ورزازات (جنوب المغرب) ـ «القدس العربي»: بعد أربع ساعات من السير بالسيارة بين المنعرجات الجبلية الشهيرة بين زاكورة ووارزازات، يصل الزائر إلى المدينة التي يسيطر عليها الهدوء التام، من هذا الهدوء الذي ينشر جناحيه على المدينة استمدت المدينة اسمها، فورزازات تعني في اللهجة المحلية «المدينة الهادئة» التي لا ضجيج يعكر صفوها. ببهو الفندق يتقبلك الموظفون بالكثير من اللطف، بعض السياح الأجانب يجوبون المكان رغم الوقت المتأخر، خاصة الآسيويين ممن يقبلون على زيارة المناطق الجنوبية للمغرب بصورة كثيفة يمكن ملاحظتها بسهولة من خلال تواجدهم في فنادق المدينة وبالمآثر السياحية والقصبات التراثية…لكن السياحة الآسيوية ليست الوحيدة، فورزازات تستقطب كل الجنسيات وعلى رأسها الفرنسية.
وتعتبر مدينة ورزازات واحدة من أهم المحطات السياحية على خارطة الألف قصبة وقصبة بالجنوب الشرقي للمغرب حيث توفر المدينة بنية استقبال جيدة من حيث الساحية سواء على مستوى الفنادق أو الخدمات، وحيث التنوع الشديد للتراث المحلي الجنوبي مما يمنح للزائر فرصة لاكتشاف منطقة غنية بمحطاتها التاريخية، وهندستها المعمارية المدهشة على مستوى قصباتها المتعددة، كما تقدم لعشاق السياحة النهرية فرصة لاكتشاف واحد من أكبر السدود المغربية سد المنصور الذهبي الواقع على مجرى واد درعة ، ورغم تواجد المدينة في الجنوب الشرقي للمغرب فإن ورزازات واحة طبيعية تزدهر فيها الحياة وتتنوع فيها المناظر الطبيعية بين جبال وسهول وهضاب يزيدها ضوؤها الطبيعي بهاء وجمالا، وهو ما يؤكد على ريادتها السياحية بشكل كبير، وإن كان الكثير من المغاربة يجهلون ما تحتضنه هذه المدينة من مقومات طبيعية وسياحية ففي المقابل نجد أن السياحة الأجنبية تعرف كيف تنقب على مكامن الجمال الطبيعي في محيط هذه المدينة الهادئة مدفوعة بالسمعة الطيبة للمغرب كأحد الوجهات السياحية الأكثر أمانا على المستوى العربي.
مدينة الضوء والسينما
صباحا يبهرك الضوء الطبيعي المتدفق الذي ينعكس على وجه المدينة الصغيرة، والذي يصعب على العين أن لا تنتبه إليه، هو الضوء نفسه الذي جعل من المدينة قبلة لتصوير عدد من الأفلام العالمية، حيث تحتضن مدينة ورزازات ثلاث أستوديوهات تصوير كبيرة، تتحول عند انعدام الاشتغال السينمائي بها إلى محج لعشاق السينما وتفتح أمام الزوار أبوابها للاطلاع على أسرار السينما وخفاياها. ويعتبر تواجد هذه الأستوديوهات بمدينة وارزازات عنصر جذب كبير للسياحة الأجنبية والوطنية أيضا، ويستقطب متحف السينما لورزازات الذي يوجد وسط المدينة عددا كبيرا من السياح لموقعه القريب من قلب المدينة، حيث يمكن الوصول إليه مشيا على الأقدام. تستقبلك على باب المتحف الآلهة الفرعونية المجنحة، وعلى مدخل القاعة الرئيسية تستقبلك عربة الموت المصرية التي تنقل الأموات الى العالم الاخر. المتحف هو عبارة عن استوديو كبير حولته السلطات المحلية إلى متحف سينمائي يحتضن مجموعة من الديكورات الضخمة والقاعات الكبرى التي احتضنت تصوير عدد كبير من الأعمال السينمائية العالمية كفيلم «يوسف»، «يسوع»، «المصارع»، «الوصايا العشر» وغيرها من الأعمال السينمائية الكبيرة…ديكورات بنيت أساسا من مواد بسيطة كالجبس والكرتون وغيرها من المواد التي لا يمكنك تصديق إمكانية تحويلها إلى جدران وصخور ومكاتب وحمامات…لكنها مواد استخدمت فيها تقنية فنية عالية أبدعت فيها اليد العاملة الورزازاتية، المشهودة بحرفيتها في كامل المغرب، بعد تلقيها احتكاك مع التقنيين الأجانب، خاصة الإيطاليين وصبغت بشكل احترافي بحيث يصعب معرفة الحقيقية من المزيفة.
يطوف بنا دليلنا السياحي على حجرات المتحف، نتعرف معه على المحكمة اليونانية والمعبد الفرعوني، والمخدع الملكي لزوجة الفرعون، وقاعة السجن، وقاعة العرش وخيمة النبي يوسف. كل مكان بالمتحف تقبع في تفاصيله قصة وعمل سينمائي كبير، وبغرفة فسيحة داخل المتحف السينمائي يمكن للزائر أن يتعرف على تطور السينما من خلال معرض لآلات التصوير السينمائية القديمة، والتي لم تعد مستعملة حاليا أمام زحف التكنولوجيا، معرض يقدم لمحة عن تطور السينما وأدواتها قبل أن تقتحم التكنلوجيا الرقمية كل مراحل التصوير السينمائي.
يقدم لنا دليلنا السياحي شروحات مستفيضة عن المكان، تمتزج في دليلنا السياحي سمات الجنوب والشمال، فقد كان رجلا بسمرة داكنة ولكنة محلية لكن بعيون خضراء يصعب تفسير جيناتها الأوروبية. شروحاته دقيقة عن الأفلام الذي جرى تصويرها في أركان المتحف وكذا عن المعدات وطريقة تصنيعها، يعرف تاريخ المكان بشكل كبير، يتكلم لغة فرنسية سليمة، وقد اعتذر لنا عن عدم التكلم بالدارجة المغربية لأن الــشــرح يسـهل عليه أكثر باللغة الفرنسية، ولعلها الــعـادة الـــتــي اكتــسبها من خلال سرده لتاريخ المكان بشكل يومي للأجانب، أغلبهم من جنسية فرنسية.
قصبة تاوريرت: حكاية السلطة والتاريخ
على الجهة الأخرى من المكان، تمتد بكل روعة قصبة تاوريرت المشيدة على أيدي القبائل المحلية الأمازيغية، على مساحة، حسب الدليل، تتجاوز 11 ألف و640 ألف متر مربع، ويتجاوز طولها 17 مترا، ومن علو أربعة طوابق تطل القصبة على الوادي كموقع استراتيجي للمراقبة قديما. وتعد قصبة تاوريرت واحدة من أجمل وأكبر القصبات بالمغرب وتدخل في نطاق المآثر الوطنية الثقافية المغربية الأكبر من حيث المساحة، فقد شيدت على مراحل وجرى توسيعها تاريخيا بانتقال السلطة فيها، تتميز بدورها بتلك الهندسة البرجية والنقوشات والرموز التي تشير إلى القبائل والإثنيات التي ينحدر منها السكان، هندسة يرى دليلنا السياحي أن أصولها الهندسية تتشابه بشكل كبير مع البنايات القديمة الموجودة باليمن وأن من يزور اليمن اليوم يمكنه الوقوف على هذا التشابه. وسواء كان الأمر صحيحا أم لم يكن، فإن الزائر يقف مندهشا مأخوذا بالشكل الهندسي الذي أبدعته أيادي الساكنة المحلية منذ مئات السنين وبالألوان الترابية التي تنعكس الشمس على جدرانها تاركة ألوانا ذهبية جميلة على القلعة ككل، أما تنوع واختلاف النقوش التي تزين البنايات فقد أكد دليلنا السياحي على أنها بصمات خاصة بالساكنة تبعا لكل منطقة، وأنها تعكس التنوع الثقافي في المنطقة. وتحتضن القصبة حاليا عددا من الأنشطة الثقافية والندوات والعروض، ويتم العمل على ترميمها بشكل متواصل، مستفيدة من تواجدها في قلب المدينة، وتفتح أبوابها وقلبها أيضا للسياح القادمين لها من مختلف أنحاء العالم.
تقع القصبة وسط المدينة مما يسهل الوصول إليها…يصحبنا دليلنا في جولة طويلة داخل جزء فقط من القصبة التي كانت مقرا لنفوذ آل لكلاوي في الجنوب الشرقي المغربي، ندخل القاعات تباعا، قاعات يغلب عليها الهاجس الأمني، بنوافذ صغيرة متعددة للمراقبة، الأسقف عالية بعضها ما زال محافظا على طريقة بنائه القديمة. أسقف مطعمة بالتراب و الأخشاب المقتطعة من شجرة الدفلى السامة حتى تصمد ضد آفة التآكل، نقوش محلية مرسومة بعناية كبيرة من ضمن القاعات ندخل قاعة الزوجة التركية المفضلة للكلاوي، نزور الغرف التي كانت تستحم فيها النساء والأطفال ، غرف التسيير الإداري، يرينا الدليل المصعد التقليدي الذي كان ينقل الأكل من الطبقات السفلية حيث المطابخ، إلى الغرف العليا عبر ممرات طولي ضيق، ومن داخل إحدى غرف الاستراحة، وهي من الغرف الأساسية بالإقامة تطل شرفتها على إحدى الساحات الخارجية الكبيرة، من هناك كانت تجري مراقبة الداخل والخارج للقصبة، ويُحكى أن الفرق الموسيقية المحلية كانت تأتي مرغمة لتقديم عروضها تحت أنظار حاكم القصبة…حكايات كثيرة تصل إلى حدود الخيال تحكى عن تسيير القلعة، عن بنائها وعن القبضة الحديدية التي كانت تدار بها أشغال البناء والتوسعة لكنها حكايات تبقى في حاجة إلى الكثير من التأكيد من مصادر موثوقة….حكايات سرعان ما تنزاح واقعيتها إلى حكايات أقرب إلى الخيال تُهمس في أذن السائح العابر، فيعتبرها مجرد حكاية أسطورية من شرق بعيد وليست تاريخ مكان، فوحدها جدران القصبة التي شهدت صراعات على السلطة بجنوب المغرب تحفظ التاريخ الحقيقي لها.
قصبة آيت بن حدو: جوهرة معلقة على جبل
من قصبة تاوريرت، نحو قصبة آيت بن حدو التي تبعد حوالي نصف ساعة عن المدينة، قصبة تعتبر بحق جوهرة تكلل تاج المدينة الهادئة، المدينة التي تستحم في ضوء شمس باهرة، ولعلها نفسها الشمس التي سيجعل المنطقة تحتضن مشروع نور، وأحد من أكبر مشاريع الطاقة بإفريقيا.
وصلنا المكان مساء، رفقة أصدقاء محليين هما ايدير وعبد الرزاق اللذين كانا رفيقي رحلتنا الأمكنة دوما مغلقة في وجه العابرين، لا يكفي أن تقع في حب مكان ما لا بد لك من ضوء ينير الأسئلة التي تتناسل عند كل منعرج، المكان هادئ جدا ولبلوغ القلعة التي شيدت على جبل حجري يميل لونه إلى الحمرة الخفيفة لا بد من المشي لمسافة عبر ممرات ضيقة تتراص على جنباتها محلات تجارية صغيرة لبيع الحلي والمنتوجات التقليدية المحلية الذي اختار بعضها أن يجعل منها ورشات للرسم. كان المساء يزحف بهدوء على المكان، وأغلب المحلات بدأت بإغلاق أبوابها، القلعة تنتصب على مسافة قريبة من النظر، نقطع النهر على الأقدام، ففي موسم الصيف والربيع يتراجع النهر المالح المحاذي للقلعة إلى أقل مستوى له تاركا نتوءات طبيعية عالية وضع عليها السكان المحليون حجارة وأكياسا مليئة بمواد صلبة مشكلين ممرا شبيه بدرج يمكن الاعتماد عليه لعبور مياه النهر التي تنساب بلطف تحت أقدام الذاهبين نحو قلعة ايت بن حدو، ندخل ثلاثتنا إلى القصبة، يسلم مرافقنا إيدير على عدد من التجار من أبناء المنطقة. ورغم زحف المساء وجدنا أمامنا عددا كبيرا من السياح المتوجهين نحو قمة القصبة، فأجمل ما في المكان أنه شيد على شكل طوابق بتقنية بناء محلية يطلق عليها التابوت تسمح ببناء عدة طوابق سكنية بطريقة تقليدية آمنة. تلتف البنايات حول الجبل بأكمله في هندسة هرمية ساحرة، وأثناء صعودك نحو قمة الجبل تجد أن هناك أدراجا حجرية صنعت بطريقة محلية تقليدية تقودك نحو العلو الشاهق للجبل….هندسة بديعة وغير مسبوقة، سواء من حيث الشكل الهندسي الخارجي أو من حيث التصميم الداخلي، لا تملك سوى أن تتنفس بعمق وتستجمع قواك، لأن الأمر يتعلق بصعود فعلي إلى أعلى الجبل، لتكتشف جمال ما أبدعته يد الإنسان المغربي في هذه المنطقة الرائعة الجمال.أما مكافأتك فإنك ستجدها حين سيتراقص جسدك مع رياح الجبل التي تضحي قوية بشكل غير عادي في القمة، و تدفعك للتشبث بأقرب شخص لك في فرح طفولي وهدية من الطبيعة قلما تكتشفها في شوارع المدن الاسمنتية. ومن العلو الشاهق يمكنك أيضا أن تطل بكل دهشة على القلعة وهندستها البديعة التي سجلتها منظمة اليونسكو الدولية تراثا عالميا.
لا يتعلق الأمر بقصبة مهجورة، بل ما زال عدد من السكان يقطنونها، وهناك تجديد للمنازل الآيلة للسقوط، كما تتعدد المحلات التجارية التي حولت بذكاء جدران الأزقة الضيقة للقصبة إلى لوحة تراثية ملونة من خلال عرض منتوجاتها من زرابي وألبسة تقليدية وشالات على السياح، وتنافست في تحويل المكان إلى لوحة تشكيلية كبيرة، معتمدة في ذلك على عرض المنتوجات والأقمشة الملونة بشكل كبير والتي تخلق مع اللون الترابي لجدران القصبة نوعا من التضارب اللوني الساحر.
في قمة الجبل يتجمع كل الزوار، يجمعهم شعور بالقيام بمغامرة جماعية لبلوغ القمة، جنسيات من مختلف دول العالم، لغات مختلطة انجليزية وفرنسية ويابانية وصينية… تلتقط أغلبية الأفواج السياحية صور للقصبة من الأعلى، وتخلد المشهد الجميل الذي تزيد من جماليته الشمس التي تغرب برفق أمام أنظار السياح، تعصف الريح بقوة في الأعلى ، بعض السياح اختاروا الجلوس قرب برج المراقبة الموجود في أعلى القمة، متأملين المشهد من حولهم، مشهد السياح الفرحين ببلوغ القمة ومشهد الجمال الطبيعي لقصبة معلقة في جبل، وقد استهوى منظر هذه القصبة القريب من الصورة التقليدية للغرب عن المشرق عامة، خيال الكثير من المخرجين السينمائيين ممن اختاروها كخلفية لعدد من أعمالهم، خاصة التاريخية والخيالية منها….
ورغم تصنيفها من طرف اليونسكو كـتراث إنساني عالمي يعود تاريخه إلى القرن الثامن عشر ميلادي، فإن عددا من المصادر التاريخية تؤكد على أن قصبة بن حدو أقدم من ذلك، وأنها بنيت في القرن 11 ميلادي وأن قوات الحاكم المغربي المرابطي يوسف بن تاشفين، قد أحكمت سيطرتها على القصبة بالنظر إلى موقعها الاستراتيجي على طريق القوافل بالمنطقة وأكملت تشييد عمرانها…
تعد قصبة آيت بن حدو نموذجا فقط من النماذج النادرة التي تتميز بها الهندسة المعمارية لقصبات الجنوب الشرقي المغربي، والتي تجعل منها مزارا للقوافل السياحية الدولية. هندسة نادرا ما يجد لها السائح مثيلا في مكان أخر، ولعل تلك الهندسة كانت وراء تصوير بعض الأجزاء الهامة، خاصة اللقطات الخارجية لأفلام سينمائية عالمية لعل من أشهرها «المصارع».