واشنطن ـ «القدس العربي»: سخر العديد من السياسيين والعامة في الولايات المتحدة كثيرا من جولات وزير الخارجية الأمريكي جون كيري لحل الصراع العربي ـ الإسرائيلي إذ أمضى الرجل أكثر من تسعة أشهر وهو يحاول التقريب بين الوفدين الفلسطيني والإسرائيلي بدون طائل وكان هناك اعتقاد ساذج بان كيري هو السبب الوحيد لعدم تقدم محادثات السلام.
كيري وفقا لوجهة نظر مختلفة سياسي مخضرم يشعر بالتفاؤل في حالات مستحيلة وهو يحظى باحترام كبير بسبب خدمته الطويلة في السلك الحكومي والتي وفرت له مجموعة متنوعة من القدرات ناهيك عن خدمته كجندي مناهض للحرب في فيتنام، وهو سناتور ديمقراطي من ولاية ماساتشوستس لا أحد يستطيع سلب قدرته على الطاقة والتحمل في المجال الدبلوماسي ولذلك كان هناك نوع من الاهتمام في الوسط السياسي الأمريكي في خطابه الهام الأخير بشأن أسس حل الصراع العربي ـ الإسرائيلي.
تعمد الإسرائيليون الإبطاء من عملية الافراج عن المعتقلين الفلسطينيين رغم موافقتهم على ذلك كإجراء لبناء الثقة في محاولة واضحة لزرع مشاعر الاحباط واليأس من احراز أي تقدم في مبادرة كيري، أما خطابه الأخير فقد قوبل باستنكار وقح للغاية من الإسرائيليين وانتقادات مفرطة من إدارة الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب وأنصاره في اليمين المتطرف ناهيك عن اعتراضات قادة الحزب الجمهوري، ورغم ذلك، برزت وجهة نظر نادرة في الأوساط السياسية والإعلامية الأمريكية تقول ان خطاب كيري عن حالة الصراع في الشرق الأوسط ليس فقط عبارة عن مناسبة بل ضرورة قصوى.
وعبر الجمهوريون والكثير من الديمقراطيين بالطبع عن غضبهم من خطاب كيري، فالكونغرس على مدى عقود عبارة عن قلعة كانت وما زالت للدفاع عن دولة الاحتلال الإسرائيلي بواسطة مجموعة من الانتهازيين السياسيين مثل المرشح الرئاسي السابق السناتور ماركو روبيو الذي أصدر بيانا لاذعا يقول ان كيري هو عدو للحرية يسعى لاحراج الحليف الرئيسي للولايات المتحدة.
الانتقادات التي خرجت من الوسط السياسي الأمريكي ضد كيري لم تتعامل بموضوعية مع فحوى الحديث، وكما قال المحلل دانيال ديبتروس، الخبير في شؤون الشرق الأوسط، فان خطاب كيري يجب ان لا يثير الجدل لانه يستند على سياسة طويلة مستمرة للولايات المتحدة منذ عام 1967 وهي ان بناء المستوطنات الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية سيكون بمثابة اعدام لحل الدولتين.
وأوضح ديبتروس ان هناك الكثير من الحقائق التي تدعم أقوال كيري بان إسرائيل تحاول السيطرة على نحو متزايد على الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية لأغراض خاصة، حيث شهد المبعوث الأمريكي للسلام في الشرق الأوسط مارتن انديك ان عدد المستوطنات في الضفة الغربية قد زاد بنسبة 100 ألف خلال فترة أوباما ناهيك عن 90 ألفا من المستوطنين الذين يعيشون خارج الكتل الاستيطانية الكبيرة، وعندما يقول كيري بانه لا يتم السماح بتنمية فلسطينية في المنطقة «ج» في الضفة الغربية فانه لا يطالب بأي شيء جديد، بل يستعرض واقعا جديدا حيث يتركز السكان إلى حد كبير في المنطقة «أ» و«ب» التي تشكل 40 في المئة فقط من الضفة الغربية.
الضجيج السياسي الذي صدر عن أنصار إسرائيل في واشنطن حول خطاب كيري سيدفن بالتأكيد الحقائق القليلة التي اعترفت بها إدارة أوباما، ورغم ذلك، لا يمكن الاشادة بجرأة وزير الخارجية عندما قال ما قال في مكان عام وخاصة مشاعر القلق من سيناريو دولة واحدة.
خطاب كيري، في الواقع، رغم جرأته وفقا للمعايير الأمريكية كان، أيضا، محاولة من إدارة أوباما للتأكيد على حرص واشنطن على أمن دولة الاحتلال ردا على الانتقادات المستمرة من الجمهوريين والديمقراطيين لأوباما بسبب قرار الأمم المتحدة، وجاء الخطاب بلغة ان «الصداقة» تتطلب عرض الحقائق القاسية، وبرزت علامات في خطاب كيري تشير إلى أن إدارة أوباما تعتقد ان المشكلة في نتنياهو وحكومته الأكثر يمينية ولم تنتبه واشنطن إلى ان النهج الإسرائيلي تجاه المستوطنات والسعي لقتل حل الدولتين هو نهج استراتيجي عدواني متجذر في العقلية الإسرائيلية بغض النظر عن شخصية وانتماء رئيس الوزراء.
وقد استخدم كيري خطابه مع اقتراب مغادرته المنصب خلال أسابيع معدودة لتقديم عرض أخير يرسم مسارات التقدم إلى الأمام للتوصل إلى اتفاق سلام، وقد اقترحت لغة الخطاب ندم كيري من انهيار محادثات السلام في عام 2014. وفي الواقع، خطاب كيري لا يتعارض مع تقييمات الإدارات الأمريكية المتعاقبة في مجلس الأمن وكان يهدف في المرتبة الأولى إلى الحفاظ على خيار حل الدولتين.
السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة رون ديرمر واصل بدوره الرد بشكل هستيري على موقف إدارة أوباما بشأن المستوطنات في الأمم المتحدة، إذ قال ان سلوكيات أوباما، في الواقع، صادمة أكثر من سلوكيات الرئيس المنتخب دونالد ترامب.
وقال ديرمر في مقارنة ماكرة بين أوباما وترامب: «هناك الكثير من الحديث والاتهامات حول مدى سوء نوايا الرئيس المنتخب بخرق سياسات الرئيس السابق في وقت قياسي ولكنني أعتقد ان الأمر الشائن هنا هو قيام إدارة أوباما في الأيام الأخيرة من الرئاسة بتحول جذري في سياسة الولايات المتحدة دون علم أو دعم من الإدارة المقبلة».
تصريحات ديرمر كشفت، أيضا، ان دولة الاحتلال الإسرائيلي ستعمل بقوة مع إدارة ترامب والكونغرس لوقف ما سماه بسياسات أوباما تجاه إسرائيل، وعلى حد تعبيره فان إسرائيل تعتقد قرار مجلس الأمن وموقف غدارة أوباما قد أصاب إسرائيل باضرار ولذلك فانها ستعمل مع الإدارة الجديدة وأعضاء الكونغرس من جانبي الممر السياسي، الديمقراطي والجمهوري، لتخفيف الضرر من هذا القرار والغائه في نهاية المطاف.
وقد ضغطت حكومة الاحتلال والإدارة المقبلة لترامب على إدارة أوباما من دون جدوى لمنع القرار قبل صدروه، في حين دافع وزير الخارجية جون كيري عن امتناع أمريكا عن التصويت في خطاب رئيسي ألقاه الاربعاء الماضي قائلا ان خيار دولة واحدة يعني ان اسرائيل لا يمكن ان تكون يهودية وديمقراطية على حد سواء وانها لا يمكن ان تنعم بالسلام.
ترامب من جانبه، وعد مرارا وتكرارا بعلاقات دافئة بين الولايات المتحدة وإسرائيل بعد عقد من العلاقات الفاترة بين أوباما ونتنياهو في حين أشاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بترامب وصداقته الحميمة.
ومن المرجح، ان تتصاعد الحرب الكلامية بين البيت الأبيض من جهة ونتنياهو وترامب من جهة أخرى، ولكن المشكلة الحقيقية تكمن في نوايا الإدارة الأمريكية المقبلة، حيث أعلن ترامب عن عزمه على تعيين سفير في إسرئيل يدعم سياسة الاستيطان ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة وهي خطوات استفزازية ستثير غضب المنطقة، وهي تعني، أيضا، وفاة حل الدولتين.
في نهاية المطاف، ليس هناك ما يدعو إلى الاحتفال في قرار أوباما وخطاب كيري، فالقرار الجديد هو عبارة عن توصية غير ملزمة، ومن الواضح، ان أنصار دولة الاحتلال في واشنطن، وهم كثر للغاية، سيعملون بجهد على تعطيل الأضرار الصغيرة التي جلبها القرار في المحافل الدولية على الكيان الإسرائيلي غير الشرعي.
رائد صالحة