عُدت لحظة إلى الأيام البعيدة. لحظة إعدامي التي كانت لحظة انقاذي ايضا.
في صباح 10 تشرين الأول/ أكتوبر 1973، عندما كنت وحيدا ومصابا وتعبا، بعد اربعة ايام بلا نوم، عطشان وجائع وأتنفس بصعوبة، ومن حولي جثث اسرائيليين ومصريين في مركز موقع «حزيون» على ضفاف القناة، خرجت لاول مرة منذ بداية الحرب من اجل البحث عن الماء، أو عن أي شخص أو عن حظي.
لم يخطر ببالي لحظة السير نحو القناة، لأن كل من رفع رأسه قتل على يد قناص مصري. لذلك قررت الذهاب شرقا. كانت الشمس حارقة والحر شديدا، والامر الوحيد الذي كان يهمني هو الحصول على الماء. وقد كنت مستنزف القوة وبصعوبة تمكنت من السير عدة خطوات خارج الموقع الذي تم قصفه. نظرت إلى الخلف نحو كومة الجثث وسرت باتجاه الصحراء.
لاحظت من بعيد سيارة مصرية تتجه بسرعة إلى «طرفنا». ولم أكن أعرف شيئا عن احداث الحرب ولم اعرف لماذا لم ينجحوا في انقاذنا. في 8 تشرين الاول، يوم الاثنين، حاولت قوة آساف ياغوري المرحوم، الوصول إلى مسافة كيلومتر واحد من الموقع في محاولة لانقاذنا، لكنها أصيبت ولم تنجح في الوصول الينا. كان الموقع محاصر ومعزول منذ يوم السبت.
«حزيون» يوجد بين رأسي جسر الأرامية الثانية، قرب جسر الفردان. الجنود الـ 21 الذين كانوا موجودين لم تكن لديهم فرصة لوقف القوات المصرية التي عبرت القناة. ضابطي الموقع رامي بلاري وايتسيك ماؤور تم امتداحهما بعد موتهما بفضل شجاعتهما حتى النهاية. يبدو أنه لم يمر الوقت الكافي كي أكتب بالتفصيل ما مر علي أنا واصدقائي في الموقع المحاصر من يوم السبت وحتى مساء يوم الثلاثاء.
في ذلك الصباح كان هدوءا مطلقا، لم يكن أي قصف. صمت رهيب، وفجأة سمعنا صوت سيارة تقترب، المصريون الذين لاحظوا أنني أخرج من بين الجثث كانوا مصدومين. لقد تم احتلال الموقع منذ مساء الاثنين وبقي منا عدة جنود، اختبأنا في خندقين. مظهري كما بدا لهم كان غريبا: كانت على ملابسي بقع دماء المصابين، وسخام بسبب الحرائق. وفقط بعد عودتي إلى البلاد عرفت أنه تم أسر سبعة جنود آخرين في اليوم السابق من خندق آخر.
السيارة اقتربت منا، توقفت وخرج منها 20 ـ 30 جنديا مصريا، وهؤلاء الجنود لم يكونوا من الكوماندو الذي احتل الموقع قبل يومين، بل هي قوة من الجبهة الداخلية كما يبدو، البعض من الجنود كانت بحوزتهم بنادق معلقة على الكتف، والبعض الآخر لم تكن على رؤوسهم خوذ. وأدركت أن صحراء سيناء كلها أصبحت في أيديهم، وهم يشعرون بالراحة تماما.
كانت وجهتي هي الشرق، والشمس كانت تضرب عيوني، والغبار دخل إلى عيوني فجعل رؤيتي ضبابية. المصريون نزلوا من السيارة ووقفوا في صف وبدأوا في السير ببطء، عندها قاموا بتصويب سلاحهم نحوي.
أفكاري تلاحقت، وفي القصص مثلما هي الحال في القصص، الحياة مرت بسرعة أمام عيني، العائلة، زوجتي التي تزوجتها قبل فترة قصيرة، دراسة الطب التي انتهت. شعرت بخوف أقل وأسى أكبر، وكذلك شعرت بتفويت الفرصة كوني لم أفعل أي شيء.
كنت أسمع صوت السلاح وأقوم بعد الثواني. تفكير آخر مر في ذهني وهو أنه خلال الايام الاربعة الاخيرة نجوت من الموت مرات كثيرة. والآن سيتم قتلي بشكل سهل. فجأة، مثلما في الاساطير، جاء جيب وخرج منه ضابط مصري ووقف بيني وبين الجنود.
الضابط صرخ عليهم وأمرهم كما يبدو بعدم اطلاق النار، وبدأ يقترب مني، فهمست «أريد أن أشرب». فقام الضابط باخراج مطرة ماء وهو ما يزال على بعد مسافة مني. وهمست مرة اخرى «أريد المزيد»، عندها صرخ الضابط المصري فقام الجنود باحضار مطرة ماء اخرى وشربتها.
في ذلك الوقت اقترب الجنود مني ووقفوا من حولي وأخذوا قلادتي التي تحمل رمز الدولة ـ وهي هدية من جدتي ـ وأخذوا خاتم زواجي الجديد. البعض منهم قام بضربي، وفجأة سقطت القذائف من حولنا، وبدأ الضابط وسائقه يجروني نحو الموقع مع باقي الجنود. تجمعنا في القنوات والارض اهتزت نتيجة القصف.
فجأة بدأ الجنود بالصراخ والتهديد. وسألت (بالانجليزية والعربية والعبرية وبحركة اليد والوجه) ماذا يحدث. عندها رد علي الضابط بهمس مع حركة يد «إنهم يريدون قتلي»، ولو استطاعوا لكانوا تخلصوا منه ايضا. عندها قلت في نفسي إن الحياة والموت رهن بالكلام، وهمست «نحن الضباط، هم جنود تحت إمرتك. الرتبة ملزمة. عندها، رغم القصف، قام بامساكي هو وسائقه وجروني إلى داخل الجيب وابتعدنا من هناك».
مرة أخرى أنقذني الضابط المصري من موت محتم. وبعد عصب العيون وتكبيل الأيدي إلى الخلف، قاموا بأخذي إلى نقطة ما، وهناك قام الضابط بتسليمي لرؤسائه، وقد كان المكان هناك أكثر هدوء، وكان الكثير من الجنود المصريين والضباط، وبدأ التحقيق الأولي معي.
في البداية اتهموني بأنني طيار، وأنا قلت إنني طبيب. فقالوا لي لكنك ظهرت في الموقع وحدك بعد يوم من احتلاله. وكيف كان يمكنني اقناعهم بأنني طبيب وأنا متعب وأتنفس بصعوبة وجائع وعطشان. وقد قاموا بوضعي في بئر من الرمل ونظروا إلي من أعلى. وجاء شخص وسألني عن أنواع أدوية لمرض القلب. وقد كان هذا هو الامتحان الاكثر صعوبة في حياتي، لكن يبدو أنني نجحت فيه.
قاموا مرة أخرى بعصب عيوني وتكبيلي، وتم جري إلى القارب واجتزنا القناة. وعندما وصلنا إلى الضفة الاخرى دفعوني إلى الامام لتسلق الارضية الاسمنتية، لكنني سقطت في المياه. بضع أيدي سحبتني من شعري إلى خارج المياه. ومرة اخرى تم انقاذي. وبدأت الرحلة الطويلة إلى داخل الليل.
هذه قصة غير مكتملة. من هو الضابط الذي قام بانقاذي؟ ولماذا بذل الجهد لانقاذي؟
هآرتس – 30/4/2017
آفي عوري