الهوية هي البعد الذي يمدنا إلى تفاصيل أخرى متلاصقة بنا، كأعضاء لا نراها من جسدنا، قد تكون صفاتنا أو تاريخنا أو صلات القربى والعلاقات العامة، أو ربما نكون تفصيلا لما هو أشمل وأعمق في ذاكرة وطن تجعل منا قطعة صغيرة في لوحة تكبر وتتلون بتباينات مختلفة، من دون أن تلغي خيوط الالتقاء والترابط بين لون وآخر.
ولأن الهوية بمفهومها العام تتشكل من وجودنا التاريخي في مكان معين، وتستمد ثباتها من الذاكرة المجتمعية أو الثقافية أو السياسية، فلا شك أن دوافع التمسك بها تختلف بالمعاني الخاصة التي تحملها لكل منا، ولأن الهجرة القائمة حاليا نحو الغرب هي بشكل أو بآخر استعداد مسبق للتخلي عن هذه الخصوصية، سواء كانت الهوية الشرقية التي نحملها بداخلنا أو جزئياتها الوطنية أو القومية أو الدينية.
في السجن ثمة تعريف آخر لك، تعريف لا يمت بصلة إلى بيانات بطاقتك الشخصية، وإنما في السبب الذي أعاق حريتك، حيث تكون هويتك في القصة التي تحملها، فالجرم الذي ارتكبته أو التهمة المنسوبة إليك هي التي تحدد منزلتك في مجتمع أبعاده تأخذ شكلا عموديا، فلكل فرد ذاكرته وقصته وحياته الأخرى، حياته المقطوعة عن الراهن. تتوضح الحالة أكثر في المعتقل أو في الحبس الانفرادي الذي يدفعك للتعرف على الجدران بأن تكتب شيئا من ذاكرتك أو كلمات عن قصتك تكون بالنسبة للجدار بمثابة هويتك التي سلمتها له حين دخولك، الهوية التي لن تستلمها حين خروجك لأن الهوية هنا قصة مستمرة.
ثمة تناقض في علاقة الحرب بالهوية، فحين تكون الحرب خارجية يتسع مفهوم الهوية لتشمل كل ما يمت إليك بصلة حتى مدن وبلدات وطنك التي لم ترها في حياتك ولكنها حين تكون داخلية يضيق مفهوم الهوية ليقتصر على الطائفة أو العرق أو المنطقة، كما يحدث الآن في سوريا، وكما حدث سابقا في لبنان.
حين تأخذك صدفة أو خيال لتقف أمام مقاتل ما في ساحة المعركة لا يمكن أن تتداخل في مشهده، من دون أن تتخلى عن نفسك، عن مشهدك، ستُنتزع ممّا كنت عليه لتكون تفصيلا صغيرا وضع هناك، تفصيلا لن يحدث تغييرا في الفكرة القائمة أو لغة الرصاصة، لأن المعبر الوحيد لفهم أبعاد المقاتل يكون من خلال إلغائها، فالهوية بالنسبة للمقاتل غير مرهونة بأبعاد أفقية أو عمودية، وإنما هي في نوع الرصاص الذي يستخدمه ويُعرف بذلك من قبل أعدائه قبل أصدقائه، لذلك حين تجرد مقاتلا ما من سلاحه فكأنك جردته من هويته، لأن البعد الوحيد الذي تمّسك به يكون قد انتفى.
مشهد المقاتل في المعركة يختلف عن مشهد الجندي في الحرب، فالجندي يرسم فرحه وألمه من خلال خطوط التقدم والتراجع، ويحتفظ بذكرياته كرهينة للعودة. في الحرب يمتد الحلم باتساع الوطن ويمتد الوطن ليأخذ شكل صورة الحبيبة أو رسالة اطمئنان إلى الأم أو في التراب الذي سقي بدماء أصدقائه.
لأن الهوية هو إحساس أكثر من كونها مصطلحا، لا يمكن قياسها بوعي المتمسك بها أو المتخلي عنها، وإنما في قوة الرابط الشعوري لصاحبها، سواء كان ذاك الرابط يتعلق بالمكان أو اللغة أو المجتمع. في الموروث الاجتماعي للريف الجنوبي لمدينة المالكية السورية نعثر على حكاية تدل على تمسك أحدهم بهويته، على الرغم من النفي المجتمعي له، تقول الحكاية إنه في زمن (السفر برلك) كان ثمة شاب اسمه (عمو رشكي) لم يكن معترفا به من قبل ذويه حتى أنهم لم يكونوا يأبهون، سواء كان حيا أو ميتا، فكانوا يحتالون على جندرمة الدولة العثمانية بإرساله عوضا عن أخوته الثلاثة حين الطلب للتجنيد في صفوف جيش الدولة العثمانية، إلا أنه في المرة الاخيرة التي أرسل فيها عمو رشكي تورط بالهرب مع مجموعة من سجن وضعوا فيه، بعد تعرضهم لعقوبة، لتنقطع أخباره عن ذويه الذين أعلنوا وفاته وأقاموا له مراسيم العزاء والسلوى، إلا أن عمو رشكي كان وقتها يخوض رحلة سفر مضنية عبر الجبال التركية، قبل أن يعثر عليه رجل عربي من ريف مدينة أورفا التركية، الذي عمل على إيوائه وعلاجه والاهتمام به لشهور لحين الشفاء من الأمراض التي أهلكت جسده، وهو يخوض الرحلة عبر الجبال التركية المتخمة بالثلوج. عمو رشكي يعجبه المأوى فيبيت سنة كاملة لدى الرجل العربي، يساعده في رعي ماشيته إلى أن يعرض عليه الزواج من ابنته، والبقاء بشكل دائم في كنف العائلة العربية إلا أن فكرة الزواج تدفع بعمو رشكي للتفكير بهويته، وإن ذلك سيجعله ينسلخ عن مجتمعه، فيرفض مفضلا العودة إلى دياره، ليعود من دون أن تحمل عودته أي تأثير إيجابي لدى أهله الذين كانوا قد عبروا عن ألمهم الشديد لفقدانه، عمو رشكي يعود إلى مجتمع لا يزال لا يجد فيه سوى السذاجة والبلاهة.
ولكن هناك مفارقة بين قصة عمو رشكي وقصة اللاجئين السوريين، حيث يعلم غالبيتهم أن الهجرة إلى أوروبا تعني تخليهم عن هويتهم الشرقية، ولكن لا يبدو أن مانعا ما يحول دون هجرتهم، ربما لأن البلاد لم تعد تحمل هويتها، بلاد اغتصبت نيران الحرب تاريخها وثقافتها وآثارها، قبل أن تمزق أرواح شعبها، الأرواح التي يمكن أن تعرف في مجتمع الموتى بقصة موتها.
كاتب سوري
سعيد قاسم