قصاص الملح… بيير لوتي

حجم الخط
0

ترجمة وتقديم: عبد المنعم الشنتوف
يقترب هذا النص الذي نقدم ترجمته العربية من تفاصيل قصاص الملح، الذي كان ساري المفعول في المغرب إبان القرن التاسع عشر، الذي شهد مشاركة بيير لوتي في سفارة فرنسا إلى السلطان الحسن الأول.
يتعلق الأمر في هذا النص القوي والصادم بتفاصيل وصور تعيد القارئ إلى صلب تاريخ الذهنيات، وتقدم في الآن نفسه تمثيلا لتاريخ العقاب والتنكيل بالجسد في المتخيل العربي الاسلامي. سوف نلمس في السياق ذاته حرص الرحالة السارد على اجتناب العجلة والتسرع في استصدار الأحكام المسبقة والجاهزة ورغبته في تفهم «الدوافع» التي حذت بالمغاربة إلى ابتداع هذا القصاص الرهيب، التي يمكن إجمالها في حدة وشراسة قطاع الطرق الذين كانوا ينكلون بقوافل المسافرين والتجار.

النص:

الجمعة 12 أبريل/نيسان
رقصوا طوال الليل على إيقاع الطبول، وها نحن نستيقظ بكامل حواسنا هذا الصباح تحت سماء ملبدة بالغيوم، وكتكملة للمؤونة التي جيئت إلينا بالأمس، أحضرت إلينا غب مغادرتنا للفراش جرار من الحليب الطازج وزبدة فاخرة. يتحتم علينا هذا اليوم أن نقطع عشر مراحل، وما أن شرعنا في المسير حتى بدأ المطر في التهاطل، وكان في البداية رقيقا وباردا خيل إلينا ونحن تحت هذه السماء المغمورة بالسراب، أننا في نورمانديا الخصبة لولا رؤيتنا لهاته الحواف الحادة للقرى وبرانس رعاة الغنم. كانت حفلات التبوريدة أقل جمالا مما هي عليه عند قبيلة بني حاسم، وكنا نحس بأن رجال قبيلة الشراربة الشرفاء أقل ثراء وقتالية، كما أننا بدأنا نشعر بالسأم من كل شيء ولم يلبث هذا الاحتفال أن تحول إلى مصدر شعور بالتعب على المدى الطويل بحكم اضطرارنا للتوقف كل لحظة، فيما زخات المطر تصفق وجوهنا لهؤلاء الفرسان الذين يأتوننا من جهة معاكسة مثل الريح، ويصكون آذاننا ببارود بنادقهم ويهيجون في الآن نفسه خيولنا.
تركنا خلفنا جهة اليمين بلاد زمور الخطرة وانخرطنا وسط هاته الجبال التي يتحتم علينا عبورها قبل نهاية اليوم، كان الصعود شاقا ووعرا في غمرة هذا المطر الوبيل، ومن خلال هاته الفجاج الضيقة والمفتقرة إلى الرؤية والمغمورة بالقمح والذرة، وجريا على مألوف العادة في المغرب، فإننا وطأنا من دون شعور بالأسف هاته المزروعات؛ وسوف يفضل بالتأكيد الكثير مما يكون في المقدور حصاده. وفوق مرتفعات شديدة الوعورة، ولغنا في أرض مغمورة بالوحل وشديدة الانزلاق، ولم يلبث الطين اللزج أن غمر حوافر الخيول وتشكل فيما يشبه مزاليج ضخمة، وكلما تقدمنا خطوة أحسسنا بأننا ننزلق. سقطت بغالنا الواحد تلو الآخر وتدحرجت بمعية أحمالنا وخيامنا وأسرتنا وسط أخاديد من الوحل وسيول مرتجلة كانت ما تفتأ تكبر تحت هذا المطر الطوفاني.
غادرنا قائد قبيلة الشراربة بمعية فرسانه عند الحدود الترابية لقبيلتهم ولم يلبث زعيم المنطقة التي كنا نوجد بها أن جاء لاستقبالنا؛ وهو ما مثل سلوكا رائعا ومدهشا. هي ذي المرة الأولى التي نبقى فيها بمفردنا من دون مرافق. ألفت فرقتنا ببغالها المنهكة ورجالها المغمورين بالوحل، ذاتها وسط حيص بيص ومن دون بوصلة تهتدي بها. ما الذي يسعنا فعله؟ أين يمكننا التوقف؟ وبمن نلوذ؟ أين يمكننا العثور على مأوى ما وسط هاته البلاد التي تفتقر إلى المنازل والأشجار، وحيث يستحيل العثور على كهف يكون في مقدوره إيواءنا؟
وفي غمرة هذه الحالة، التقينا بفرقة لم تكن تقل من حيث عدد أفرادها عن فرقتنا. رأينا في البداية فرسانا، ثم نساء محجبات وأكداسا من الأمتعة. يتعلق الأمر على ما يبدو بقافلة قائد منطقة نائية عاد لتوه من زيارة السلطان. كان هؤلاء الأناس مثلنا في حالة من اليأس المطبق وسط هذه الأرض الموحلة وشديدة الانزلاق. هو ذا في الأخير الزعيم الذي تأخر عن اللحاق بنا، وقد حل بيننا مخفورا برجاله. ألح في الاعتذار وهو يشرح لنا أنه كان مشغولا بتعقب ثلاثة من لصوص قبيلة زمور ذوي الخطورة الشديدة. وقد تمكن من القبض عليهم بمعية خيولهم وهم محتجزون ومشدودو الوثاق في مكان آمن داخل منزله، وسوف يتم اقتيادهم من هناك إلى فاس، كي ينفذ في حقهم قصاص الملح وفق ما يمليه القانون. بينما كنا منهمكين في ارتقاء وتسلق هاته الفجاج الرهيبة بصعوبة تحت وقع المطر، وفي غمرة من السقوط والانزلاق، استمعت بالتفصيل إلى حكاية قصاص الملح الذي يعتبر تقليدا مفرطا في عتاقته داخل هذه البلاد. يتكلف حلاق السلطان بتنفيذ هذا القصاص في مكان عام ويستحب أن يتم ذلك في السوق. يتم إحضار المتهم وقد شد وثاقه بإحكام. يحدث بواسطة موسى في راحة كل يد أربعة شقوق يستشرف غورها حد العظم. يعمد بإشراعه راحة اليد إلى توسيع هاته الشقوق الدامية ثم يحشوها بالملح. يغلق اليد المثخنة بعد ذلك ويدخل كل إصبع داخل واحد من هاته الشقوق، وكي يدوم هذا الترتيب الرهيب حد الموت، فإنه يخيط حول هذه اليد ما يشبه قفازا من جلد البقر مشدود بإحكام وسوف يتقلص هذا القفاز ويضيق وهو يجف. وما أن ينتهي فعل الرتق والخياطة حتى يتم اقتياد المحكوم إلى السجن الانفرادي، حيث يتم إطعامه بشكل استثنائي كي يطول أمد معاناته. ومنذ اللحظة الأولى وبالإضافة إلى هذا الألم الذي يستحيل تصنيفه وهذا القلق المترتب عن هذا القفاز الرهيب الذي لن يتم نزعه مطلقا، وبأن هاته الأصابع المتورمة والمدسوسة داخل هاته الجروح الدامية لن يتاح لها الفكاك أبدا، وأنه لن يكون في مقدور أي شخص أن يشعر بالشفقة حياله، وأنه لن يكون ثمة هدنة لتقلصات ألمه الفظيعة وصراخه الفظيع. بيد أن الأكثر إثارة للرهبة على ما يبدو لن يحدث إلا بعد أيام، حيث تنمو الأظافر من خلل اليد وتخترق بضراوة هذا اللحم المهصور. تضحي حينها النهاية ووشيكة، ويموت حينها البعض بتأثير التيتانوس فيما يفلح الآخرون في تحطيم رؤوسهم على الجدران.
أستسمح الأشخاص ذوي النظريات الإنسية التي جرى التفكير فيها على مقربة من المدافئ في التنديد بالوحشية والهمجية المغربية. يلزمني في البداية أن أشير إلى حقيقة مؤداها أننا ما زلنا نحيا في أرض المغرب في حقبة القرون الوسطى، والله وحده يعلم كم أبدع خيالنا الأوروبي القروسطي في ما يهم العقوبات. علاوة على ذلك، فإن المغاربة شأن كل البشر الذين ظلوا بدائيين هم أبعد ما يكون عن التوفر على مستوى شعورنا العصبي، وهم يقرفون بشكل مطلق من الموت، وتبدو مقصلتنا في عيونهم عقابا بسيطا وعاديا لن يكون في مقدوره ردع أحد. وفي بلاد تكون فيها الأسفار والرحلات طويلة والمسالك والطرق غير محروسة، فإنه لا يسعنا مؤاخذة هذا الشعب لاختياره إدراج هذا القصاص في قانون بشكل يدفع قراصنة ولصوص الجبال إلى التفكير قبل الاعتداء على المسافرين.

كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية