شكلت التظاهرات والاعتصامات العفوية والشعبية التي شهدتها بيروت طيلة الأيام السابقة، بدعوة من حملة «طلعت ريحتكم» احتجاجا على سياسات الحكومة اللبنانية، تطورا مهما في المشهد السياسي والشعبي والإعلامي والاجتماعي في لبنان رغم كل المحاولات الهادفة لتشويه هذا الحراك الشعبي أو التهجم عليه أو السعي لحرفه عن مساره. فقد بدأت هذه التحركات والاحتجاجات من خلال الحملات الإعلامية عبر وسائل التواصل الاجتماعي(فيسبوك ـ تويتر) ومن ثم بدأت تنزل على الأرض عبر اعتصامات صغيرة ومحدودة للاحتجاج على تراكم النفايات في الشوارع اللبنانية ومن ثم احتجاجا على الاهمال الحكومي لهذا الملف.
وبدأت مؤسسات المجتمع المدني وبعض مناصري القوى السياسية والحزبية بالانضمام إلى التحرك الميداني بحيث تحولت التحركات العفوية إلى تظاهرات واعتصامات منظمة، إلى ان كان التحرك الأضخم يوم السبت في 22 اب/اغسطس الماضي حيث انضم آلاف المتظاهرين من مختلف المناطق والاتجاهات وخصوصا من قبل طلاب الجامعات والطبقات الوسطى في المجتمع اللبناني إلى التحرك الشعبي الواسع في ساحة رياض الصلح، وتحولت الشعارات من قضية النفايات والزبالة إلى كل قضايا المجتمع وإلى اسقاط النظام والحكومة اللبنانية والمجلس النيابي.
لكن التطور الأبرز في ذلك اليوم الهام كان في تصدي القوى الأمنية للمتظاهرين بالقوة واستعمال الرصاص الحي والرصاص المطاط والقنابل المسيلة للدموع لتفريقهم ومن ثم اعتقال عدد كبير من المتظاهرين، وكانت ردة الفعل معاكسة، فأصر المتظاهرون على البقاء في ساحتي رياض الصلح والشهداء وعلى تصعيد التحركات مساء السبت ويوم الاحد في 23 اب/اغسطس، حيث زاد عدد المتظاهرين واضطر رئيس الحكومة تمام سلام ووزير الداخلية نهاد المشنوق والأجهزة الأمنية للتراجع أمام المتظاهرين واطلاق المعتقلين والدعوة للحوار معهم والسعي لتلبية بعض مطالبهم. لكن اندساس بعض المجموعات المنظمة إلى هذا التحرك والعمل لتخريب التظاهرات والاصطدام مع قوى الأمن وتخريب الأملاك الخاصة والعامة أدى لحصول ردود قاسية من القوى الأمنية والعمل لتفريق المتظاهرين وإصابة العشرات منهم، وانعكس كل ذلك انقساما وخلافات داخل الجهات المنظمة وبدأت تبرز مجموعات جديدة تدعو للتحرك بعد ان قررت حملة «طلعت ريحتكم» تأجيل التظاهرات إلى يوم السبت 29 اب/اغسطس. لكن بقية المجموعات نزلت إلى الشارع واستمرت بالتحرك وفرضت على الحكومة إزالة الحائط الذي اقيم أمام السراي والغاء المناقصات الفضيحة حول جمع النفايات ومعالجتها.
ولا تزال شوارع بيروت والمناطق اللبنانية تشهد تحركات شعبية متعددة في حين بدأت النقاشات والأسئلة حول جدوى التحركات ونتائجها وهل ستنجح في اسقاط النظام الطائفي أو مواجهة الفساد أو تغيير الواقع السياسي اللبناني؟
ورغم كل الانتقادات والملاحظات السلبية التي وجهت لهذه التحركات والجهات والأشخاص والمؤسسات التي ساهمت فيها، فانه يمكن القول وبصراحة وبدون أي مبالغة ان هذه التحركات الشعبية شكلت تطورا مهما في الحياة السياسية والحزبية اللبنانية وأفرزت حالة جديدة في الواقع السياسي وسيكون لها دور مهم في المرحلة المقبلة إذا تابعت حراكها واستفادت من الأخطاء التي حصلت وتم تطوير ادائها وتنظيم امورها.
فقد تميز هذا الحراك الشعبي بعدة نقاط أساسية ينبغي التوقف عندها وهي التالية:
اولا: انه حراك من خارج الاصطفافات الحزبية التقليدية بين 8 و14 آذار وهو عابر للطوائف والمذاهب والمناطق.
ثانيا: يحمل الحراك مشروعا سياسيا تغييريا حقيقيا رغم صعوبة التغيير في لبنان وارتفاع مستوى الشعارات والمطالب.
ثالثا: اتى هذا الحراك في ظل ظروف سياسية وشعبية صعبة وتعرض لهجمة قاسية من أركان النظام والقوى الفاعلة ومع ذلك نجح في تحريك الناس وانزالهم للشارع رغم ضعف الامكانيات والأدوات التنظيمية.
رابعا: لقي الحراك اهتماما إعلاميا وسياسيا وشعبيا مهما وساهمت وسائل الإعلام سواء التقليدية أو الجديدة بدعم الحراك وحض الناس على المشاركة فيه.
خامسا: لم تستطع أي قوة سياسية أو حزبية أو طائفية من تجيير الحراك لصالحها أو تطييفه رغم كل المحاولات التي سعت لذلك.
سادسا: كشف الحراك عن وجود قوة شعبية واجتماعية حقيقية مستعدة للنزول إلى الشارع وحمل قضايا الناس والتفاعل معها والتضحية من أجلها، وهذه القوة تضم شبابا ومؤسسات وفئات واسعة من مختلف الشرائح وخصوصا من أبناء الطبقة الوسطى من مهندسين وأطباء وأساتذة وإعلاميين وفنانين وكذلك من مختلف الطبقات.
سابعا: برزت الحيوية الكبيرة داخل المجتمع والقدرة على مواجهة أدوات القمع والمرونة في الحراك والاستعداد لتجاوز المطبات التي توضع من قبل المعادين للتحرك.
لكن مع هذه المميزات الإيجابية فقد حصلت بعض الأخطاء التي شوهت الحراك أو أضعفته ومنها بروز بعض الخلافات بين المنظمين والاستعجال في قطف الثمار وعدم وضوح الرؤية المستقبلية للحراك واستعمال بعض الشعارات والمواقف الحادة والتعاطي السلبي مع بعض الجهات التي تعاطفت مع المشاركين في الحراك.
وبالاجمال يمكن القول ان ما حصل في 22 اب/اغسطس الجاري في بيروت ومناطق لبنانية أخرى أسس لمرحلة سياسية جديدة في لبنان وهو استكمال لتحركات سابقة حصلت في السنوات الأخيرة ولا سيما منذ العام 2011 حتى اليوم ومنها التحرك تحت عنوان: اسقاط النظام الطائفي وغيرها من التحركات الشعبية، لكن استكمال هذا الحراك يتطلب نفسا طويلا ونشاطا مستمرا ومنظما ورؤية مستقبلية واضحة وخطة عمل غير عفوية، لكننا على الأقل نستطيع القول اليوم اننا أمام قوة شعبية جديدة تتجاوز كل التقسميات الحزبية والطائفية والمناطقية وسيكون لها دور فاعل في المستقبل إذا أحسن المنظمون تنظيمها ورعايتها ومتابعتها.
قاسم قصير