قصّة طائرتين جمعهما مصير أسود.. الطائرة الأولى هي البوينغ 777 التابعة للخطوط الماليزيّة، الّتي تحطّمت في يوليو 2014 وقتل كل من كان على متنها وعددهم 298 شخصا،من مختلف الجنسيات. كان ارتفاع الطائرة عندما فقد الاتّصال بها 10000 متر، وكانت تطير في شرق أوكرانيا قرب الحدود الروسيّة، ولم يبلّغ طاقم الطائرة عن أي مشكلة أثناء تحليقها، وكذلك صندوقها الأسود. في اليوم التالي أعلن الرئيس أوباما أنّ صاروخ أرض جو انطلق من المناطق الّتي يسيطر عليها الانفصاليّون الموالون لروسيا تسبب بإسقاط الطائرة. كما أعلن مسؤول مخابرات أوكراني أنّ الفريق الّذي شغّل نظام الصاروخ الّذي أسقط الطائرة هو فريق روسي استنادا إلى أدلّة قاطعة حسب تصريحه. في البداية ادعى الإعلام الروسي أنّ الصاروخ أطلقه الجيش الأوكراني مستهدفا طائرة الرئيس بوتين، الّتي مرّت قرب هذه المنطقة قبل 35 دقيقة، وفيما بعد قال الإعلام نفسه إنّ طائرة أوكرانيّة حربيّة أسقطت الطائرة الماليزيّة بصاروخ. تأخّر سماح السلطات الروسيّة للمحققّين بالوصول لمكان الحطام، حرصا على سلامتهم، بضعة أيام، ثمّ تم تشكيل فريق هولّندي للتحقيق بالحادثة باعتبار أن 196 من الضحايا هولنديون، استغرق التحقيق 15 شهرا ووصل إلى نتيجة أنّ صاروخا روسيّا من طراز BUK 38 M انفجر على مسافة قريبة جدّا من قمرة القيادة، وإنّ شظايا من هذا الصاروخ وجدت داخلها. بعد صدور نتيجة التحقيق أحالت هولنّدا الموضوع لمجلس الأمن، وطلبت تشكيل محكمة خاصّة لمحاكمة المسؤولين عن هذه الكارثة، واتّصل رئيس الوزراء الهولّندي ببوتين طالبا منه المساعدة بإحقاق العدالة. وفي يوليو 2015 استخدمت روسيا حقّ النقض ضد مشروع القرار الماليزي لتشكيل هذه المحكمة وامتنعت الصين وأنغولا وفنزويلا عن التصويت. وأعربت المندوبة الأمريكيّة سامنثا باور عن صدمتها لرؤية روسيا تحاول عرقلة العدالة للضحايا، واقتصرت تصريحات المتحدّث باسم مجلس الأمن القومي الأمريكي على: «ما زلنا نصلّي من أجل الضحايا وعائلاتهم».
الطائرة الثانية هي ايرباص 321 التي سقطت في أكتوبر 2015 بعد 23 دقيقة من إقلاعها من مطار شرم الشيخ متوجّهة إلى سان بطرسبرغ في روسيا، وعلى متنها 224 راكبا من روسيا الاتّحاديّة قضوا جميعا بالحادث. مثل سابقتها كانت الطائرة على ارتفاع 10000 متر عندما فقد الاتّصال بها، ولم يبلّغ طاقم الطائرة عن أي مشكلة أثناء تحليقها وكذلك صندوقها الأسود.
أعلن «داعش» مسؤوليّته عن العمليّة انتقاما لما تقوم به روسيا في سوريا. أعلن بوتين الحداد وشكّل مع المصريّين لجنة للتحقيق بالحادث، أعلن المسؤولون الروس والمصريّون أنّ التحقيق قد يستغرق أشهرا، ثم صرح رئيس المخابرات الأمريكيّة أنه لا يستبعد إسقاط داعش للطائرة. وذكرت تقارير غربيّة أنّ صور الأقمار الصناعيّة أظهرت ومضة حراريّة في منطقة تحليق الطائرة. أما أوباما فصرح بأن قنبلة قد تكون سبب سقوط الطائرة.
في الوقت نفسه فإن وزير الدفاع الإسرائيلي موشي يعلون صرّح بأنّ متشدّدين أسقطوا الطائرة الروسيّة عن طريق قنبلة على متنها، وهذا ما قاله فيليب هاموند وزير الخارجيّة البريطاني. كما أنّ الصندوق الأسود سجّل في الثانية الأخيرة صوت انفجار. خلال العشرة أيّام الّتي تلت الحادثة لم يظهر بوتين على الإعلام إلّا مرّة واحدة معزّيا الضحايا وهذا غير مألوف بالنسبة لبوتين كثير الظهور إعلاميّا. كما صرّح رئيس الوكالة الروسيّة للطيران المدني أنّ التحقيق قد يستمر شهورا.. ورغم أنّه تمّ إيقاف الرحلات الروسيّة للمطارات المصريّة وتمّت إعادة السياح الروس لبلدهم، ومنعت طائرات مصر للطيران من التحليق إلى روسيا، لكنّه تمّ التأكيد عدّة مرّات على أنّ هذه الإجراءات لا تعني أبدا أنّ سبب سقوط الطائرة الروسيّة هو عمل إرهابي. أخيرا جاء الإنقاذ لبوتين بعد ستّة عشر يوما من المكابرة، عند وقوع العمليّات الإرهابيّة في باريس، حيث تمّ الإعلان رسميّا من قبل موسكو بعد ثلاثة أيّام من هجوم باريس أنّ الطائرة الروسيّة تمّ إسقاطها بقنبلة وضعت على متنها أي أنّ روسيا مستهدفة من قبل الإرهابيين مثل غيرها، ولا علاقة للحادث بما تقوم به موسكو في سوريا.
بين هاتين الحادثتين الكثير من النقاط المشتركة مثل الارتفاع والاختفاء المفاجئ عن الرادار والصندوق الأسود، الّذي لا يحوي الكثير والسقوط بفعل فاعل، والنقطة المشتركة الأهم هي روسيا بوتين، الّتي تقوم بكلتا الحالتين بتأخير التحقيق ومحاولة التأثير على شفافيتّه.
في الحالة الأولى كان الروس متّهمين ومن مصلحتهم عرقلة التحقيق، بينما في الحالة الثانية رغم أنّهم الضحايا فقد قاموا بتأخير الإعلان عن مجريات التحقيق لأسباب سياسيّة بحته، حتّى لا تعتبر الحادثة مرتبطة بالتدخّل العسكري الروسي في سوريا، مّا يفتح الباب لنقاشات داخليّة لا تريدها القيادة الروسيّة. وفي كلتا الحالتين فإنّ الحياة البشريّة ليست ذات أولويّة عند هذه القيادة حتّى لو كانوا مواطنين روسا.
وبما أنّنا نتحدّث عن روسيا وحوادث الطيران فلن نستطيع تجاهل حادث آخر في 2010 عندما تحطّمت طائرة توبوليف عند اقترابها من مطار سمولنيسك في روسيا وكان على متنها 96 شخصا، بينهم رئيس بولندا ليخ كاتشينسكي وزوجته ورئيس أركانه، وقائد القوات الجويّة البولنديّة وكبار ضباط الجيش، وحاكم البنك المركزي و15 نائبا في البرلمان البولندي، قتلوا جميعا، وكان هذا الوفد الرئاسي البولندي، يقوم بزيارة غير رسمية، إلى بلدة كاتيان الروسية لإحياء الذكرى السبعين للمجزرة الّتي أعدم فيها الجنود السوفييت، أيّام ستالين 20 ألف جندي بولندي أسير. شكّلت روسيا لجنة تحقيق أصدرت تقريرها في يناير 2011 قالت فيه إنّ سبب الحادث عدم كفاءة طاقم الطائرة، وإنّ قائد القوة الجويّة البولندي كان في قمرة القيادة ممّا شكّل ضغطا نفسيّا على الطاقم، كما أنّ هناك نسبة كحول عالية بدم الطيارين رفض رئيس وزراء بولندا مسودّة التقرير وقال إنّه غير مقبول، وقالت لجنة التحقيق البولنديّة إنّ مسؤولي منطقة الهبوط الروس أعطوا معلومات خاطئة لأفراد الطاقم بالطائرة المنكوبة وانهم متأكدين من أن الطيارين لم يقوموا بأي عمل خاطئ، كما أنّ الإضاءة في مطار سمولنسك كانت ضعيفة وغير كافية. ورفعت الحكومة البولنديّة دعوى قضائية بحق مسؤولي برج المراقبة الروس.. ثلاث حوادث تحطم طائرات ومقتل كل ركابها، مع لجان تحقيق روسية مشكوك بمصداقيّتها في ظل قيادة بوتين في فترة زمنيّة قصيرة، مع اختلاف ظروف كل منها، إلا أنها تبقى مصادفات غريبة.
٭ كاتب سوري
د. عماد بوظو