قصة «بيتار القدس»

حجم الخط
0

إذا كنا نريد أن نفهم كيف نتدهور نحو الفاشية، فلا يمكن فصل ذلك عن قصة «بيتار القدس» الذي تحول من فريق لكرة القدم لارضاء إسرائيل الثانية المقربة من الليكود إلى نادٍ عدد كبير من مشجعيه يتصرف بعنصرية وادارته لا تقوم بتشغيل العرب. في الاسبوع الماضي، ردا على حملة «رياضة البلاد» حيث تم التشديد فيها على أن لا يلعب العرب في الفريق، فاجأ المتحدث باسم النادي، أوشري دوداي، باعلانه: في بيتار لا توجد عنصرية حيث إن أحد مالكي النادي هو عربي من أصل يمني، وهناك الكثير من اللاعبين اليهود الذين هم من أصل عربي.
الامر الملفت في تبني شعار «اليهود من أصل عربي» حول اللاعبين الشرقيين في بيتار ـ دون احتجاج أحد ـ يكمن في سرعة تحول مفاهيم كانت تعتبر راديكالية، إلى مفاهيم طبيعية. والامر يشير إلى عملية متقدة لبلورة هويات جديدة أو متجددة. وليس غريبا أن شخصيات مثل «الظل» يتحولون في لحظة إلى ابطال ثقافة. وفي المقابل، من يمثلون العلمانية والليبرالية في إسرائيل ينقرضون. الطرفان يردان بتطرف على التغيير الذي لم يتضح طابعه بعد، والذي نتيجته ليست سيئة بالضرورة.
صحيح أن دوداي قد أفرغ مفهوم «يهودي عربي» من مضمونه الثقافي، وأشار إلى العربية كـ «منشأ جغرافي». لكن تفاخره «بعربية» بيتار هو اعلان يعكس الوعي. والسؤال هو: إذا كان بيتار يعتبر نفسه فريقا عربيا، فكيف يمكن تفسير عدائه للعرب والمسلمين؟ من وراء ما يعتبر عنصرية تكمن اعتبارات يهودية داخلية. فالاستعداد لأن تكون تسمية «يهودي عربي» لم تأت ردا على اتهامات بالعنصرية من صحيفة «هآرتس». حيث اعتبرها المتحدث «جثة يتم اعطاءها التنفس الصناعي بالقوة من قبل نخبة اشكنازية». أي أن التحفظ من النخبة الاشكنازية هو المفتاح لفهم تعبيرات الكراهية للعرب، وايضا فهم تعبيرات التضامن معهم: نحن عنصريون من اجل شتم العرب الذين تهتم بهم النخبة. ومن ناحية اخرى نحن مستعدون لأن نسمي أنفسنا عربا إذا كان هذا هو المطلوب من اجل رفض محاولات النخبة تربيتنا.
من هنا، العنصرية غير منتشرة في بيتار كموقف ديني بقدر ما تنبع من الرغبة في تقرير المصير عن طريق المناكفة.
ايضا العمليات المتعلقة بالليبراليين الجدد في إسرائيل أثرت على هوية بيتار. فنقطة الانجرار من تأييد الليكود إلى تأييد العنصرية هي النقطة التي اشترى فيها اركادي غايدماك النادي، واستثمر الملايين في النادي وقام بتفريغه من هويته الجماعية واستثمر الاموال التي جلبها معه. إن التحليق حول فكرة عنصرية هو جزء من محاولة الحفاظ على التميز والتضامن القديم.
العنصرية في بيتار والعنصرية التي تجسدت في تأييد الجندي مطلق النار على المخرب المصاب في الخليل، ليست قائمة بحد ذاتها، بل هي ترتبط بعلاقات وتحرك بين مراكز قوة قديمة وجديدة في المجتمع. والمفارقة هي أن تآكل قوة النخبة الاشكنازية الليبرالية القديمة هي التي منحت متحدث بيتار الشجاعة والحرية لتبني مصطلح «يهودي عربي»، بالضبط مثلما تعتقد هذه النخبة، ولكن بشروط ووقت اختارها هو.
إن بعض التغيرات التي تبدو الآن مهددة للسلامة والعقلانية في المجتمع الإسرائيلي، ربما تحمل امكانية للتغيير الايجابي.

هآرتس 14/4/2016

آفي شيلون

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية