قصائد الإيرانية ساناز زاده فر والمشي على الحروف الميّتة

حجم الخط
0

تريد هذه المقالة أن تقف عند بوح الشعر، والإصغاء إلى صوت الشاعرة الإيرانيّة ساناز داود زاده فر، في مجموعتها «أمشي على حروف ميّتة» الصادرة باللغة العربيّة عن دار تموز للنشر والتوزيع، دمشق 2017، التي تحمل في متنها رؤى اشتغال حياتي مستعاد من متن اللغة القابع في ذاكرة الثقافة، التي تحمل في سياقاتها أصوات هيمنة ما تفضح علاقات الآخر بالذات، تلك التي لا يلتفت اليها النقد المثقل بهموم البلاغة والتزيين والتزويق، إنّما هي من نصيب القراءة الثقافيّة التي ترفع عن الأدب أغطية النعومة الماكرة، وبثور الزيف والادعاءات الكاذبة، لتقف عند اللغة في تصورها الحامل لنمط الحياة في عمق إشكالاتها وتشابك تصوراتها.
والشاعرة ساناز في قصائدها التي تقف عند صيغ متعدّدة من صيغ تحبيب الحياة بالشعر بطريقة غير مباشرة، حين تعمد إلى مسخ شكل الحياة العاثر باللاشيء والحافل بالذبول، لتلعن وجوه التصحّر وشحوب الأفق، وتناكد المألوف الساذج، ودرجة الرتابة التي تسطّح الوجود، وتفقّر الإحساس بالحياة، وهي جميعها تعمل على تهديد جوهر الشاعرة في وجودها اليومي الحافل بالتأمل، خالقة نمطا من الضمور والموت الملغّز بالجوع.
بهذه المقاومة تكون الشاعرة مشدودة إلى أفق كاشف لثقافتها، التي تتأسّس على قهر التخاذل، وردّ الطغيان إلى نحره، وصولا إلى تشكيل صورة تنتمي إلى هويّة الشعر التي هي هويّة الشاعرة المنفتحة على تخطي السكون، وقهر آليات عزل الإنسان عن ثقافة عصره.
يتكئ عنوان المجموعة «أمشي على حروف ميتة» على صيغة دلاليّة تتناقض والسكون لتعلي من شأن الحركة، والنمو وانتظار الأمل، فالمشي مهارة حياتيّة لها سمة المقاومة الضاربة في وعي الإنسان التي تشير إلى مناهضة الموت البطيء بالحركة العابرة للمكان، في رحلات حافلة بالجدّة والطرافة نحو أمكنة لا تُمل.
والشاعرة حينما تمشي فإنّ مشيتها على أصابع الكتابة مقاومة للصدأ الذي تركه سبات القرون، فهي تريد الانبثاق من بين ما هو اعتيادي ويومي عابر، مؤكّدة كينونتها، وطول قامتها، وتشابك لغتها، وحضور صورها، وهي بمشيتها على تلك الحروف الميّتة تؤكد في إشارة تورية ثقافيّة، سبق أن تحدّث فيها (الغذامي) بما تملك من ازدواج دلالي، أحّد طرفيه حاضر في النصّ، والآخر عميقٌ مضمرٌ لاشعوريّ، ليس موجودا في وعي المؤلف والقارئ، بل حاضرا في عدّة تراكمات، وتواتّرات جعلت منه عنصرا نسقيّا ملتبسا بالخطاب، يشير إلى مضمر يشكّل خطورة في السياقات الأدبيّة، والظواهرالحياتيّة، وتكمن خطورته – والكلام للغذامي- في كونه مصوغا من قيم راكسة في الذهن، تمارس وجودها وتأثيرها بسلطتها هي لا بسلطة مجلوبة من خارج الذات، فمشية الشاعرة على حروف ميتة إيذان بولادة لغة أخرى ناطقة بالحياة جوّابة آفاق العالم، تحمل الشاعرة في ذاتها لتعلي من أسطورة الشعر الذي يدوس عفن الحياة.
تقول ساناز داود زاده فر:
للوصول إليك
أمشي على حروف مَيتة
ربّما كلمةٌ تقول: آه
مع الكلمة المصابة أيضا

و(آه) الشاعرة فيها من السخرية والبوح والتعريض، أكثر ما فيها من الألم، فمن خلال بناء جملتها المتصلة بالسياق السردي في القصيدة، يتأكّد المتلقي أنّ مساءلة الراهن المعيش، ومناقشة مشكلة الوجود في ظلّ صراع الإنسان مع الإنسان، هو جوهر أسئلة الشعر الآن، بعد أن تبيّن أنّ تأثيرات الصراع تبني لها أعشاشا في الوعي، وتنتظر تفريخ الموت لا بشكله الموروث إنّما بشكل صناعيّ منظّم، فـ(آه) الشاعرة بهذا الهاجس أضفى على تجربة القصيدة سمة التساؤل، والبحث عن إجابات مفقودة.
وتكتب الشاعرة:
وُلدت وكنتُ أبكي
وعشتُ وأنا أصرخُ كثيرا..
أريدُ أن أرحلَ مع ابتسامة
تشبه الـ موناليزا

تستعيد الشاعرة بطريقة الاسترجاع السردي في هذا المقطع القصير لحظة الولادة الطبيعيّة مقرونة بالبكاء، مؤكدة الخصيصة البيولوجيّة التي تشكّل علامة دالّة مجرّدة من حدود التأويل، لكنّها مع تصويتها الممض الذي يتحوّل إلى صراخ حاد تريد الإحالة على مكبوتات كثيرة، وسياقات وظواهر لها فعل الاستلاب في حياة يراد لها أن تكون أشبه بمحنة أو قبو، تبرّز احتجاج الشعر بقوة فهي ترغب في أن تعيش بجمال الرؤى، وبهجة الكلام، وأن ترحل والابتسامة لها مساحة الورد المجلوب من مظان التشكيل اللوني لواحدة من أجمل لوحات العالم: الموناليزا رائعة (دافنشي).
ثم تكتب:
إذا زُلزل أيّ مكان في الأرض
سيتصدّعُ بذلك أيضا قلبي

والشاعرة التي تتمشى على حروف ميّتة يابسة من كثرة التكرار الأجوف، وضمور الدلالة وانحلال الطراوة، وانبثاق الحروب من خواصر الأرض الألف المليئة بالبثور والثقوب، تحاكي مهرجانات الحياة الدمويّة، وهي تراقب زلازلها التي غدت فلكلور دم بارد متجمّد في كلّ يوم على وشم الخواصر والجباه… هنا تقف الشاعرة ساناز مواجهة الحياة بحكمة الشعر، الذي يقول ما لا يقال بالتصريح، بل بالمضمرات التي تقاوم الزلازل من أجل أن تكون البهجة متاحة للجميع، وللشاعرة أن تصرخ في ظل حياة متمترسة بالسلاح:
ينام يورانيومٌ مخصّبٌ في سريري
قبّلتُه..
كلّ مدينة صارت عشَّ غراب أبيضَ من
الدخان.
هنا تجد الشاعرة اليورانيوم المخصّب وقد نام قرير العين في سريرها في إشارة كنائيّة ذات نمط ثقافي رثائي يتوجه نحو المدن التي كانت زاهية بالإنسان بمحض إرادته، حاملا معه المعنى الثقافي المضمر بثقل الارتياب، الذي صار وجوده مقترنا بتحوّلات الآخر مكتشف تعدّد النكبات، ومسوّغ وجودها حتى تحوّل لون الغراب إلى أبيض، بأثر الرذاذ الذي غيّر سحنات الأجساد وطبيعة الأفكار، وهذه دلالة أخرى يتكنّى فيها البوح الثقافي الأبعد غورا في السياق، فهذا النصّ على الرغم من وضوحه إلا أنّه أحال إلى مضمر آخر مخبوء تحت ترسانة التسليح والاحتراب، يشير إلى نسق أخضر موشّى بالأمان.
ويحلو للشاعرة أن تعلن عن جوهر هويتها: الحياة التي جاءت بها من صرخة مجردة من حدود التقويل والقصد، إلى حياة الموت المؤجل ذي الزوايا محدّد النهايات:
ولدتُ على أزيزِ الرصاص
والقذيفةُ جزءٌ من عائلتي
والسّريرُ
مكاني وزوجي، والقصفُ
وكفني..
سترتي المفخّخةُ لعمليّات انتحاريّة
الموتُ هو لُعبتي الصغيرة
يتراءى نسق الشاعرة المعلن في المقطع السابق وقد اتّسع إلى شكل سرديّ مرّر صـــور الموت المؤجّل التي قدّمت سيرة الشعر والشاعرة متشاركة مع نقيض لها نسقي مضمر منسلّ من الظاه،ر معـــلن عن انتماء الشاعرة إلى حياة بلا حروب، ومفخخات، مطمور يحاول أن ينسخ المضمون السابق في الآن نفسه، ولكنّه لا يتنكّر إلى تاريخ عذاب المرأة في ظل حضارات لاغية لوجودها، ولا يتعالى على واقعها المشوب بالحزن، إنّما يحاول بقوّة الشعر أن يقاوم الموت ليأخذ بيد الشاعرة إلى ضفاف الحياة.
القراءة الثقافيّة في تدقيقها الكاشف لما يترسّب تحت العباءة البرّاقة للغة الشعر تريد أن تزيح تراب الزمن المتآكل عن تصوّرات ظلّت غائبة قرونا طويلة عن البحث، مع أنّها حافلة بالرؤى العميقة التي لها صلة بتصوّرات الإنسان، ومواقفه من الحياة، والموت وحركيّة المجتمع، وما يُنتج من ممارسات وتقاليد وأعراف باتت في حساب الثقافة اليوم عرضة للمساءلة والقراءة والوضع تحت مجهر التكبير الثقافي.

٭ ناقد وأكاديمي من العراق

قصائد الإيرانية ساناز زاده فر والمشي على الحروف الميّتة

فاضل عبود التميمي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية