القرار الذي تبنته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة اليونسكو بخصوص مدينة القدس المحتلة يأتي بلا شك انتصارا للجهود الدبلوماسية الأردنية وتأكيدا على الوصاية التاريخية والدينية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية بما فيها اعادة اعمار المسجد الأقصى المبارك والتنديد والحد من الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة للحرم القدسي الشريف والمسجد الأقصى المبارك التي تسعى لتغيير الوضع القائم في المدينة المقدسة وتهويدها.
هذا القرار بلا شك يؤكد عروبة القدس وقدسية الحرم القدسي الشريف للمسلمين فقط ولا ينكر في الوقت أهمية نفسه مدينة القدس الدينية لأتباع الديانات السماوية الثلاث ويدين الاحتلال ويعتبر أن أي إجراء من طرف إسرائيلي أحادي لن يكون الا مخالفا للقوانين والدساتير والأعراف الدولية.
لا شك أن القرار هو استرسال للرسالة الدينية والتاريخية والحضارية والثقافية التي ورثها الملك عبد الله الثاني من سلفه الصالح.
لكن هل يمكن تطبيق القرار على أرض الواقع مع الأخذ بعين الاعتبار الظروف المأساوية في سوريا والعراق واليمن وفلسطين المحتلة عدا عن أن أغلب الدول العربية تعاني من معضلات وجودية من مشكلة مياه النيل بين مصر وأثيوبيا ومشكلة الإرهاب الذي يحصد بشكل يومي أفراد القوات المسلحة المصرية بعملية استنزاف ممنهجة ومشاكل السودان وتونس والعلاقات العربية العربية التي تمر بمرحلة من انعدام الثقة والتشكيك والتشرذم على خطوط دينية وعرقية وطائفية وعدا أن القرار قوبل بالرفض من كافة الدول الأوروبية كبريطانيا وهولندا والسويد وألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية وكندا.
في سوريا وحدها أكثر من 1500 فصيل مسلح متعدد الولاءات وفي سوريا حروب بالوكالة بين روسيا والولايات المتحدة والدول الغربية بدأت ملامحها تطفو على السطح بتهديد أمريكي بريطاني بفرض عقوبات اقتصادية رادعة وتكثيف الضغوط الغربية على روسيا ونظام الرئيس بوتين.
الحرب السورية حصدت الأخضر واليابس بتداعيات إنسانية خطيرة ليس أقلها ثقل أزمة اللاجئين على الدول المجاورة كالأردن ولبنان وعلى الدول الأوروبية التي بدأت تظهر فيها أحزاب يمينية متطرفة تدعو لطرد اللاجئين والمسلمين وتنذر بتشقق النسيج الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والديني الذي ظل لفترة طويلة مصدر فخر للقارة الأوروبية.
الحرب اليمنية مستعرة وقصف التحالف لمجلس عزاء في صنعاء وسقوط ضحايا مدنيين ليس الأول ولن يكون الأخير ولكنه حتما سيظل جمرة تؤرق العلاقة السعودية اليمنية وتنذر بتفجر حمام انتقامي دموي قد يستنزف المملكة السعودية بشريا وأمنيا واقتصاديا مع انخفاض أسعار البترول وحالة التقشف التي تمر بها المملكة ودول الخليج عامة وتظل جمرة تستثير العلاقة بين السعودية وايران من جهة والسنة والشيعة من جهة أخرى.
بالنسبة للعراق الوضع ليس أحسن حالا من سوريا واليمن. العلاقات الفلسطينية الفلسطينية سيئة ولا بوادر لأي رأب للصدع بين فتح وحماس ولا بوادر بتخلي حماس عن غزة أو حتى بانعقاد المجلس التشريعي وانتخابات تشريعية ورئاسية في ظلال الوضع القاتم والقائم حاليا.
الحكومة الفلسطينية لا تستطيع ممارسة صلاحياتها على التراب القلسطيني كاملا وبما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة بالتحديد.
في ظل الأوضاع الراهنة هل يمكن لأحد مجرد الظن بأن القضية الفلسطينية ما تزال تحتل موضع الصدارة للمواطن السوري واليمني والعراقي وغيرهم في المحيط العربي الملتهب.
الأردن يبقى الدولة العربية الوحيدة التي ما تزال تبرز أهمية وضع حد لمعاناة الشعب الفلسطيني وإبراز حقه في إقامة الدولة الفلسطينية الحرة والقابلة للبقاء وعلى كافة التراب الفلسطيني المستقل وعاصمتها القدس الشريف وأن مشاكل المنطقة برمتها يأتي من عدم وضع حد نهائي وشامل وعادل للقضية الفلسـطينية وأهـمية تـراص الصفوف لدحر خطر الإرهاب الدولـي وضرورة أن لا يكون الحل على حساب الأردن، فالأردن هو الأردن وفلسطين هي فلسطين وعدا عن ذلك هراء ومحض افتـراءات.
نظرة ثاقبة للأحداث في المنطقة العربية برمتها ومناظر الدمار الهائل والقتل والاقتتال الطائفي العرقي وضرب البنى التحتية واستنزاف الموارد البشرية والاقتصادية والطبيعية واستفحال الفقر والفساد والأوبئة الاجتماعية والاقتصادية والصحية والسياسية والانقسامات والخلافات العربية العربية يجعلنا نستنتج أن قرار اليونسكو لن يكون إلا حبرا على ورق كمثيله بخصوص الجدار العازل وتقرير حرب غزة وإعادة إعمارها أو بالأخص تركيب كاميرات في أنحاء الحرم القدسي الشريف لتصوير ورصد وتدوين انتهاكات إسرائيل الفاضحة واقتحاماتها المتكررة لحرمات المسجد الأقصى المبارك الهادفة لجر العالم لآتون حرب دينية مستعرة.
الدكتور منجد فريد القطب