على مدى نحو 24 ساعة احتجز الأردن السفارة الإسرائيلية وفريق طاقمها كرهائن. لا يوجد تعريف آخر في هذا الوضع. كل الامتنانات والابتسامات لا يمكنها أن تخفي الواقع. والرسالة من الحديث بين رئيس الوزراء والسفيرة موضع الاعجاب عينات شلاين والحارس زيف، عند اجتيازهما معبر اللنبي، كانت واضحة: يمكن تنفس الصعداء. الحظ هو أنه من اصل ضباب التوتر الذي اخرج الكثيرين عن توازنهم، كان الملك عبدالله ونتنياهو حليفين. فقد اقتادهما كوشنير من اليد عبر ساحة العبوات الناسفة.
لقد اخطأ عبدالله في البداية. وفي تلك الساعات الطويلة من التعتيم الإعلامي في إسرائيل كان يتعين عليه أن يسمح لإسرائيل بأن تخرج الحارس من الأراضي الأردنية إلى إسرائيل. ويتبين مرة اخرى بأن كل مواجهة مع جهة إسلامية تصل إلى حافة الاشتعال. المسلمون لا يحبون أن يروا اليهود يمارسون القوة عليهم. اردوغان، رائد صلاح، ابو مازن وكذا الأردنيون لا يحبون ان يروا مثل هذه الظاهرة، ليهودي يدافع عن نفسه بالقوة.
ولكن «خطأ عبدالله ينبع من أنه يحتاج قبل كل شيء لأن يرضي أجهزة الأمن والاستخبارات لديه كي لا تنقض الكلاب المسعورة التي تحميه عليه بـ «الخطأ». وثمة القبائل البدوية. فهي جهة اكثر خطوة بكثير في المملكة الهاشمية من السكان الفلسطينيين الذين هم اغلبية واسعة.
قبل بضعة اسابيع فقط، حكم بالمؤبد على ضابط اردني قتل ثلاثة أمريكيين، رجال «القوات الخاصة» على ما يبدو من السي.آي.ايه. وكانت الحادثة وقعت في قاعة جوية للأمريكيين في الأراضي الأردنية في تشرين الثاني/نوفمبر 2016. هذه في الواقع هي الخلفية لكل قضية الحارس الذي اطلق النار على فتى الاثاث في بداية الاسبوع.
بعض من قبائل البدو توجد منذ فترة طويلة في حالة شبه تمرد ضد الملك عبدالله. فقاتل الأمريكيين الثلاثة هو ابن واحدة من هذه القبائل. وقد طالبوا بالافراج عنه. غسيل العقول من داعش يتسلل هناك جيدا، مثلما حصل ايضا في اوساط مجموعات معينة من عرب إسرائيل. لا شك ان غرينبلت وكوشنير تعلموا جيدا من السي.آي.ايه عن القضية قبل أن يساعد نتنياهو وعبدالله للخروج من ساحة العبوات الناسفة التي ربطت بين السفارة في عمان والحرم. فقد كان الانهاء السريع للقضية مطلوبا قبل أن تنتقل إلى سيناريو السفارة الأمريكية في بنغازي. لقد اجتاز الملك عبدالله مسيرة أبو مازنية. فهو يقضي زمنا طويلا جدا خارج مملكته. لم يعد له منذ الان في الحكم الأردني «رجال اقوياء»، يمكنه ان يحكم بواسطتهم. وحكومته هي فلسطينية ـ غربية اكثر فأكثر، تتشكل من اناس يعرفون كيف ينالون اعجاب واشنطن وبروكسل، ولكن ليس في الساحة البدوية في الداخل.
يحب الناس فوضى «نقاش» جدي في مواضيع هامة مع كل الجهات. هذا ما اوصى به امنون ابرموفيتش في منتهى سبت المذبحة في حلميش. هذا ما يحبه المراقب يوسف شابيرا. فهل يمكن لأحد ان يوصي كيف يمكن اجراء مشاورات في موضوع مستقبل علاقات بين إسرائيل والأردن دون ان يتسرب الموضوع فيصبح عناوين رئيسة في الصحف ويتسبب بأزمة خطيرة؟ لو كانت مشاورات كهذه، ليحتمل ان يكون الاستنتاج بأن تحالف إسرائيل مع الدول السنية، ولا سيما الأردن هو قصر من الرمال مبني على رمال متحركة. من الافضل عدم الاستثمار هناك اكثر مما ينبغي.
منذ أكثر من شهرين، في اعقاب زيارة ترامب إلى الشرق الاوسط وإسرائيل، قال لي مصدر يعرف الامور من الداخل: «لا مؤشرات على ربيع إسرائيلي ـ سعودي». فالانتفاضة الصغيرة التي نشبت من العدم منذ قتل هداس مالكا هي الدليل.
الفلسطينيون أعداؤنا
سلسلة اعمال القتل في الشهر الاخير كانت ايضا سلسلة تعليم. ففي ذروة الأزمة مع الأردن، رفعت كتل المعارضة برئاسة المعسكر الصهيوني مشروع حجب ثقة. «رئيس الوزراء يقود الشعبين إلى جولة دماء زائدة»، قالت عايدة توما سليمان من القائمة المشتركة. وقد عبرت عن موقف غباي، بيرتس وميرتس.
اما موقف وزير الدفاع افيغدور ليبرمان في المقابلة في بداية الاسبوع فكانت معاكسة: «علينا أن نفهم بأن ابو مازن ليس شريكا. فهو لا يبحث عن السلام بل يبحث عن استنزافنا، تفتيتنا من الداخل، المس بدولة إسرائيل، بمكانتها في الساحة الدولية».
فقبل شهر ونصف فقط في مظاهرة اليسار بمناسبة «50 سنة على الاحتلال»، كان أبو مازن إياه مسمار المساء. رسالة السلام خاصته تليت بطلاقة والجمهور هتف. اما الان فيمنح أبو مازن عناق حب لقاتل أبناء عائلة سولمون، وقد تبين كجزء من الاجماع الإسلامي الواسع الداعم للإرهاب. مؤيدو أبو مازن في الجمهور الإسرائيلي يسمون العربدة الإسلامية حول الحرم «انتفاضة الغواصات». وفي منتهى السبت بعد المذبحة في حلميش اجتمعوا مرة أخرى في مظاهراتهم المعتادة ضد المستشار القانوني وكأن شيئا لم يكن.
يعبر موقف ليبرمان عن الانفصال التام عن فكرة شمعون بيرس الراحل الكاذبة وكأن عرفات وأبو مازن هما رجلا سلام. وسواء كانت قصة البوابات الالكترونية صحيحة ام مغلوطة، فالحديث يدور في اقصى الأحوال عن خطأ مغفور في التفكير. فحيال جمهور إسلامي ستجد نفسك دوما بينما قدم سائق ما تدوس رجله على دواسة الوقود وبغير ذنبه يدهسك. ولكن مسموح الخطأ إذا كنا نفهم بأن هذا خطأ، وينبغي تغيير السياسة.
على مدى السنين لم تأخذ إسرائيل الفلسطينيين على محمل الجد. لم تأخذ بالحسبان بأنه يمكنهم ان يكونوا عدوا خطيرا. فقد قال اسحق رابين غير مرة ان الفلسطينيين ليسوا اعداءنا وبالتأكيد هكذا فكر شمعون بيرس. فالمخاطر الكبرى على إسرائيل كان العراق وإيران. وعندما فكر رابين ووازن بين المفاوضات مع السوريين وبين المفاوضات مع الفلسطينيين بدا رهانه على عرفات بمبلغ متدن فيما ان الجائزة الكبرى هي سوريا.
رافقته في الشهر الأخير لحملة الانتخابات في 1992. وقد تحدث رابين علنا عن انه في غضون تسعة اشهر سيصل إلى اتفاق على حكم ذاتي فلسطيني وسوريا تبقى حتى النهاية، مثلما في اتفاقات رودوس. فقد أخذ الفلسطينيين على محمل جدي اقل واعتقد بأن اتفاق أوسلو قابل للتبدد.
لم يكن الخطأ التاريخي الجسيم هو أوسلو، بل عندما لم ينفذ تعديلا للمسار حيال الفلسطينيين، حين كان واضحا بأن الواقع يلطمنا على وجوهنا بضربات الإرهاب. عملت في حينه، مثلما هي اليوم، عوامل انعدام المنطق، مثبطي المنطق، وكلاء تجميد المنطق.
فحقيقة أنه في كل جالية فلسطينية يمكن أن يطل قاتل محتمل تفترض الوصول إلى استنتاجات. فالفلسطينيون هم مع ذلك عدو، وهذا عدو ينبغي التحذير منه والغرس في وعيه بأنه لا جدوى من حركة القتل الشعبية خاصته. ينبغي تغيير القواعد.
لعل هذا حصل في الأسبوعين الأخيرين. يمكن هدم منازل المخربين في غضون 24 ساعة، والسماح للعائلة برفع التماس إلى العليا بعد أن تكون الجرافة قد سوت المنزل بالأرض الأرض. يمكن طرد زعماء المخربين والمحرضين وجمع بنك اهداف يسمح بالرد الفوري السريع. سحب المواطنة من شخصيات مثل رائد صلاح وكمال الخطيب واحتجازهم في السجن، واذا كان هناك سبيل لطردهم فهذا افضل. اما التفكير القديم الذي يتصدره الجيش الإسرائيلي، والذي أساسه تهدئة الميدان، فإنه يسير في تلم أنماط انعدام المنطق.
أمنون لورد
إسرائيل اليوم 28/7/2017
صحف عبرية