفية من هزيمة التهديد الإرهابي في افغانستان، وفي الحالتين، الحرب الأمريكية في افغانستان كانت غير كاملة ونهايتها كاذبة ولكن خطاب الاتحاد أوضح بما يدعو للشك بان أوباما يريد نهاية للحرب تحت أي مسمى أو ظرف.
أقوال بلا أفعال لدعم المعارضة السورية
قال أوباما في الخطاب ان الولايات المتحدة تدعم المعارضة السورية وتساعد جميع الناس الذين يقفون ضد الايديولوجية المفلسة للتطرف العنيف ولكن هذا الإدعاء تجاهل حقيقة ان القوات الأمريكية لم تبدأ بعد في تدريب قوات المعارضة أو حتى «فحصهم» من أجل قتال تنظيم «الدولة الإسلامية»، واعترف أوباما بان هذا الجهد قد يستغرق سنوات طويلة ولكنه لم يفسر مماطلة الإدارة الأمريكية طوال السنوات الماضية في دعم المعارضة بشكل حقيقي، وفي أفضل سيناريو، لن تتمكن قوات المعارضة السورية حسب الخطة الأمريكية من القتال قبل بداية عام 2016 مما يعني سنوات أخرى من العنف والدمار، وتجاهل في خطابه الحديث عن نهاية جدية لنظام الأسد مما يعني ان واشنطن ما زالت مصرة على موقفها الطريف الذي يتضمن «الأمل» ان تتمكن قوات المعارضة السورية من ان تكون جزءا من عملية تفاوض وتسوية سياسية عبر صفقة تفرض على الرئيس السوري بشار الأسد ترك السلطة.
شارلي وكراهية الإسلام
سارع الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش إلى التحذير من مغبة التعرض لأي مسلم في الولايات المتحدة بعد هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر وتحدث البيت الأبيض في الماضي ضد الرسائل المعادية للمسلمين ولكن صوت الإدارة الأمريكية بدا مترددا في أعقاب الهجوم المميت على صحيفة «شارلي ابيدو» الساخرة، وفي خطابه قال أوباما ان الأمريكيين يرفضون الصور النمطية المسيئة للمسلمين مؤكدا ان الغالبية من المسلمين يشتركون مع الأمريكان في الالتزام بالسلام، وهذا بالتأكيد تصريح طيب جاء في لحظة مناسبة ولكنه في الحقيقة «تصريح كلاسيكي» لا يقارن بالحماس الذي ظهر عليه أوباما في جامعة القاهرة وهو يطالب بسد الفجوة بين الغرب والعالم الإسلامي.
لم يقل الرئيس الأمريكي باراك أوباما أي شيء بشكل علني عن الصور النمطية المعادية للمسلمين بعد هجمات باريس، وتحدث السكرتير الصحافي للبيت الأبيض جوش ارنست بعبارات عامة جول واجبات الناشرين ولكنه لم يكرر انتقادات مباشرة لشارلي، وقد حاول أوباما في الخطاب كما يقول الخبراء التوفيق بين التعبير عن القلق حول معاملة المسلمين وتعبيرات أكثر قلقا بشأن حرية التعبير ولكنه كان بالفعل مثل «البطة العرجاء».
حصار منتهي الصلاحية
دعا أوباما الكونغرس إلى اتخاذ الخطة النهائية لوضع حد بشكل رسمي للحضر المفروض على كوبا وقال بان الحصار ورث حالة من عدم الثقة بين الولايات المتحدة والدولة الشيوعية وانه منتهي الصلاحية منذ فترة طويلة، وأضاف:»عندما تفعلون شيئا لا يعمل منذ 50 سنة فقد حان الوقت لمحاولة شيء جديد».
وتزامن خطاب أوباما مع اعلان الإدارة الأمريكية بانها سوف تتحرك لتطبيع العلاقات مع كوبا مما يشير إلى نهاية سياسة الحصار، وقد خفتت الانتقادات المعارضة لسياسة التحول نحو كوبا بما في ذلك السناتور ماركو روبيو الذي قال «لن يكون هناك انفتاح سياسي في كوبا وان النظام القمعي لن يتغير».
الدولة الإسلامية
والحرب غير القانونية
حث أوباما في خطاب الاتحاد الكونغرس على إصدار تشريع يجيز الحرب الجارية مع تنظيم «الدولة الإسلامية» ولكنه لم يبادر إلى إرسال صيغة مقترحات إلى المشرعين منذ شهور، وعلى العكس من ذلك، أشار أكثر من مسؤول في البيت الأبيض في يوم الخطاب ان أوباما قد لا يرسل مقترحات على الإطلاق، وقد أورد الحاجة إلى ضرورة التفويض مرة واحدة خلال الخطاب الذي قال فيه ان التحالف العسكري الذي تقوده الولايات المتحدة قد نجح في وقف تقدم الدولة الإسلامية إلا ان الحاق الهزيمة بها ستستغرق الكثير من الوقت.
وقال المشرعون الأمريكيون ان أوباما لم يقل شيئا جديدا حيث أكد السناتور بوب كوركر بانه توقع ان يرسل البيت الأبيض مشروع لغة التفويض منذ أسابيع ولكن لم يتغير أي شيء، وقال السناتور تيم كاين ان الخطاب لم يشر إلى نية جدية لإرسال مشروع القانون.
واتهم المشرعون الإدارة الأمريكية بانها تتعمد تأجيل ارسال تشريعات تفويض الحرب، وقالوا انهم يشكون بان التفويض يمثل أولوية في أستراتيجية الحرب ضد «الدولة الإسلامية» لان إدارة أوباما تعتقد ان الرئيس لا يحتاج إلى سلطة قانونية جديدة لدحر التنظيم وان واجب أوباما بصفته القائد العام للقوات المسلحة هو بناء التحالف وتدمير تنظيم الدولة، وهكذا تتواصل «الوعود الغامضة» بالعمل عــلى حــل «القضايا الصعبة» بين البيــت الأبيض والكونغرس دون نتيجة.
رائد صالحة